في رثاء المعلم الأول.. وعن وطنٍ ضلّ الطريق!

حامد تيراب

 

كان جدي لأمي أحد ضباط ثورة اللواء الأبيض عام 1924. أولئك الرجال الأباة الذين حملوا أرواحهم على أكفهم النظيفة، تظللهم راية حلم باذخ بسودان حر، مرفوع الرأس، تسوده قيم الكرامة والعدالة والوحدة الوطنية الملهمة. خرجوا في وجه المستعمر الإنجليزي بصدور عارية، وقناعة راسخة لا تزعزعها مدافع؛ كانوا يظنون بيقين ثوري خالص أن الوطن الذي سيولد من رحم تضحياتهم وجسارتهم سيكون أجمل، سيكون أكبر، سيكون أوسع من أي خلاف، وأن الدماء الزكية التي روت شوارع الخرطوم حينها في مطلع القرن العشرين لن تذهب هباءً منثورًا، ولن تتحول يوماً إلى حبر بارد في كتب التاريخ المهملة.

لا زلت أذكر حين كنت طفلاً، لم أكن أدرك أبعاد هذا التاريخ الباذخ المكتوب بالدم والنار، ولا دلالات الهتاف الهادر الذي هز أركان العاصمة المثلثة. كنت أعرف فقط أن جدي رجل مهيب، يحمل في ملامحه الصارمة ونبرات صوته وقار زمن بعيد، وحكايات أسطورية لم تروَ في المناهج بعد. وأجمل ما يحتفظ به وجداني المنهك من تلك الأيام الصافية، لحظة دافئة في فناء منزلنا بحي الضباط بأم درمان؛ ذلك الحي الذي كان يعج بذكريات الحامية العسكرية وأحلام التحرر. يومها، أمسك جدي بيدي الصغيرة برفق، وانحنى معي على الرمال اللاهبة بدماء السودانيين، وعلّمني كيف أخطّ اسمي بأصبعي الغض الصغير. كان يبتسم بفخر أبوي بسيط وعميق، ولم أكن أدري حينها أنه ما كان يعلِّمني مجرد حروف هجائية صامتة، هو كان يسلِّمني سرًا مقدسًا: سر الانتماء الأزلي للأرض، وجوهر الهوية السودانية النقية، وسر ومعنى أن يحوز الإنسان اسماً كريماً، وعيشاً كفافاً، وعزّاً مُضافاً، ووطناً معافى!.

اليوم، وكلما زارتني تلك الذكرى البعيدة وسط ركام الحاضر المأساوي وأصوات المدافع التي لا تهدأ، يجتاحني حزن عميق تضيق به الضلوع، وتخنقني عبرة مغسولة بالندم. أتساءل بكثير من الألم والحرقة: لو قُدّر لجدي، وهو في أوج عنفوانه الثوري ذاك، أن يستشرف غيب السودان المعاصر اليوم، هل كان أصبعه سيتجمّد على الزناد قبل أن يطلقه في وجه المستعمر؟ هل كان سيتراجع خطوة إلى الوراء ويسائل نفسه بحسرة تمزق الأحشاء وتدمي القلب: أمن أجل هذا المصير المظلم تداعينا للموت واقتحمنا السجون؟ هل قاتلنا وجاهدنا ليتفتت الوطن الواحد أشلاء، وتشتعل المحارق العبثية بين أبناء الجلدة الواحدة، ويصبح الخراب الممنهج هو لغة السياسة الوحيدة، ويتحول الإنسان السوداني، بكل كبريائه وعزته التاريخية، إلى مجرد رقم عابر وهائم في قواميس النزوح، واللجوء، والانقسام المجتمعي البغيض؟.

إنها مفارقة موجعة؛ لقد ترك المستعمر عند رحيله مؤسسات راسخة وهيكلية لدولة حديثة، وخدمة مدنية منضبطة كان يشار إليها بالبنان في كل القارة السمراء، وسككًا حديدية ربطت أطراف البلاد الشاسعة بوسطها، ومشاريع زراعية عملاقة كانت كفيلة بأن تجعلنا سلة غذاء العالم. ثم جاء جيل الاستقلال اللاحق – إلا من رحم ربي وعصم – فأهدر بغبائه النخبوي، وطموحاته الحزبية الضيقة، وطفولته الإدارية المتهورة، ومراهقته السياسية الفاضحة ذلك الإرث التنموي الفخيم. تركوا الوطن الفتيَّ نهبًا للفساد المالي والأخلاقي، والنزاعات القبلية الضيقة، والصراعات الانتحارية على كراسي الحكم الزائلة. لم نحافظ على إرث الأبطال الأوائل، ولم نكن على قدر الأمانة الثقيلة التي استودعنا إياها رجال اللواء الأبيض المخلصون.

إنني هنا، من فوق ركام هذه الخيبات، لا أمجِّد الاستعمار ولا أبكي على عهده؛ فالمستعمر يظل في نهاية المطاف محتلاً مغتصبًا نُهبت في عهده الإرادة، مهما شيَّد من صروح مادية وصنع من مظاهر تنمية شكلية. لكنه سؤال الهوية والمسؤولية الأخلاقية الذي يواجهنا جميعاً: ما قيمة الحرية السياسية إذا اقترنت بالخراب الشامل وضياع المسؤولية الوطنية؟ إن الأوطان لا تُبنى بطرد المحتل الأجنبي ورفع الأعلام الملونة فوق السواري، الأوطان تُبنى أولاً ببناء الإنسان، واحترام هيبة الدولة ومؤسساتها، والوفاء الحقيقي لتضحيات الآباء والأجداد والذين قضوا نحبهم لتستمر الحياة كريمة لمن بعدهم.

ولعل أكثر ما يبعث على الألم الغائر في الروح، ويزيد من مرارة الغربة والضياع، هو أنني كلما حاولت كتابة اسمي اليوم، تعود إليّ بقوة صورة أصابع جدي المهيبة وهي ترسم معي الحروف على رمل أم درمان بثقة ويقين وحب دافقين. أتحسس الحروف الخائفة المرتعشة، والوطن العظيم الذي حلم جدي أن نحمله بأمانة في حدقات العيون، يتلاشى شيئًا فشيئًا من بين أيدينا كالسراب في صحراء الاقتتال والتشظي.

إلى روح جدي الطاهرة المرفرفة في علياء مجدها..

يا من كتبتَ اسم الوطن بدمك الأحمر الغالي، يا من علّمتني كيف أخطّ اسمي بفخر على الرمل..

نمْ مطمئنًا إن استطعت إلى ذلك سبيلاً في برزخك، فنحن – ورغم مرارة الدمار الحاصل – ما زلنا نحاول، بأصابع مرتجفة وقلوب مكلومة وهامات لم تنحنِ بعد، أن نجد أو نعيد بناء السودان الذي حلمتم به ذات ثورة وعبرتم إليه بالدماء والأرواح.

سامحنا يا جدي، واغفر لنا خيباتنا..

فقد كان الأبطال من جيلكم فريدين وأكبر بكثير من زمانهم،

وكان الوطن الكسير – وا أسفاه – أصغر بكثير من أحلامكم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *