بقلم: وليد عنبوور
مناورات بورتسودان وسيكولوجية البقاء
حين دعا البرهان إلى الحوار لم يفعل ذلك من فراغ. هو فعل ذلك من موقع قوة، ومن وعي كامل بأن القوى المدنية بتشتتها وارتهانها للبيانات الفضفاضة تترك له الساحة مفتوحة، وهو لا ينتظر موافقة أحد، ويملي شروطه ويختار توقيته ويحدد من يجلس على طاولته ومن يستبعد، ومن يمنح شرف الانضمام إلى “حضن الوطن” كما يتصوره في مخيلته السياسية. هذه الدعوة ليست مبادرة سلام، وهي تتويج لمسار طويل من “براغماتية البقاء العاري” التي تحكم سلطة بورتسودان منذ اندلاع الحرب. تلك البراغماتية لا تعرف إلا قانوناً واحداً هو: قانون القوة، ولا تعرف إلا هدفاً واحداً هو: البقاء، والبقاء هنا لا يعني صون السودان؛ يعني استمرار النظام واستدامة الامتيازات وإدامة إمبراطورية الجنرال التاجر.
ولفهم المناورة يجب إدراك أن البرهان لا يفكر كرجل دولة يبحث عن سلام، يفكر كرجل نظام يبحث عن شرعية. فشرعيته القديمة المستمدة من وراثة الدولة قد تآكلت، والحرب أكلت ما تبقى منها، والمجتمع الدولي يضغط، والمبادرات الإقليمية تتكاثر، والإسلاميون يحاولون السيطرة على مفاصل الدولة من الداخل. كل هذه العوامل تهدد سلطته ورؤيته التي تُختزَل في البقاء في السلطة، وعلى رأس هرم الدولة المركزية التي تحرس القصر وتنهب الثروات وتستبيح الدماء. تلك هي غايته لا أكثر ولا أقل. وكل تحركاته السياسية، بما فيها هذه الدعوة، تندرج ضمن هذا الإطار، فهي ليست مصالحة وطنية، هي تمثل أداة لإعادة إنتاج شرعيته، وليست حواراً، هي مناورة لتفتيت خصومه، وليست سلاماً، هي السلام الذي يبقيه في السلطة وحده.
هندسة الأهداف الأربعة: اللعب على التناقضات
تأملوا بدقة توقيت الدعوة، وتفحصوا هوية المستهدفين بها، ومن وقع عليهم الاستبعاد. هذه الدعوة تحقق أربعة أهداف دفعة واحدة:
- الالتفاف الإقليمي والدولي: تجاوز المبادرات الإقليمية والدولية، خاصة مبادرة الرباعية عبر خلق مبادرة موازية تمنح شرعية جديدة، وتجعل صاحبها يبدو وكأنه يبادر بالحل في وقت يقف فيه الآخرون في مقاعد المتفرجين.
- صناعة الواجهة المدنية: تغطية عودة بعض المحسوبين على القوى المدنية وتحديداً “شخصيات” كانت فاعلة إبان فترة الثورة نحو سلطة بورتسودان، فيما يُطلق عليه زوراً “حضن الوطن”، لا كمشاركين في صنع القرار، بل كواجهة مدنية تمنح الغطاء المطلوب لتمرير الرؤية العسكرية.
- تحجيم الحركة الإسلامية: الالتفاف على محاولة الحركة الإسلامية للسيطرة على مفاصل الدولة، بتوسيع المظلة السياسية لاستيعاب قوى أخرى، فيمارس بذلك هوايته المفضلة في اللعب على التناقضات، ويمنح الشرعية لمن يمنحه الولاء، ويفتح الباب لقوى ويغلقه عن أخرى، ويوسع المظلة هنا ليضيقها هناك.
- تعقيد المشهد للمحاور: تتويج جهود بعض القوى الإقليمية لتمكين البرهان من الانفراد بالسلطة وتجاوز دول فاعلة في الرباعية، مما يعني أن المشهد سيزداد تعقيداً، وهذا بالضبط ما يريده عبر صناعة مشهد معقد لا يفهمه أحد، ليستطيع هو وحده أن يناور في تفاصيله.
الفراغ السياسي ومقتضيات الحركة الأولى
هكذا كانت اللعبة، وهذا هو الدرس. فالبرهان والدولة العميقة متقدمان سياسياً على القوى المدنية، ويتحركون ويخططون وينفذون في وقت كانت فيه القوى المدنية حتى وقت قريب ما زالت تصدر البيانات وتناقش المبادئ وتبحث عن الوساطة، وفي ذلك مكمن الخطر. فكل بيان يصدر دون مصفوفة تأسيسية يشكل دعوة مفتوحة للبرهان كي يملأ الفراغ، وكل مبدأ فضفاض يشكل فرصة له كي يعيد إنتاج نفسه، وكل غموض بنّاء في وثائق القوى المدنية يشكل شرعنة مجانية لمشروعه. الفراغ لا يبقى فارغاً ويملؤه دائماً من يتحرك أولاً، والبرهان يتحرك أولاً دائماً.
صبيحة العيد: من ركام البيانات إلى مشروع الدولة
وصبيحة العيد كانت البشارات. فهنالك ثمة متغير جديد، وهذا هو “بيت القصيد”. قبل أسابيع أو أيام كان هذا الكلام كله صحيحاً، وكان ينطبق على القوى المدنية كما كانت، والآن لم يعد الكلام دقيقاً بالقدر نفسه. فصدور ميثاق قوى إعلان المبادئ السوداني، عقب ختام اجتماع نيروبي، وانتشاره تحديداً صبيحة العيد يغيّر المعادلة كلياً؛ الوثيقة ليست بياناً آخر، وليست إعلان مبادئ جديداً يُضاف إلى ركام البيانات التي اعتدناها، إنها لأول مرة أقرب إلى مشروع دولة مصغر يحسم أسئلة تأسيسية ظلت معلقة طويلاً، وظلت كل البيانات السابقة تتهرب منها ويغطيها “الغموض البنّاء”. وهذا هو الفرق الجوهري بين البيان والمشروع. البيان يقول “نرفض الحرب”، والمشروع يقول “نعرف كيف نبني السلام”. البيان يقول “نريد دولة مدنية”، والمشروع يقول “هذه هي مكونات الدولة المدنية التي نريدها”، والميثاق يخطو بوضوح نحو الثاني.
المحاور التأسيسية الأربعة في ميثاق نيروبي

ما الذي حسمه الميثاق بالضبط؟ إنه صنع قطيعة مع الماضي عبر أربعة محاور هيكلية:
- سؤال نظام الحكم: يحسمه بكل وضوح في عبارة “دولة سودانية موحدة ديمقراطية فيدرالية لامركزية”. وهذه ليست كلمة فضفاضة، هذا موقف دستوري. فالفيدرالية اللامركزية تعني توزيعاً حقيقياً للسلطة والثروة، وتؤكد أن الأقاليم لن تكون مجرد وحدات إدارية تنتظر أوامر المركز، وأن المركز لن يعود قادراً على احتكار القوة والثروة، وهذا ليس تعديلاً للنظام القديم، بل هو تأسيس لنظام جديد يقطع مع الإرث التاريخي للدولة المركزية.
- سؤال المواطنة: يحسمه بالقول “المواطنة المتساوية أساس للحقوق والواجبات الدستورية دون أدنى تمييز على أساس ديني أو ثقافي أو إثني أو لغوي أو جهوي”، وهذا موقف حاسم من السؤال الفلسفي الذي ظل يطارد السودان حول بناء الدولة على أساس المواطنة الفردية المتساوية، أو على أساس المحاصصة القبلية والجهوية، والميثاق يجيب بالمواطنة المتساوية، بعيداً عن المحاصصة أو التمييز أو توزيع المواقع والثروة على أساس الانتماء القبلي، وهذا موقف جريء وتأسيسي.
- سؤال المؤسسة العسكرية: يحسمه بنصّه على “تأسيس وبناء المنظومة الأمنية والعسكرية على أسس مهنية وقومية بعيداً عن أي ولاء آيديولوجي أو انتماء حزبي أو جهوي أو قبلي وبمعزل عن السياسة والنشاط الاقتصادي وخاضعة للسلطة المدنية”. وهذه هي المرة الأولى التي تصدر فيها القوى المدنية موقفاً بهذا الوضوح من الجيش، فهو ليس دمجاً للجيوش الحالية، وليس ترتيباً أمنياً جديداً على غرار ما فشل في أديس أبابا ونيفاشا وجوبا. تمثل هذه الخطوة تأسيساً جديداً كلياً لجيش مهني بعقيدة جديدة وخاضع للسلطة المدنية، وفي ذلك جوهر الأزمة السودانية والحل.
- سؤال العلاقة بين الدين والدولة: يحسمه بكل وضوح في نص “فصل الدين عن الدولة”، وهذه جملة قصيرة لكنها تحمل في طياتها قطيعة مع تاريخ طويل من توظيف الدين في السياسة من قِبل حقبة الإنقاذ وأفراد النظام السابق المحلول الذين يحاولون العودة اليوم، وهو موقف لا لبس فيه.
الطريق الثالث: معركة رؤية ضد رؤية
هذه ليست مبادئ فضفاضة، إنها مصفوفة تأسيسية ومشروع دولة. وهذا التقدم يغير من طبيعة المعركة السياسية، فالبرهان لم يعد يواجه قوى مشتتة تصدر بيانات فضفاضة؛ أصبح يواجه قوى تملك مشروعاً، وفي ذلك الفرق الجوهري حيث تتلخص رؤية البرهان في البقاء وإعادة إنتاج الدولة المركزية التي تحرس القصر وتنهب الثروات وتستبيح الدماء، وتتحرك رؤية الكتلة المدنية نحو المواطنة المتساوية والفيدرالية اللامركزية والجيش المهني الخاضع للمدنيين وفصل الدين عن الدولة.
يراوغ البرهان باسم السلام والحوار الذي يبقيه في السلطة كإعادة لنموذج حوار الوثبة، وتدعو الكتلة المدنية إلى السلام والحوار الذي يؤسس لدولة جديدة، وهما مشروعان يتناقضان في العمق. وليس الخلاف هنا على حصة في حكومة، ولا تنافساً على مقاعد في سلطة انتقالية، ولا اختلافاً على آلية تنفيذ اتفاق؛ هما تصوران متضادان لمستقبل السودان، وهذا هو بالضبط ما يجب أن تكون عليه المعركة السياسية كمعركة بين مشروعين، لا معركة بين أشخاص. وتكمن أهمية هذا الميثاق في مواجهة دعوة البرهان؛ فهو يحول القوى المدنية من موقع طالب السلام إلى موقع صانع السلام، ومن المتفرج على المفاوضات إلى الطرف الذي يفرض شروطه، ومن موقع الذي ينتظر أن يُدعى إلى موقع الذي يَدعو. وفي ذلك المعنى الحقيقي “لسلطة الاحتكار الحصري للشرعية السياسية والاعتراف الدولي”، فالبرهان يحتاج إلى غطاء مدني واعتراف دولي وتدفقات مالية لإعادة الإعمار، وتلك أوراق قوته وفي نفس الوقت أوراق ضعفه، هو يملك السلاح ولا يملك الشرعية، ويملك القدرة على التدمير لكنه لا يملك القدرة على البناء، ويستطيع أن يحكم الأنقاض دون أن يستطيع حكم دولة. والميثاق يقول له بوضوح: تفضل هذه شروطنا وهذا مشروعنا للدولة، وهذا هو الجيش الذي نريده، وهذا نظام الحكم، وهذه المواطنة، وهذه علاقة الدين بالدولة، فإن كنت جاداً في السلام فتعال إلى طاولتنا وتفاوض على أساس مشروعنا، وإذا رفضت فلتتحمل وزر هذه الحرب وحدك ومعك من غرك بها، ولن نمنحك الغطاء المدني الذي تبحث عنه. هذه الإستراتيجية ليست رفضاً للحوار، ولا قبولاً مطلقاً به، بقدر ما هي فرض لشروط القوى المدنية وتُسمّى الطريق الثالث، وهو الطريق الذي يجب أن تسلكه القوى المدنية كطريق، لا يقاطع ولا يشارك من موقع ضعف، هو طريق يقول للعسكريين أنتم تملكون السلاح ونحن نملك المشروع، فتعالوا إلى طاولتنا.
معضلة الأداة: الفجوة بين الكلمات والأرض

لا بد أن تدرك القوى المدنية أن امتلاك المشروع وحده ليس كافياً، فالمشروع يحتاج إلى أداة وجسد وهيئات سياسية فاعلة تحمله على الأرض وتفرضه على الواقع، وفي ذلك تكمن الفجوة الأعمق في بنية القوى المدنية الحالية. لقد أتقنت هذه القوى أدوات الشارع، وأتقنت الحشد والاحتجاج والبيانات والمواثيق، وفشلت حتى الآن في بناء الأجسام السياسية الفاعلة التي تتجاوز الحركات الجماهيرية الموسمية إلى كيانات تنظيمية صلبة ومستدامة؟ فامتلاك المشروع وحده لا يكفي لأن المشروع بدون أداة حلم مجرد، والأداة بدون مشروع آلة فارغة، والقوى المدنية اليوم تملك المشروع بعد ميثاق نيروبي، وتفتقد الأداة التي ستحمله إلى نهاية الطريق.
سد الفجوة: تحويل الشتات إلى كتلة منظمة
ما الذي يجب فعله لسد هذه الفجوة يتلخص في توسيع الماعون وخلق أجسام ذات فعالية سياسية حقيقية في كل مدن العالم وفي الداخل، حيث لم تعد تكفي الحركات الجماهيرية التي تحتشد في اللحظات الفارقة ثم تنفض بعد أن تهدأ العاصفة؟ ولم يعد يكفي البيان الذي يُقرأ في قاعة محاضرات ثم يُنسى بعد أن يُطوى. على القوى المدنية أن تبني كيانات سياسية منظمة في كل عاصمة وفي كل مدينة وفي كل قرية، كتنظيمات تملك هياكل واضحة وقيادات وقواعد شعبية حقيقية، وتستطيع أن تحشد وتضغط وتفرض وتستمر في الفعل السياسي اليومي لا في الموسم الثوري وحده. وعليها أن تبني فروعاً في كل مدن العالم، حيث ينتشر السودانيون في المنافي والمهاجر وتتوفر العقول والخبرات والموارد وشبكات الاتصال التي يمكن توظيفها لخدمة المشروع الوطني. وعلى القوى المدنية أن تخلق جسوراً بين الداخل والخارج، وأن تحول الشتات السوداني من مجرد جماعات متفرقة تكتوي بآلام الوطن عن بعد إلى كتلة سياسية منظمة تمارس الضغط على الحكومات المضيفة، وعلى المنظمات الدولية وعلى كل من يتعامل مع أمراء الحرب؛ وهذه الأجسام السياسية الفاعلة ستحول المشروع من كلمات على ورق إلى قوة على الأرض، وستحول القوى المدنية من طالب سلام إلى صانع سلام؛ وستجعل البرهان يدرك أنه لم يعد يواجه بيانات ومؤتمرات، بل يواجه كياناً سياسياً منظماً قادراً على الفعل والضغط والأخذ والعطاء والفرض.
وإن هذه الدعوة لبناء الأجسام الفاعلة في الداخل لا تنطلق من ترف نظري يعمي الأبصار عن واقع الجحيم الأمني على الأرض. فالعمل السياسي في داخل السودان اليوم يواجه آلة قمعية مزدوجة تحكمها بندقية وسياط فاعلي وصانعي الحرب، حيث الاعتقال والتخوين والتصفية الجسدية هي الأثمان الجاهزة لكل تحرك مدني مستقل. هذا الواقع الأمني الشرس يعني بالضرورة نهاية عصر العمل الحزبي العلني المكشوف للقوى الرافضة للحرب، مما يدعو هذه القوى أن تحذو فوراً حذو فعل ثورة ديسمبر المجيدة من خلال هندسة “التنظيم الشبكي السري داخلياً” في معركة لسد الفجوة عبر خلايا مرنة وغير مركزية وتضامنية، تبتكر أدوات للمقاومة المدنية والربط البيني دون الحاجة لمقار أو لافتات تترصدها أعين استخبارات طرفي الحرب، مستندة على الإرث التاريخي العريق للجان المقاومة والأجسام المهنية، بحيث يتحول الداخل إلى كتل صامتة صلبة تملك القدرة على الحركة اللامركزية المباغتة، ويتولى الخارج التعبير السياسي الصاخب والحشد الدبلوماسي وإدارة الموارد والتأمين الإعلامي.
ويجب التدقيق في فهم طبيعة هذه الكيانات الفاعلة فهي ليست أحزاباً تقليدية بالمعنى القديم الذي اعتدنا عليه في السودان، حيث الحزب شيخ القبيلة السياسية الذي يجمع حوله الأتباع ويوزع عليهم الحصص، وليست حركات جماهيرية بالمعنى الموسمي الذي يشتعل في اللحظات الفارقة ثم ينطفئ بعد أن تهدأ العاصفة؛ هذه الأجسام تنظيمات مبنية على مبدأ العضوية الواعية والقيادة والبرنامج السياسي الواضح المطروح في الميثاق والهيكل التنظيمي الذي يربط القاعدة بالقمة ربطاً عضوياً مستداماً، ومن خلال هذه الأجسام تستطيع القوى المدنية أن تبني ذاكرة مؤسسية وخبرة تراكمية وقدرة على التعلم من الأخطاء.
فن الممارسة الواقعية: “الصلب” و”المرن” في إدارة التناقضات
إن امتلاك المشروع وبناء هذه الأجسام الفاعلة لا يلغي حقيقة أساسية في قلب الممارسة السياسية تتمثل في فن إدارة التناقضات. فالمساومة شرط من شروط الممارسة السياسية الواقعية، والمساومة ليست عيباً أو ضعفاً، هي جوهر السياسة، والسياسة ليست فرضاً للمطلقات، والقوى المدنية التي ستدخل في مواجهة سياسية مع العسكريين ستحتاج إلى الأخذ والعطاء وإلى تعديل التكتيكات دون التفريط في الجوهر، وفي ذلك المعنى الحقيقي للممارسة السياسية.
المشروع التأسيسي ليس نصاً مقدساً يُحفظ في الأدراج؛ هو يمثل بوصلة تحدد الاتجاه، وأرضية تحدد الحدود الدنيا التي لا يمكن التفريط فيها، وإطاراً يحدد ما هو قابل للأخذ والرد، وما هو غير قابل لهما.
فما هو الصلب إذن في هذا الميثاق الذي لا يمكن التنازل عنه؟ وما هو المرن القابل للأخذ والرد الذي يمكن النقاش حوله؟ وما هي الثوابت التي إذا تم تجاوزها ينهار كل شيء؟ وما هي المتغيرات التي يمكن تعديلها وتكييفها وفق موازين القوى وظروف اللحظة؟.
تتجسد القواعد الآمرة الصلبة في المبادئ الأربعة التي حسمها الميثاق؛ وهي مدنية الدولة، فيدراليتها اللامركزية، المواطنة المتساوية، وخضوع الجيش للسلطة المدنية. هذه “القواعد الآمرة” التي لا تقبل التنازل، هي الروح التي إذا غادرت الجسد تحول المشروع إلى جثة، وهي البوصلة التي إذا فُقدت ضاع الطريق، ويتحرك الجانب المرن في المتغيرات التكتيكية، كالآليات والجداول الزمنية والترتيبات التفصيلية حول كيفية بناء الجيش الجديد بالضبط، والنسب المحددة للتمثيل الديموغرافي، والجدول الزمني للفترة الانتقالية، وكيفية تفكيك إمبراطورية الجنرال التاجر والمجموعات والجماعات المسلحة وكارتيلات اقتصاد الحرب والنهب، وهي أسئلة قابلة للأخذ والرد، ويمكن أن تأخذ أكثر من إجابة وتختلف باختلاف موازين القوى وظروف اللحظة، مع التأكيد أن مبدأ الجيش المهني الخاضع للمدنيين نفسه لا يقبل التنازل، وكذلك مبدأ الفيدرالية اللامركزية ومبدأ المواطنة المتساوية. وهذا هو الفرق بين المشروع الذي يخوض المعركة والبيان الذي يُحفظ في الأدراج. فالمشروع يعرف حدوده الدنيا التي لا يمكن تجاوزها، ويعرف كذالك مساحات المرونة التي يمكن التحرك فيها.
الامتحان التاريخي: الإرادة المنظمة تفرض الشروط
البرهان يراهن على شيء واحد وهو أن القوى المدنية ستظل كما كانت؛ مشتتة وفوقية وعاجزة عن إنتاج مشروع موحد وعاجزة أكثر إذا وُجد المشروع عن فرضه على الواقع، وهو حتى وقت قريب كان يكسب هذا الرهان، وتأتي هذه الوثيقة لتغير اللعبة لكونها تثبت أن القوى المدنية قادرة على إنتاج مشروع.
والسؤال الآن ليس: هل هي قادرة على إنتاج مشروع؟، فقد أثبتت ذلك وينصب السؤال الحقيقي في المحاور التالية:
هل هي قادرة على بناء الأجسام السياسية الفاعلة التي ستحمل هذا المشروع على الأرض؟
هل هي قادرة على التحول من حركات جماهيرية موسمية إلى كيانات تنظيمية مستدامة؟
هل هي قادرة على خلق وجود سياسي منظم في كل مدن العالم وفي الداخل يحول الشتات السوداني من جماعات متفرقة إلى كتلة سياسية فاعلة؟
هل هي قادرة على التحول من قوى تشكو الحرب إلى قوى تصمِّم السلام، ومن قوى تطلب الوساطة إلى قوى تفرض الشروط، ومن قوى تنتظر أن يقرر الآخرون مصير الوطن إلى قوى تقرر هي مصير الوطن بفعاليتها المنظمة؟
هذا هو السؤال وهذا هو الامتحان. والتاريخ، كما يقولون، لا يرحم المتفرجين، وهو لا يرحم من يملك المشروع على الورق ولا يملك الأداة التي تفرضه على الأرض. والتاريخ لا يكافئ النوايا الحسنة، لكنه يكافئ الإرادة المنظمة. والطريق نحو التأسيس تصنعه الإرادة والانفتاح على كل السودانيين، وليس حكراً على أفندية مدينية محددة وشلليات تضيق بالآخرين.