الفن في مواجهة الحرب حوار مع الفنانة التشكيلية إسراء رحمة

كمبالا: ملاك جمال بلة

وسط الخراب الذي خلَّفته الحرب في السودان، تبرز أصوات فنية تحاول أن تحفظ للإنسان ذاكرته وكرامته وحقه في الحكاية. ومن بين هذه الأصوات، تأتي الفنانة التشكيلية السودانية إسراء رحمة، التي جعلت من الفن مساحة للمقاومة، ومن اللوحة أرشيفاً للألم الجماعي والأسئلة الوجودية التي خلّفتها الحرب والنزوح واللجوء.

في هذا الحوار، تتحدث إسراء رحمة عن طفولتها في الريف السوداني، وعن علاقتها الأولى بالألوان والطبيعة، وكيف تحوّل الفن بالنسبة لها إلى وسيلة لفهم العالم ومواجهة القهر. كما تتناول تأثير الحرب على تجربتها الإنسانية، ودور النساء السودانيات في صناعة الحياة وسط الدمار، وإيمانها بأن الفن ليس ترفاً بل ضرورة أخلاقية وتاريخية.

البدايات الأولى.. حين صنعت القرية عين الفنانة

(ديسمبر): كيف بدأت رحلتكِ مع الفن التشكيلي؟

تقول إسراء رحمة إن علاقتها بالفن بدأت مبكراً جداً، قبل أن تدرك حتى معنى أن يكون الإنسان فناناً. فالمكان الذي نشأت فيه لعب الدور الأكبر في تشكيل حساسيتها البصرية والإنسانية.

وتوضح: “أعتقد أنني شخص بصري منذ الطفولة، لأن المكان الذي ولدت فيه كان يغذي مهاراتي البصرية بشكل يومي. ولدت في قرية تحيط بها الزراعة من كل الاتجاهات، وكان أول ما أراه صباحاً هو اللون الأخضر. أظن أن هذا المشهد اليومي شكل تجربتي البصرية والفنية منذ وقت مبكر جداً”.

لكن الممارسة الحقيقية للفن جاءت لاحقاً، أثناء دراستها الجامعية، حين بدأت التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في السودان تفرض أسئلتها الثقيلة على جيل كامل.

وتضيف: “في الجامعة تشكل اهتمامي الحقيقي بالفن. كنت أشعر بحاجة ملحّة للتعبير عن الواقع بلغة أجد فيها الحرية، لغة قادرة على نقد الأنظمة والتعبير عن موقفي تجاه ما يحدث حولي”.

ورغم خلفيتها الأكاديمية في الهندسة الكيميائية، فإنها شعرت بوجود فجوة بين الجانب التقني والحياة الإنسانية اليومية، وهو ما جعل الفن بالنسبة لها مساحة أكثر إنسانية لفهم العالم.

وتقول: “الفن جعلني أتعامل مع الجانب الهندسي والتقني بصورة أكثر إنسانية. علّمني أن الإنسان أهم من كل شيء، وأن الفن لا يمكن أن ينفصل عن الواقع الاجتماعي”.

الحرب السودانية.. حين يصبح الألم جماعياً

(ديسمبر): كيف أثّرت الحرب في السودان على تجربتكِ الفنية والإنسانية؟

تصف إسراء الحرب بأنها تجربة لا تؤثر على الجميع بالطريقة نفسها، فلكل إنسان طريقته الخاصة في النجاة والخسارة والتعامل مع العنف.

وتقول: “تجربة النزوح داخل السودان تختلف عن تجربة العيش خارجه. التنقل المستمر يفتح أسئلة كثيرة عن الهوية والبيت والانتماء”.

لكن أكثر ما صدمها، بحسب وصفها، هو “العنف السائل” الذي جعل الإنسان السوداني مستباحاً بصورة يصعب استيعابها.

وتتابع: “ما يغضبني هو التقليل من حجم المعاناة السودانية محلياً وإقليمياً ودولياً. هذا العنف أثّر على تجربتي الفنية، ودفعني للتفكير أكثر في أنظمة الاستعمار واستغلال الموارد والتضحية بالأرض والأجساد من أجل مشاريع الحرب”.

وترى أن أخطر ما تخلّفه الحروب ليس فقط الدمار المادي، بل إعادة تشكيل الذاكرة الجمعية على أساس الخوف والقهر والعنف.

وتقول: “في الحرب يصبح الألم مسألة جماعية، وليس تجربة فردية فقط. وهذا ما أحاول ألا أحيد عنه في فني؛ الوقوف مع العدالة في وجه الظلم”.

اللجوء والهجرة.. أسئلة الوطن والبيت

(ديسمبر): هل غيّرت الهجرة واللجوء نظرتكِ للفن؟

تؤكد الفنانة السودانية أن اللجوء خلق داخلها شخصيات وأسئلة جديدة، خصوصاً ما يتعلق بالوطن والبيت والذاكرة.

وتقول: “اللجوء ليس تجربة سهلة. الوطن والسودان المفقود يظلان حاضرين طوال الوقت. أنت تعيش في ذاكرتك”.

وتضيف أن تجربة الحرب رسخت بداخلها رفضاً عميقاً لكل الأنظمة التي تتجاهل معاناة الشعوب.

“لا يمكنني احترام أي نظام لا يأخذ قضايا بلدي على محمل الجد. وهذا ما أحاول التعبير عنه من خلال الفن”.

ورغم قسوة التجربة، ترى أن الهجرة فتحت لها أبواباً جديدة في رحلتها الفنية، لكنها تخشى في الوقت نفسه أن تبتعد عن جذورها الأولى.

وتقول: “أحاول ألا أنسى كل ما حدث. التاريخ والحاضر بالنسبة لي بوابة للفن، ووسيلة لبناء معرفة نقدية حول الحرب والسلطة والعنف”.

النساء في قلب التجربة الفنية

(ديسمبر): لماذا تحتل قضايا النساء والنوع الاجتماعي مساحة كبيرة في أعمالكِ؟

ترى إسراء أن قضايا النساء ليست قضايا هامشية، بل هي جوهر أي حديث عن العدالة الاجتماعية.

وتوضح: “حين نتحدث عن النساء، فنحن نتحدث عن القهر والاستغلال الذي ينعكس على المجتمع كله، لكنه يظهر بصورة أشد على النساء”.

وتؤمن بأن الفن قادر على خلق أرشيف شفهي وتاريخي يوثق أصوات النساء وتجاربهن في الحرب والحياة اليومية.

وتستعيد مشهداً من الحرب تقول إنه ما زال عالقاً في ذاكرتها: “أتذكر نساء جبل مرة حين وصل النازحون، وكيف خرجت كل امرأة تحمل الطعام في مشهد يشبه الأسطورة. هذا بالنسبة لي نموذج للقوة الجماعية التي يجب أن يوثقها الفن”.

النساء السودانيات.. بطلات الحياة اليومية

(ديسمبر): كيف تعبّرين عن معاناة النساء السودانيات داخل لوحاتك؟

تجيب إسراء بأن لوحاتها تحاول “أرشفة ما لا يوصف”، خصوصاً ما يتعلق بالصدمات والخسارات والقدرة المذهلة على الصمود.

وتقول: “النساء السودانيات يتحملن أعباء الحياة اليومية بكل قسوتها، لكنهن يواصلن إدارة الحياة بذكاء وقدرة استثنائية”.

وتصف بإعجاب الطريقة التي تدير بها النساء السودانيات شؤون الأسرة والاقتصاد اليومي حتى في أقسى ظروف الحرب والنزوح.

“في النزوح يعِدن بناء البيوت من الصفر، ويقسمن المال القليل بطريقة مذهلة، ويؤسسن حياة جديدة في أماكن لم يعرفنها من قبل”.

وترى أن النساء هن دائماً في قلب الصعاب، لكنهن أيضاً القادرات على جعل هذه الصعوبات أقل قسوة على من حولهن.

الفن كفعل مقاومة

(ديسمبر): ما الرسالة التي تحاولين إيصالها من خلال فنك؟

تستشهد إسراء بمقولة الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز: “لفعل المقاومة وجهان، فهو فعل بشري، لكنه أيضاً فعل الفن”.

وتقول إن هذه العبارة تعبّر تماماً عن علاقتها بالفن. “أحاول من خلال فني أن أرفض الصمت، وأن أعطي للصمت شكلاً أيضاً”.

وترى أن الفن يفشل إذا لم يلامس التجارب الجماعية والواقع الاجتماعي، لأن الفن الحقيقي – بحسب وصفها – يتكوّن من قصص الناس وحياتهم اليومية.

اللوحة أكثر صراحة من الكلمات

(ديسمبر): هل تعتقدين أن اللوحة قادرة على نقل الألم أكثر من الكلمات؟

تجيب بثقة: “اللوحة صريحة أكثر من الكلمات، ولهذا يتم أحياناً تحاشيها أو التقليل منها”.

