الاعتلال النفسي (السيكوباتية)

بروفيسور/ نعمات الزبير 

 

هل فكّرت يوماً ماذا لو كان داخلك جانبٌ مظلم لا تعرفه بعد، جانب قد يجعلك شخصًا آخر تمامًا لو تغيّرت ظروف حياتك؟.

كتاب The Psychopath Inside للمؤلف James Fallon يقدّم رحلة فريدة ومثيرة داخل هذا السؤال. فالمفاجأة ليست فقط في دراسة السيكوباتية (الاعتلال النفسي)، بل في أن الكاتب نفسه،وهو عالم أعصاب.

يروي فالون كيف كان يدرس صور الدماغ باستخدام تقنيات مثل PET scans، ليلاحظ أن أحد الأدمغة التي أمامه يحمل خصائص معروفة لدى السيكوباتيين: ضعف في نشاط الفص الجبهي (المسؤول عن التحكم الأخلاقي واتخاذ القرار) واختلال في اللوزة الدماغية (المسؤولة عن العاطفة والخوف). الصدمة؟ هذا الدماغ كان دماغه هو.

لكن هنا يبدأ الجانب الأكثر عمقًا: رغم هذا “التكوين العصبي”، لم يصبح فالون مجرمًا. لماذا؟ يوضح الكتاب أن البيئة والتنشئة تلعبان دورًا حاسمًا. فالحب، الاستقرار الأسري، والتربية الجيدة يمكن أن “تُعدّل” تأثير الاستعدادات البيولوجية. بمعنى آخر، الجينات ليست حكمًا نهائيًا.

كما يناقش الكتاب فكرة أن بعض صفات السيكوباتية— مثل الجرأة، البرود العاطفي، والثقة العالية— قد تكون مفيدة في مجالات معينة (كالجراحة أو القيادة أو الأعمال)، إذا كانت تحت السيطرة.

 

الخلاصة:

الكتاب يكسر الفكرة التقليدية بأن السيكوباتية تعني بالضرورة الشر أو الإجرام، ويقدّم رؤية علمية حديثة تقول إن الإنسان هو نتاج تفاعل معقّد بين الدماغ والبيئة. قد تحمل بداخلك بذورًا لصفات خطرة، لكن ما يحدد مصيرك حقًا هو كيف نشأت، وكيف تختار أن تعيش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *