كيف تولد الفكرة في رأس شخص ما، ثم فجأة نجدها قد تحولت إلى قناعة جماعية يدافع عنها الملايين؟. للأفكار سوق حرة صاخبة لا تختلف عن أسواق السلع، تُصمَّم، وتُغلَّف، وتسوَّق، ثم تجد طريقها إلى عقولنا.
تسويق الفكرة يسبق تسويق المنتج ويمهد له، لإقناعنا بأهمية هذه المنتجات في حياتنا.
ظهر مؤخراً في نظام التغذية ما عُرف بـ”نظام الطيبات”، الذي أسسه الدكتور ضياء العوضي. هذا النظام قدَّم نموذجاً تطبيقياً مدهشاً لكل قواعد سوق الأفكار، لكنه سلك طريقاً فريداً يدمج بين التسويق العكسي والإيمان الوجداني. والحديث هنا عن الطيبات كنموذج تسويقي لا كنظام غذائي، ولهذا أهله.
مجال التغذية بالذات كان عبر التاريخ الملعب الأثير لهندسة الأفكار وتسويقها بتمويل الحملات والأبحاث وتمهيد الأرض للمنتجات. مثلاً جرى الترويج لفكرة ربط الكالسيوم في أذهان كثير من المستهلكين بالحليب البقري بوصفه المصدر الأبرز له، عبر حملات ضخمة وهو ما ساهم في ترسيخ مكانة الحليب داخل السوق الغذائية لعقود طويلة.
شهد العالم منذ منتصف القرن الماضي حملات واسعة حذّرت من السمن البلدي والزبدة وربطتهما بارتفاع الكوليسترول، للتمهيد للزيوت النباتية. أعادت دراسات حديثة تقييم بعض الدهون الطبيعية، وتراجعت الثقة في كثير من الدهون المتحولة والزيوت الصناعية المهدرجة.
المسوقون يعرفون أن الناس يأكلون بأدمغتهم قبل أفواههم، فيخلقون في داخلهم خوفاً صحياً، ثم يبتسمون لهم بلطف في إعلاناتهم ويقدمون الحل السحري في علبة أنيقة مدفوعة الثمن.
لكن لماذا يؤمن الناس بالفكرة ويستمرون في اعتناقها؟ ولماذا قد يتركونها فجأة؟
هناك كثيرون يتبنون الفكرة لمجرد الانبهار بغلافها البراق، أو رغبةً في أن يبدوا مواكبين للموضة الفكرية وعصريين أمام مجتمعاتهم. وهناك أيضاً من يؤمنون بالفكرة لأنها تقدم لهم حلاً حقيقياً وملموساً يمس راحتهم أو صحتهم. لذات الأسباب إذا فقد الغلاف بريقه، أو قلّ عدد اللايكات والتفاعل حول فكرة، أو ظهرت موضة جديدة تبدو أكثر جاذبية سيركض كثيرون خلفها، وإن كانت عكس الأولى.
في وقت كان فيه سوق التغذية مزدحماً بالدعوة لحساب السعرات وقطع النشويات، جاء نظام الطيبات بفكرة عكسية صادمة. شجع على اللحوم الحمراء والدهون وحتى السكر الأبيض، ومنع تماماً الدواجن، والبيض، والحليب ومنتجاته، واستبدل الدقيق الأبيض المكرر بالقمح الكامل. هذه الصدمة وقدرتها على قلب الهرم الغذائي التقليدي، كانت بمثابة مغناطيس تسويقي لفت الانتباه وسط الضجيج.
علاوة على ذلك، اكتسبت الفكرة بعداً عاطفياً وروحياً عبر اسم “الطيبات” المستلهم من القرآن الكريم، مما نقل الجمهور من مرحلة المستهلك العاطفي المؤقت إلى مرحلة المستهلك طويل الأجل الذي يؤمن بالنظام كفلسفة حياة. ثم تولى سلاح (التسويق الشفهي) الباقي عبر مجموعات السوشيال ميديا والتيك توك بصدق وحماس يفوق ميزانيات أعتى شركات الإعلانات.
لكن لعل العنصر الأكثر إثارة للدهشة في خلطة انتشار “نظام الطيبات” ليس قائمة المسموحات والممنوعات، بل شخصية الدكتور ضياء العوضي نفسه. فمن يشاهد فيديوهاته يلاحظ أسلوباً يميل إلى العصبية، والحدة، والاستفزاز الفكري للمخالفين له وللمدارس الطبية التقليدية.
هل ساعدت هذه العصبية في الانتشار؟ يبدو ذلك إلى حدٍ كبير.
في الفضاء الرقمي الحديث، العاطفة الأكثر قدرة على تحريك الخوارزميات وجلب المشاهدات هي الإثارة والجدل. عندما يخرج طبيب ليتحدى الثوابت بحدة وعصبية، فإنه يصنع صدمة تجبر المشاهد على التوقف ومشاركة الفيديو، سواء كان مؤيداً مبهوراً بالشجاعة، أو معارضاً مستفزاً يرغب في الرد. هذه الحدة صنعت ما يسمى في التسويق بـالاستقطاب الحاد، وهو الوقود المثالي لأي فكرة تود أن تتحول إلى إعصار رقمي.
العصبية هنا لم تكن عيباً تسويقياً، بل عُدّت من قِبل أتباعه دليلاً على الصدق والغيرة على الحق، وعُدّت من قِبل خصومه مادة دسمة للنقاش. وبذلك، تبرعت خوارزميات السوشيال ميديا بنشر الفكرة مجاناً إلى كل الهواتف، لأنها ببساطة تثير التفاعل وتجلب الانتباه.
ولكن، إذا كان الهدف التجاري من صناعة الفكرة في حالة شركات الزيوت والألبان واضحاً وصريحاً، فما هي فائدة العوضي من صناعة فكرة الطيبات؟
مع العلم أن من ورائه ربح كثيرون، حيث وفّر نظامه طلباً كبيراً على منتجات بعينها، فقد نبتت على ضفاف الفكرة كيانات تجارية، ومخابز متخصصة، ومحلات ومطاحن سوقت لنفسها تحت لافتة (صديق للطيبات) لبيع الدقيق غير المنخول والمخبوزات البديلة الخالية من اللبن والبيض. أيضاً امتد لصناعة المحتوى، إذ وجد آلاف المؤثرين وصناع الفيديو في هذا النظام مادة دسمة لركوب الترند. هؤلاء يربحون من المشاهدات والتفاعل عبر نقد النظام أو الدفاع عنه، أو تقديم وصفات متوافقة معه، ليصبح كثيرون غير صاحب الفكرة مستفيدين تجارياً منها.
يظل الهدف التجاري المباشر للدكتور العوضي غامضاً، بقياسه بحالات الزيوت والألبان، وربما زاد هذا من أسباب ثقة الناس به، فمع تزايد تشكك كثير من المستهلكين في الرسائل الإعلانية التقليدية، ربما ساهم غياب المنتج التجاري المباشر للعوضي في تعزيز صورة النظام وزاد من ثقة المتابعين.
لا يمكن الجزم بدوافع صاحب الفكرة، لكن تجربة الطيبات تُظهر كيف يمكن لأي فكرة ناجحة أن تولّد قيمة اقتصادية كبيرة حول صاحبها، سواء أكان ذلك مقصوداً منذ البداية أم نتيجة لاحقة للانتشار.
غير أن الكسب المادي المباشر حديثاً من بيع السلع (مثل أرباح شركات الزيوت) لم يعد الطريقة الوحيدة للثراء، فهناك ما يسمى تسويق الشخصية كماركة أو علامة تجارية (Personal Branding) .
حين تتحول الشخصية إلى ماركة مسجلة ولها ملايين الأتباع، فإن العائد الاستثماري يتضاعف بشكل غير مباشر من خلال التدفق الهائل على العيادات والاستشارات الخاصة، والارتفاع الفلكي في نسب مشاهدات قنواته ومنصاته الرقمية (والتي تترجم لأرباح ضخمة)، والقدرة على بيع الكتب أو تنظيم المحاضرات وتوجيه السوق بكلمة واحدة. وبعيداً عن العائد الاقتصادي تمنح الأفكار الناجحة أصحابها نفوذاً رمزياً واضحاً وقدرة كبيرة على التأثير في سلوك الجمهور وتفضيلاته.
سواء أكان انتشار الطيبات نتيجة تخطيط واعٍ، أو ثمرة ظروف مواتية، فإن السؤال الأهم يبقى: ما الذي يجعل بعض الأفكار تكتسب هذه القدرة الاستثنائية على الانتشار والتأثير؟ ولعل الإجابة على هذا السؤال تفسر صعود الأفكار وسقوطها أكثر من البحث في نوايا أصحابها.