تقرير خاص: (ديسمبر)

في سوق نيالا، لا يسأل التاجر عن السعر أولاً. يسأل عن الورقة النقدية. أيّ إصدار؟ أيّ توقيع؟ هل هي من «ورق الإمارات» السميك، ذي الميزات الأمنية الكاملة، أم من الأوراق القديمة المتآكلة التي اختفت منها الأرقام المتسلسلة؟ الإجابة لا تحدد السعر فحسب، بل تحدد ما إذا كانت الصفقة ستتم أصلاً. في مدينة واحدة، وفي سوق واحد، باتت الورقة النقدية تحمل سؤالاً سياسياً قبل أن تحمل قيمة اقتصادية: مَن تعترف بأنه يحكم هذه البلاد؟.
ما يجري في دارفور ليس أزمة سيولة عابرة. إنه الوجه المادي الأكثر وضوحاً لانقسام أعمق: السودان يسير، بخطى متسارعة، نحو دولة واحدة بمنظومتين نقديتين متنافستين؛ وهي ظاهرة ارتبطت في تجارب إقليمية ودولية عديدة بتعمّق الانقسام السياسي والمؤسسي، وإن لم تؤدِّ دائماً إلى انفصال الدول.
نقدٌ وسلاح
في نوفمبر 2024، أصدر بنك السودان المركزي في بورتسودان أوراقاً نقدية جديدة من فئتي الألف والخمسمائة جنيه، وقصَر صرفها على حاملي الحسابات المصرفية في المناطق الخاضعة للقوات المسلحة. من حيث الشكل، كان ذلك إصلاحاً نقدياً. ومن حيث الجوهر، كان إعلاناً صريحاً: مناطق الدعم السريع خارج المنظومة النقدية الوطنية.
لم تنتظر قوات الدعم السريع طويلاً. فأعلنت الأوراق القديمة عملةً قانونيةً في مناطقها، ثم ذهبت إلى أبعد من ذلك. ففي مايو 2026، أصدرت حكومة «تأسيس»، الذراع المدنية لقوات الدعم السريع، مرسوماً يحظر تداول الأوراق المالية الجديدة الصادرة من بورتسودان حظراً تاماً، مهددةً بمصادرة أي عملة مخالفة وملاحقة حاملها جنائياً.
أصبحت النتيجة ملموسة ويومية: مواطن في مناطق الدعم السريع لا يستطيع استبدال جنيهاته القديمة بالعملة الجديدة المعتمدة. ومواطن في مناطق القوات المسلحة لا يستطيع التعامل بالعملات المتداولة في الغرب. ولم يعد الانقسام مقتصراً على مناطق الحرب وحدها؛ فمع انتهاء المرحلة الثانية من عملية استبدال العملة في مايو 2026، أعلن بنك السودان المركزي انتهاء فترة استبدال الأوراق القديمة في عدد من الولايات، بما فيها الخرطوم والجزيرة، لتفقد بعض الفئات النقدية صلاحيتها القانونية في تلك المناطق بينما استمرت متداولة في مناطق أخرى. وهكذا، باتت خريطة السودان النقدية أكثر تعقيداً: أوراق قانونية في مدينة، ومرفوضة في مدينة أخرى داخل البلد نفسه، حتى قبل الوصول إلى خطوط التماس العسكرية.
يرى الخبير الاقتصادي عبدالرحيم البشاري، في حديثه لـ«ديسمبر»، أن قراءة هذا الانقسام لا ينبغي اختزالها في فروقات أسعار الصرف وحدها، إذ يرصد ثلاثة مؤشرات متصاعدة الخطورة: أولها فروقات الصرف التي كانت قائمة حتى قبل الحرب، وتعكس اختلال آليات التسعير. وثانيها تعطّل المدفوعات والتحويلات بين المناطق، لأنه «يؤثر مباشرة على وظيفة النقد كوسيلة دفع وطنية موحدة». أما المؤشر الثالث وهو «الأخطر»، في تعبيره: ظهور نظم دفع موازية تحظى بقبول المستخدمين، وهو ما يعني عملياً أن «الاقتصاد يبدأ في العمل كوحدتين منفصلتين، حتى وإن استُخدم الاسم نفسه للعملة في الجانبين». ويُميّز البشاري بين المؤشرين الأولين القابلين للمعالجة بالسياسات النقدية، والمؤشر الثالث الذي يتجاوز نطاق الحلول التقنية ليصبح «مرتبطاً بتسوية سياسية ومؤسسية شاملة».
توقيعان متعاكسان
لا تُفهم هذه الأزمة بعمق دون التوقف عند شخصية تختزلها باختزال مذهل.
حسين يحيى جنقول شغل منصب محافظ بنك السودان المركزي بين فبراير 2022 ومايو 2023. وفي تلك الفترة، وقّع على إصدار الأوراق النقدية من فئات المئة والمئتي جنيه، وهي اليوم العملة الأكثر تداولاً في أسواق دارفور، وتُستخدم لدفع رواتب مقاتلي الدعم السريع، وتُهرَّب عبر الحدود إلى تشاد، وفق ما وثّقه المرصد السوداني للشفافية والسياسات استناداً إلى مقابلات مع تجار ومصادر محلية في دارفور بين سبتمبر 2025 وفبراير 2026. وفي 21 مايو 2026، عيّنته حكومة «تأسيس» محافظاً لبنكها المركزي الوليد.
غير أن المفارقة لا تتوقف عند التعيين نفسه. فخلال الأسابيع التي أعقبت إنشاء «مجلس العملة الانتقالي»، بدأت تظهر في أسواق نيالا ومدن أخرى بدارفور كميات من الأوراق النقدية من فئتي الألف والخمسمائة جنيه تحمل توقيع جنقول نفسه، ومؤرخة بأثر رجعي إلى مايو 2022، أي إلى الفترة التي كان يشغل فيها منصب محافظ بنك السودان المركزي. وأفاد تجار وسكان محليون بأن هذه الفئات ضُخت عبر القنوات المالية المرتبطة بـ«بنك المستقبل»، بالتزامن مع صرف رواتب عناصر الدعم السريع بالجنيه السوداني بدلاً من الدولار.
وسواء كانت هذه الأوراق قد طُبعت حديثاً أم استُخرجت من مخزونات سابقة استولت عليها قوات الدعم السريع خلال الحرب، فإن النتيجة السياسية واحدة: الرجل الذي وقّع يوماً باسم الدولة السودانية الموحدة، بات توقيعه اليوم أحد أبرز رموز الانقسام النقدي داخلها.
محافظ واحد. بنكان مركزيان متعاديان. عملتان لا تعترف إحداهما بالأخرى. ولو أراد مؤرخ أن يجسّد انقسام السودان في شخصية واحدة، لما وجد أبلغ من هذه المفارقة.
سيادة موازية
لم يكتفِ الدعم السريع بإعلان عملة موازية، بل سعى إلى بناء ما يصفه علماء الاقتصاد السياسي بـ«البنية التحتية للسيادة النقدية»: منظومة متكاملة تضم أربعة مكونات مترابطة؛ سلطة سياسية تُصدر المراسيم، ومجلس عملة يُشرف على التداول ويمنح التراخيص المصرفية، ومحافظ لبنك مركزي، وشبكة مصرفية ناشئة تُصرف عبرها الرواتب وتُنجز التحويلات.
ففي يناير 2026، أُطلق «بنك المستقبل» في نيالا، واصطفّ المواطنون أمام فروعه لفتح حسابات. وفي مايو، أنشأت حكومة «تأسيس» «مجلس العملة الانتقالي»، ومنحته صلاحيات الإشراف على تداول النقد، وتنفيذ برامج استبدال العملة، وإصدار التراخيص المصرفية بالتنسيق مع المحافظ الجديد. هذه ليست أدوات لإدارة أزمة سيولة محلية، بل محاولة لبناء سيادة نقدية كاملة خارج إطار الدولة المعترف بها دولياً.
غير أن ما خلف الواجهة يطرح أسئلة أعمق. وفق ما رصده تقرير «المرصد السوداني للشفافية والسياسات»، والذي اطلعت عليه «ديسمبر» فإن مصطفى عبد النبي، المسؤول الرفيع في الجناح المالي للدعم السريع والمقيم في أبوظبي، يُعدّ أحد المهندسين الرئيسيين في تصميم هذا النظام وإطلاقه. وعبد النبي ليس اسماً مجهولاً في السجلات الدولية: فقد أُدرج في قائمة العقوبات السويسرية بوصفه مستشاراً مالياً للدعم السريع يساعد في إدارة شبكاتها وشركاتها التابعة، استناداً إلى نتائج فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بدارفور، كما فرضت عليه المملكة المتحدة عقوبات مماثلة. بعبارة أخرى: أحد المهندسين الرئيسيين للمنظومة النقدية الجديدة يخضع لعقوبات دولية بسبب دوره في تمويل الحرب ذاتها.
ويشرح البشاري التناقض البنيوي بدقة: «الأنظمة النقدية الحديثة لم تعد تستند إلى الغطاء الذهبي، بل إلى الثقة في مؤسسات الدولة وقدرتها على فرض القانون، وحماية الحقوق، وتوفير الأمن، فضلاً عن وجود آليات موثوقة لفض النزاعات المالية». ويخلص إلى أن حكومة «تأسيس» «لا تملك حالياً الحد الأدنى من مقومات الأمن والاستقرار اللازمة لقيام نظام نقدي مستقل وفعال». وقد حذّر بنك السودان المركزي في بورتسودان من «بنك المستقبل» صراحةً في يناير 2026، بوصفه غير مرخَّص وانتهاكاً لقوانين مكافحة غسل الأموال، غير أن هذا التحذير وصل إلى مناطق لا تعترف أصلاً بسلطة من أصدره.
مواطنٌ محاصَر
الأزمة النقدية ليست رقماً في تقرير اقتصادي. هي ظاهرة يومية تطول من لا حيلة لهم في الصراع.
في مناطق الدعم السريع، لجأ كثيرون إلى تطبيق «بنكك» التابع لبنك الخرطوم بديلاً عن السيولة المتآكلة. لكن وفق ما رصدته تقارير محلية موثقة، أفاد عدد من المستخدمين باختفاء أموالهم أو تجميدها في حساباتهم، بذريعة شكاوى قانونية يُزعم أنها رُفعت من مناطق سيطرة القوات المسلحة السودانية، أو بحجة الاشتباه في ارتباط الأرصدة الكبيرة بتمويل عمليات الدعم السريع. والنتيجة: ركود اقتصادي، وعزوف عن التطبيق، ورفع مكاتب التحويل عمولاتها إلى ثلاثين بالمائة، وفق ما أوردته “دارفور 24” في يناير 2026.
ويرى مصرفيون وخبراء اقتصاد أن الخطر لا يكمن فقط في تداول أوراق مختلفة، بل في تشكّل فضاءين اقتصاديين منفصلين. ويقول المدير السابق لإدارة الرقابة ببنك السودان المركزي، محمود صلاح إن الاقتصاد الحديث يعتمد على منظومة تقنية ومؤسسية موحدة، محذراً من أن أي محاولة لإقامة انقسام اقتصادي ستقود إلى مزيد من اضطراب الأسعار وتراجع قيمة العملة. كما يشير إلى أن العملات التي سُحبت رسمياً من التداول ثم أُعيد ضخها في الأسواق لا تحظى باعتراف نقدي أو مصرفي خارج نطاق استخدامها المحلي، وهو ما يدفع المواطنين والتجار تدريجياً إلى اللجوء للعملات الأجنبية كلما تراجعت الثقة في المؤسسات النقدية القائمة.
وهذا النزوح يتجلى فعلاً على خطوط التماس وعبر الحدود: تجارة تعتمد في آنٍ واحد على جنيه جنوب السودان، والفرنك التشادي، والدينار الليبي، والدولار الأمريكي، وفق ما وثّقه «المرصد السوداني للشفافية والسياسات». ليست هذه مرونة اقتصادية، بل دليل على أن الجنيه السوداني فقد وظيفته كعملة موحدة تعبر حدود البلاد. ويتوقع البشاري أن يتعمّق هذا التحول، إذ يرى أن «شريحة واسعة من التجار ستتجه إلى الاحتفاظ بثرواتها والتعامل بعملات أجنبية حفاظاً على قيمتها الشرائية».
في مكاتب التحويل، تتراوح العمولات بين خمسة عشر وأربعين بالمائة على تسييل أرصدة «بنكك»، وفق وثيقة صادرة من الضعين في أبريل 2026 اطلع عليها المرصد السوداني للشفافية والسياسات. والمستفيدون من هذا الفراغ ليسوا المواطنين العاديين وحدهم، بل شبكات الوساطة المرتبطة بقيادات الدعم السريع التي أسهمت في تصميم البنية المالية الموازية ذاتها.
النموذج اليمني
السودان ليس أول من يسلك هذا الطريق. فقد عاش اليمن نسخته منذ عام 2016، حين انقسم بنكُه المركزي إلى فرعين متعاديين في صنعاء وعدن. ومنذ ذلك الانقسام، استحالت أي سياسة نقدية متماسكة على مستوى البلاد بأسرها، وارتفعت رسوم التحويل المالي بين المنطقتين لتبلغ أربعين بالمائة في بعض الحالات، فيما تراجع حجم عمليات التحويل بنسبة سبعة عشر بالمائة في عام واحد، وفق تقارير موثقة. ويلاحظ البشاري أن التجربة اليمنية تكشف نمطاً متكرراً: «استمر التعاون بين البنكين المركزيين لفترة من الزمن، لكنه انتهى بمجرد أن اكتسب كل طرف سياسي قدراً من الثقة في قدرته على إدارة المناطق الواقعة تحت سيطرته بصورة مستقلة». والأهم أن هذا التعمّق في الانقسام المصرفي أسهم مباشرةً في تعطيل جهود السلام، ولم يكن مجرد أثر جانبي للحرب، بل صار عاملاً فاعلاً في إطالتها.
سؤالٌ معلّق
منذ أبريل 2026، دخل بنك السودان المركزي في بورتسودان المرحلة الثانية من إصلاحه النقدي، موسّعاً نطاق العملة الجديدة لتشمل الخرطوم والجزيرة. وفي الجهة المقابلة، يرسّخ «مجلس العملة الانتقالي» منظومته المالية، بينما يتولى رجل خاضع للعقوبات الدولية إدارة جناحها المالي. الطرفان يتحركان بثقة في اتجاهين متعاكسين.
فالسلطات لا تُقاس فقط بقدرتها على السيطرة على الأرض، بل أيضاً بقدرتها على إصدار النقود، وتنظيم تداولها، وصرف الرواتب، ومنح التراخيص المالية. وفي هذا المعنى، لا يمثل الجدل حول أوراق تحمل توقيع حسين جنقول خلافاً فنياً حول العملة، بقدر ما يعكس صراعاً على إحدى أكثر وظائف الدولة جوهرية: حق إصدار النقد نفسه.
ويؤكد البشاري أن بناء نظام نقدي فعال في مناطق سيطرة منفصلة «قد يتطلب سنوات، إضافة إلى وجود حدود واضحة ومستقرة»، مضيفاً أن الاعتراف الدولي «عامل مساعد لكنه غير كافٍ بمفرده». وربما يكون الخطر الأكبر أن الانقسام النقدي لا يختفي تلقائياً حتى لو توقفت الحرب غداً؛ فكل شهر يمر يضيف طبقات جديدة من التعقيد: حسابات مصرفية تعمل في منظومتين منفصلتين، وشبكات تحويل متنافسة، وأوراق نقدية تختلف في وضعها القانوني وقيمتها الفعلية بين منطقة وأخرى. وحتى لو نجح السودانيون في إعادة بناء سلطة سياسية موحدة، فإن إعادة توحيد النظام النقدي قد تصبح واحدة من أكثر مهام ما بعد الحرب كلفةً وتعقيداً.
لذلك، قد لا يكون السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان السودان يتجه نحو عملتين، بل: كم ستكلفه استعادة عملة واحدة؟.