وترى أن الرسم يمتلك لغة بدائية وعالمية يفهمها الجميع، حتى لو لم تجمعهم لغة مشتركة.

وتقول: “الرسم لا يوقف الألم، لكنه يكشف الندوب والجروح غير المرئية. اللوحة تفتح الجراح وتعرضها للعلن”.

وتضيف أن الفن يمتلك قدرة على دفع الناس إلى الفعل والتفكير، لأنه يتجاوز حدود اللغة المباشرة.

أوغندا.. محطة فنية وإنسانية

(ديسمبر): ماذا أضافت لكِ المشاركة في المعرض الأوغندي؟

تتحدث إسراء بحب واضح عن تجربتها في أوغندا، وعن قربها من المشهد الفني هناك.

وتقول: “أنا محظوظة لأنني اقتربت من الفنانين الأوغنديين والمؤسسات الفنية هناك، وقدمت لي أوغندا الكثير إنسانياً وفنياً”.

وتخص بالشكر مؤسسة Afriart Gallery وعدداً من الفنانين والمرشدين الذين دعموا تجربتها الفنية.

وترى أن هذه التجربة نقلت فنها إلى فضاءات أوسع، وساهمت في وصوله إلى جمهور عالمي وأوروبي، وأنها منحتها أيضاً ارتباطاً أعمق بالإرث الأفريقي وفكرة “البان آفريكانيزم”.

الفن السوداني بعيون الجمهور الأوغندي

(ديسمبر): كيف استقبل الجمهور الأوغندي الفن السوداني وقضايا النساء؟

تشير الفنانة السودانية إلى أن الاختلاف البيئي والثقافي بين السودان وأوغندا ينعكس بشكل واضح على الأساليب الفنية والألوان.

وتقول: “السودان بلد شبه صحراوي، بينما أوغندا بلد استوائي أخضر، وهذا يؤثر على الألوان والتجارب البصرية للفنانين”.

لكنها تؤكد أن الجمهور الأوغندي أبدى فضولاً واهتماماً واضحين بالفن السوداني، خصوصاً في ما يتعلق بالتجريد والخطوط والأساليب التعبيرية.

كما ترى أن الحرب السودانية ساهمت في زيادة حضور الفن السوداني داخل أوغندا، وفتحت مساحات للتضامن الأفريقي المشترك.

الفن والهوية السودانية

(ديسمبر): كيف تصفين العلاقة بين الفن والهوية السودانية اليوم؟

ترى إسراء أن الهوية ليست شيئاً ثابتاً، بل كيان متحرك يعاد تشكيله باستمرار.

وتقول: “هذا ما أحبه في السودان؛ التنوع والقدرة الدائمة على إعادة تشكيل الهوية”.

وتضيف أن الفن منحها قدرة على الربط بين مجالات وتجارب تبدو متباعدة، كما جعلها أكثر قرباً من التاريخ السوداني والحياة اليومية البسيطة.

“تعلمت الفن من الحياة قبل أي دراسة أكاديمية. من المزارعين، وأصوات الأطفال، وضحكات النساء، والمشهد اليومي في مشروع الجزيرة”.

وتصف الفن بأنه الشيء الذي “شكّلها وأنقذها”، مؤكدة أنها لم تحب شيئاً في حياتها بقدر حبها للفن.

الفن في زمن الحرب.. ذاكرة للأجيال القادمة

(ديسمبر): ما الذي تحاولين توثيقه للأجيال القادمة من خلال أعمالكِ؟

تقول إسراء إن ما تحاول توثيقه ليس الحرب فقط، بل الإنسان السوداني داخل هذه الحرب.

وتوضح: “أحاول توثيق الذاكرة اليومية للناس، الخوف، النجاة، الصمود، والأسئلة التي خلّفتها الحرب داخلنا”.

وترى أن الفن يمكن أن يحفظ ما تعجز الوثائق الرسمية عن حفظه، لأنه يسجل المشاعر والتجارب الإنسانية العميقة.

لوحة واحدة لتلخيص مأساة السودان

(ديسمبر): إذا كانت لديكِ لوحة واحدة فقط لتلخّص مأساة السودان اليوم، ماذا سترسمين فيها؟

تبتسم قليلاً قبل أن تجيب: “ربما أرسم امرأة سودانية تحمل بيتاً كاملاً فوق ظهرها، بينما تمشي وسط أرض محترقة، لكنها رغم ذلك تزرع بيدها الأخرى شجرة خضراء”.

ثم تضيف: “لأن السودان، رغم كل شيء، ما زال يحاول الحياة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *