السودان في المخيال العربي: حين تُرى الخريطة ولا يُرى المجتمع

وضاح شرف الدين

 

تتعامل عواصم عربية مؤثرة مع السودان كما لو أنه بلد واضح أكثر مما ينبغي: جيش هنا، مليشيا هناك، إسلاميون في الخلفية، مدنيون يمكن جمعهم، حدود ينبغي ضبطها، وبحر أحمر يجب تأمينه، وذهب وموانئ وممرات ونفوذ. غير أن السودان، في حقيقته السياسية العميقة، ليس ملفًا يمكن ترتيبه بهذه السهولة. إنه بلد لا تكمن أزمته فقط في من يحمل السلاح اليوم، وإنما في تاريخ طويل من دولة لم تكتمل، ومجتمع لم يكفّ عن إنتاج السياسة حتى حين عجزت الدولة عن احتوائها، ونخب مدنية وعسكرية وإقليمية ظلت تتعامل معه بوصفه مساحة قابلة للتدبير أكثر من كونه عقدًا وطنيًا يحتاج إلى إعادة تأسيس.

من هنا تبدو المشكلة أعمق من خلاف عابر حول موقف هذه الدولة أو تلك من الجيش أو الدعم السريع أو الإسلاميين. المشكلة كامنة في المخيال العربي الرسمي نفسه: الطريقة التي يُرى بها السودان من القاهرة والرياض وأبوظبي. فهذه العواصم لا تجهل السودان تمامًا؛ تعرف منه ما تحتاجه لمصالحها. تعرف موقعه، حدوده، موانئه، جيشه، ثرواته، هشاشته الأمنية، وخطر تمدد الفوضى منه إلى الإقليم. لكنها، في كثير من الأحيان، لا تفهم كيمياءه السياسية الداخلية: حساسية السودانيين من الوصاية العسكرية، ذاكرة ثورة ديسمبر، عمق الريبة من الحواضن المصنوعة، تعقيد الهامش، هشاشة المركز، وحقيقة أن الإسلاميين في السودان ليسوا حزبًا يمكن إبعاده من منصة التفاوض فقط، بل شبكة عميقة داخل الإدارة والاقتصاد والإعلام والأجهزة والواجهات الاجتماعية.

في القاهرة، يظهر السودان غالبًا من بوابة النيل، الحدود، الأمن القومي، والجيش. وهذه عدسة مفهومة من زاوية الدولة المصرية وتجربتها التاريخية، لكنها تصبح قاصرة حين تُسقط تصور مصر عن “المؤسسة العسكرية” على الحالة السودانية. في المخيال المصري الحديث، الجيش هو الدولة، أو أقرب مؤسساتها إلى معنى الدولة. أما في السودان، فالجيش نفسه جزء من أزمة الدولة، لا مجرد حارس لها. هو مؤسسة وطنية من حيث الشكل والرمز، لكنه ظل تاريخيًا فاعلًا سياسيًا واقتصاديًا، يدخل الحكم باسم إنقاذ الدولة ثم يخرجها من السياسة إلى وصاية جديدة.

لذلك، حين ترى القاهرة الجيش السوداني بوصفه العنوان الطبيعي للدولة، تفوتها حقيقة أن السودان لا يعاني من غياب الجيش، بل من غياب الدولة التي تجعل الجيش جزءًا من نظامها العام لا وصيًا عليها.

وفي الرياض، يحضر السودان غالبًا كملف استقرار إقليمي: البحر الأحمر، أمن الملاحة، تقليص نفوذ الإسلاميين، منع الانهيار الكامل، وموازنة أدوار إقليمية منافسة. وقد ظهر هذا الحضور بوضوح في اللقاءات والاتصالات السعودية الأخيرة، ومنها لقاء ولي العهد السعودي بعبد الفتاح البرهان في جدة في 20 أبريل 2026، وفق ما أعلنته وكالة الأنباء السعودية ومصادر إخبارية عدة.

غير أن الواقعية السعودية، على أهميتها، قد تقع في خطأ جوهري: الاعتقاد بأن السودان يمكن ترتيبه عبر معادلة من نوع “جيش مستقر، مدنيون مقبولون، وإبعاد للإسلاميين من الواجهة”. هذه معادلة قد تنتج تهدئة مؤقتة، لكنها لا تنتج انتقالًا ديمقراطيًا. فالانتقال في السودان لا يبدأ بسؤال: من المدنيون المناسبون لمرافقة العسكري؟ يبدأ بسؤال آخر: كيف تستعاد الدولة من الحرب والمليشيا والإسلاميين والعسكر وشبكات الاقتصاد المسلح معًا؟.

أما في أبوظبي، فيظهر السودان من زاوية أكثر تركيبًا: الموانئ، الذهب، التجارة، النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، والفاعلون القادرون على صناعة الوقائع على الأرض. في الخطاب الرسمي الإماراتي، تؤكد أبوظبي التزامها بمسار الرباعية، وتدعو إلى وقف إطلاق النار، وعملية انتقال مدنية شاملة، وترفض أن يحدد مستقبل السودان الجنرالات أو المليشيات أو الحركات الآيديولوجية المسلحة.

لكن المفارقة أن كثيرًا من السودانيين لا يقرأون الدور الإماراتي من بياناته الرسمية وحدها، بل من شبكة اتهامات وتقارير ومواقف سياسية ترى في أبوظبي فاعلًا إقليميًا شديد التأثير في مسار الحرب، خصوصًا في صلاتها المنسوبة بالدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها الإمارات باستمرار. وهنا تتضح مشكلة المخيال نفسه: حين تُرى الشبكات المسلحة والاقتصادية كأدوات نفوذ، يغيب أنها داخل السودان ليست أدوات محايدة، بل جزء من تفكيك الدولة وتحويل العنف إلى اقتصاد والاقتصاد إلى سلطة.

تقول الرباعية، التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، في بيانها الصادر في سبتمبر 2025 إن الحل في السودان لا يمكن أن يكون عسكريًا، وإن الحكم المستقبلي يجب أن يكون مدنيًا وشاملًا وشفافًا، وإن الدعم العسكري الخارجي يطيل الحرب. هذه لغة جيدة من حيث المبدأ. لكن السؤال السوداني لا يقف عند البيان. السؤال الحقيقي: هل تملك هذه الدول استعدادًا عمليًا لتطبيق ما تقوله؟، أم أن كل دولة تدخل البيان وهي تحمل سودانها الخاص في رأسها: مصر ترى الجيش، السعودية ترى الاستقرار، الإمارات ترى الشبكات والموانئ والنفوذ، والولايات المتحدة ترى الحرب من زاوية إدارة الأزمة ومنع الانهيار؟. أما السودان نفسه، السودان كذاكرة وثورة ومجتمع وجرح تاريخي، فيظل أحيانًا هو الغائب الأكبر عن طاولة مَن يُفترَض أنهم يساعدونه.

في كل هذه التصورات، يظهر خطأ مشترك: البحث عن “الطرف القابل للإدارة”. تبحث العواصم عن جنرال يمكن مخاطبته، أو حزب يمكن احتواؤه، أو مدنيين يمكن جمعهم، أو مليشيا يمكن الضغط عليها، أو إسلاميين يمكن إبعادهم شكليًا. لكن السودان لا تنقصه الأطراف القابلة للإدارة من الخارج؛ تنقصه صيغة وطنية تستعيد الدولة من قابلية الإدارة الخارجية نفسها. كلما جرى تركيب حل من فوق، انفجر من تحت. وكلما صُنعت حاضنة سياسية في عاصمة خارجية، وُلدت ضدها ريبة في الداخل. وكلما جرى التعامل مع المدنيين كأسماء قابلة للفرز والتجميع، ضاعت القوى الاجتماعية الحقيقية: لجان المقاومة، النقابات، النساء، النازحون، الهامش، ضحايا الحرب، والكتلة المدنية الواسعة التي دفعت ثمنًا باهظًا من أجل ألا يعود السودان إلى المعادلة القديمة نفسها: عسكري في المركز، ومدنيون حوله، وشعب ينتظر.

ليست المشكلة أن تتدخل السعودية أو مصر أو الإمارات في السودان بمعنى الوساطة أو الضغط لوقف الحرب. المشكلة أن تدخل هذه الدول إلى السودان وهي تحمل صورة ناقصة عنه. أن ترى القاهرة في الجيش اختصارًا للدولة. وأن ترى الرياض في الاستقرار هدفًا قابلًا للتحقيق عبر هندسة سياسية فوقية. وأن ترى أبوظبي في الشبكات المسلحة والاقتصادية أدوات نفوذ من دون إدراك كافٍ لما تفعله هذه الشبكات في جسد الدولة السودانية. وحين تجتمع هذه الصور الناقصة، يتكون حل ناقص: وقف حرب من غير تفكيك بنية الحرب، حكومة مدنية من غير سلطة مدنية، إبعاد شكلي للإسلاميين من غير تفكيك دولتهم الموازية، وإصلاح أمني من غير إخضاع السلاح كله لمنطق الدولة.

الكيمياء السياسية السودانية أعقد من ذلك بكثير. السودانيون يريدون وقف الحرب، لكنهم لا يريدون أن يكون ثمن وقفها إعادة تدوير من صنعوا شروطها. يريدون جيشًا وطنيًا، لكنهم لا يريدون وصاية عسكرية. يريدون تفكيك الدعم السريع، لكنهم يعرفون أن المشكلة لا تنتهي عند هزيمة مليشيا إذا بقي منطق إنتاج المليشيات قائمًا. يريدون إبعاد الإسلاميين، لكنهم يعرفون أن الإسلاميين لا يسكنون اللافتة وحدها؛ يسكنون الملفات، الشركات، الولاءات، الإعلام، الجهاز الإداري، وبعض بنى الحرب نفسها. يريدون دعمًا إقليميًا، لكنهم يخافون من أن يتحول هذا الدعم إلى وصاية جديدة. هذه الحساسية لا تُفهم من خرائط الأمن القومي وحدها، ولا من غرف التفاوض المغلقة، ولا من قوائم الأسماء الحزبية.

لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن تنتجه العواصم العربية اليوم هو حاضنة مدنية جديدة حول سلطة عسكرية. مثل هذه الصيغة قد تبدو عملية ومريحة وسريعة. يمكن تسويقها باسم الواقعية، ووقف الحرب، ومحاربة الإسلاميين، والحفاظ على مؤسسات الدولة. لكنها في العمق تكرر الخطأ نفسه: وضع المدنيين في وظيفة التجميل، ووضع العسكري في وظيفة الضمان، ووضع الشعب في وظيفة الانتظار. والسودان جرّب هذه المعادلة بما يكفي. جربها بعد الثورة، وجربها في الشراكة، وجربها في الانقلاب، ثم وجد نفسه أمام حرب كشفت أن الدولة التي لا تُستعاد من الوصاية تتحول عاجلًا أو آجلًا إلى ساحة صراع بين أوصياء متعددين.

الانتقال الديمقراطي في السودان لا يحتاج إلى حاضنة للبرهان، ولا إلى منصة إقليمية تمنح هذا الطرف أو ذاك شهادة اعتدال. يحتاج إلى مسار سوداني واسع يعيد ترتيب السؤال من أساسه: كيف تُبنى سلطة مدنية قادرة على مخاطبة الجيش من موقع الدولة، لا من موقع الرجاء؟ كيف يُدمج السلاح في مؤسسة وطنية خاضعة للرقابة العامة؟ كيف تُفكك الدولة الموازية التي بناها الإسلاميون؟ كيف تُقطع علاقة الاقتصاد بالحرب؟ كيف يعود الهامش إلى قلب العقد الوطني لا إلى هامش البيانات؟ وكيف يصبح وقف الحرب بداية لاستعادة الدولة، لا هدنة بين شبكات تنتظر جولة أخرى؟.

على السعودية ومصر والإمارات، إن أرادت فعلًا مساعدة السودان، أن تغير زاوية النظر. لا يكفي أن تعرف من يسيطر على بورتسودان، أو من يمسك الذهب، أو من يتحكم في الموانئ، أو من يستطيع توقيع اتفاق. السودان لا يُفهم من مفاتيح القوة وحدها؛ يُفهم من ذاكرة الخذلان أيضًا. من ديسمبر التي أسقطت رأس نظام طويل. من فض الاعتصام الذي كسر الثقة في الشراكة مع السلاح. من دارفور التي علّمت السودانيين أن الحرب التي تبدأ في الهامش لا تبقى هناك. من الخرطوم التي اكتشفت متأخرة أن العنف الذي صُدّر طويلًا إلى الأطراف يمكن أن يعود إلى المركز. من ملايين النازحين الذين صاروا خارج الخريطة الرسمية وهم في قلب الحقيقة الوطنية.

المقال الأعمق الذي ينبغي أن تقرأه هذه العواصم ليس بيان الرباعية، ولا محاضر اللقاءات، ولا خرائط النفوذ. المقال الحقيقي مكتوب في تجربة السودانيين أنفسهم: بلدٌ لا يريد أن يكون حديقة خلفية لأمن أحد، ولا ممرًا لموانئ أحد، ولا سوقًا لشبكات أحد، ولا ساحة لتصفية حسابات الإسلاميين والعسكر والمليشيات والرعاة الإقليميين. بلد يريد، بعد هذا الخراب كله، أن يصبح دولة عامة. دولة لا يملكها جنرال، ولا حزب، ولا مليشيا، ولا شبكة مال، ولا عاصمة خارجية.

السودان في المخيال العربي الرسمي ما زال أضيق من السودان الحقيقي. في المخيال، هو خريطة تحتاج إلى ضبط. في الحقيقة، هو مجتمع يبحث عن عقد. في المخيال، هو جيش ومليشيا ومدنيون يمكن جمعهم. في الحقيقة، هو تاريخ طويل من السلطة التي سبقت الدولة، ومن الدولة التي تأجلت حتى احترقت في قلبها. في المخيال، يمكن إنقاذه بتسوية بين الأقوياء. في الحقيقة، لا ينجو إلا إذا عاد الضعفاء، المواطنون، الضحايا، المدنيون الحقيقيون، إلى مركز المعادلة.

ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه السعودية ومصر والإمارات ليس: أي طرف سوداني ندعم؟ بل: هل نستطيع أن نرى السودان كما هو، لا كما نحتاجه؟ هل نستطيع أن نساعد في ولادة مسار سوداني مستقل، لا في صناعة حاضنة جديدة لوصاية قديمة؟ هل نستطيع أن نفهم أن الاستقرار من دون عدالة ليس سلامًا، وأن المدنية من دون سلطة ليست انتقالًا، وأن الجيش من دون رقابة ليس دولة، وأن إبعاد الإسلاميين من دون تفكيك شبكاتهم ليس خلاصًا؟.

حين تجيب هذه العواصم عن هذه الأسئلة بصدق، يمكن أن يبدأ دور عربي مختلف في السودان. أما قبل ذلك، فسيظل السودان الحقيقي يقاوم السودان المتخيل: سودان الخريطة ضد سودان المجتمع، سودان المصالح ضد سودان الذاكرة، وسودان الحواضن المصنوعة ضد سودان الدولة التي لم تصل بعد إلى نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *