بيوت الأشباح: حين أصبح التعذيب عنواناً للدولة

شيماء تاج السر، المحامية


يحل في 26 يونيو من كل عام اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب، وهو تاريخ يتزامن مع ذكرى دخول اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة حيز النفاذ في عام 1987. وتُعد هذه الاتفاقية الركيزة الأساسية في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان لمكافحة هذه الجريمة النكراء، وقد انضمت إليها حتى اليوم 162 دولة في التزام دولي متزايد يجسّد الإرادة الجماعية للقضاء على هذه الممارسة أينما وجدت.

في اليوم العالمي لمناهضة التعذيب نعيد التذكير بجرائم نظام البشير التي لم تسقط بالتقادم، ونسأل: هل يستطيع ضحايا بيوت الأشباح أن ينالوا عدالتهم بعد كل هذه السنين؟.

في السادس والعشرين من يونيو من كل عام يحتفل العالم باليوم العالمي لمناهضة التعذيب، تأكيداً على أن الإنسان خُلق مكرَّماً ولم يُخلق ليعذَّب، لكن في السودان يحمل هذا اليوم معنى خاصاً ومؤلماً. إذ ارتبطت عقود من حكم النظام العسكري الإخواني بجرائم تعذيب ممنهجة جسدت أقصى درجات انتهاك الكرامة الإنسانية؛ من بيوت الأشباح السرية، إلى غرف التحقيق المغلقة، تحول التعذيب إلى أداة نظام لقمع المعارضين وإسكات الأصوات المطالبة بالحقوق.

إن تاريخ جرائم التعذيب في السودان منذ انقلاب 1989 يستدعى تسليط الضوء على تجارب الناجين من بيوت الأشباح، ويثير أسئلة مصيرية حول إمكانية تحقيق العدالة في ظل تعقيدات قانونية وسياسية أبرزها: هل يسقط حق ضحايا التعذيب بالتقادم؟.

بيوت الأشباح.. معتقلات الرعب

“بيوت الأشباح” مصطلح سوداني ظهر مع انقلاب ثورة الإنقاذ الوطني عام 1989، ويقصد به الأماكن أو البيوت السرية التي كانت تُجرى فيها عمليات تعذيب وإرهاب للمعارضين لنظام عمر البشير، والتي أدت في أحيان كثيرة إلى الموت. ويرجع تسميتها بـ”الأشباح” إلى أن الجلادين كانوا غالباً ملثمين لا يظهرون وجوههم خوفاً من أن يعرفهم الضحايا، وبالتالي فإن الضحية لا تعرف من عذبها ولا مكان تعذيبها.

لم تكن بيوت الأشباح مجرد سجون سرية، بل كانت نظاماً متكاملاً للإرهاب. حيث تشير تقارير منظمة العفو الدولية إلى أن التعذيب وسوء المعاملة كانا أمراً روتينياً في هذه البيوت ومراكز الأمن، وكان جهاز الأمن والمخابرات العامة السوداني هو المشرف على هذه الممارسات.
في شهادات مؤثرة للناجين من بيوت الاشباح تفاصيل مرعبة عن أساليب التعذيب التي تعرضوا لها، من التحرش والضرب والجلد والصعق الكهربائي والضغط النفسي والجسدي. وقال أحدهم إن أسوأ طريقة تعذيب كانت إجباره على السير حافياً على زجاج مكسور، وعندما رفض صعقوه بالكهرباء فسقط على الزجاج المكسور ولا تزال ندوب تلك الجروح محفورة في جسده حتى اليوم.

وهذه ليست حالة منفردة، فتقارير حقوق الإنسان توثق حالات عديدة لمعتقلين تعرضوا للتعذيب بوسائل وحشية في بيوت الأشباح، من بينهم الدكتور علي فضل أحمد الذي قتل في أبريل 1990 بعد تعذيبه لمدة 52 يوماً في أحد هذه البيوت.

ثلاثون عاماً من الإفلات من العقاب

طيلة ثلاثة عقود من حكم نظام الإنقاذ لم يتمكن أيٌّ من ضحايا التعذيب أو أسرهم من المطالبة بحقهم في العدالة، فقد سيطر الإخوان على كل مفاصل الدولة بما فيها القضاء الذي لم يكن مستقلاً يوماً، ومنحت القوانين السودانية حصانات واسعة لمسؤولي جهاز الأمن مما جعل محاكمتهم مستحيلة عملياً.

لم تعترف الدولة رسمياً بوجود بيوت الأشباح وتم إنكارها باستمرار. وفي غياب أي إرادة سياسية للمحاسبة ظل الضحايا والناجون يعيشون في صمت، وتحملوا آلامهم الجسدية والنفسية وحدهم بينما استمر الجلادون في مناصبهم بلا رادع.

تشير تقديرات منظمة العفو الدولية إلى توثيق حالات تعذيب لأكثر من 100 شخص اعتقلوا منذ نوفمبر 1989 في مراكز الاحتجاز السرية، لكن العدد الحقيقي للضحايا يبقى مجهولاً، إذ إن طبيعة بيوت الأشباح السرية تجعل توثيق الانتهاكات أمراً بالغ الصعوبة.

ثورة ديسمبر.. ضوء في نهاية النفق

في ديسمبر 2019 أسقطت ثورة ديسمبر المجيدة نظام البشير وفتحت الباب أمام أمل جديد للضحايا والناجين. فلقد تشكلت حكومة مدنية انتقالية، ولأول مرة منذ ثلاثين عاماً شعر الضحايا بأن هناك فرصة للعدالة. عاد العديد من الناجين والمعارضين من الداخل والخارج وبدأوا في التقدم ببلاغات للمطالبة بحقوقهم. تم فتح تحقيقات في جرائم التعذيب والقتل خارج القانون، وبدا أن طريق العدالة أصبح ممهداً.

شهدت الفترة الانتقالية المدنية إصلاحات قانونية مهمة. في يوليو 2020 صدرت تعديلات تاريخية على القوانين السودانية شملت المادة (115-2) من قانون الجنائي لعام 1991، حيث تم توسيع تعريف التعذيب ليشمل الأذى الجسدي والنفسي معاً وزيادة العقوبة من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، كما تم تعديل المادة (4-د) من قانون الإجراءات الجنائية لعام 1991 لتحظر صراحة تعذيب المتهمين.

هذه التعديلات وإن كانت غير كافية مثلت اعترافاً لأول مرة بجدية جرائم التعذيب، وفتحت الباب أمام إمكانية محاكمة مرتكبيها، كما أشارت تقارير إلى أن ممارسات التعذيب تراجعت بشكل ملحوظ تحت قيادة الحكومة المدنية الانتقالية.

انقلاب 2021 وإجهاض العدالة

لكن هذا الأمل لم يدم طويلاً. ففي أكتوبر 2021 نفذ قائدا الجيش والدعم السريع؛ عبد الفتاح البرهان و محمد حمدان دقلو (حميدتي )، انقلاباً عسكرياً منهياً التجربة المدنية ومجهضاً مسار العدالة الانتقالية.

يقول المركز الدولي للعدالة الانتقالية (ICTJ) إن الانقلاب العسكري أنهى عملية العدالة الانتقالية الناشئة في البلاد، وتوقفت التحقيقات في جرائم التعذيب وعادت حالة الإفلات من العقاب لتسيطر من جديد.

مع اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع عادت ممارسات بيوت الأشباح بقسوة أكبر. وثّق تقرير لمجموعة المدافعين عن حقوق الإنسان المنفيين حالات اعتقال تعسفي وتعذيب واختفاء قسري وعنف جنسي بين أبريل 2023 وأغسطس 2025 من خلال مقابلات مع 17 شخصاً، بينهم ناجون وشهود عيان وعائلات. وأكد التقرير أن ممارسات بيوت الأشباح التي اشتهرت في عهد البشير عادت بقسوة أكبر.

التقادم.. هل يسقط جرائم التعذيب؟

أحد أكبر التحديات القانونية التي تواجه ضحايا التعذيب في السودان هي مسألة التقادم. فوفقاً للقانون السوداني تخضع جريمة التعذيب لفترة تقادم مدتها سنتان فقط بموجب المادة (115-2) من قانون العقوبات لعام 1991. هذا يعني أن جرائم التعذيب التي ارتكبت خلال ثلاثين عاماً من حكم البشير قد سقطت بالتقادم، إذ انقضت المدة القانونية للمقاضاة في قضية الدكتور فاروق محمد إبراهيم ضد السودان أمام اللجنة الأفريقية، وتبين أن جريمة التعذيب التي تعرض لها أصبحت مشمولة بالتقادم بعد سنتين من ارتكابها، أي أنها سقطت بحلول عام 1994.
لكن القانون الدولي يتخذ موقفاً مختلفاً. تنص المادة 29 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على أن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة لا تسقط بالتقادم. كما تؤكد اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية على أن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم مهما طال الزمن.

وتُصنَّف جرائم التعذيب المنهجي ضمن الجرائم ضد الإنسانية التي لا تسقط بالتقادم في القانون الدولي، وقد أكدت المحكمة العليا في بعض الدول أن الجرائم ضد الإنسانية مثل القتل والتعذيب لا تخضع لقانون التقادم. إضافة إلى ذلك شددت منظمة العفو الدولية والمركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام على ضرورة تعديل المادة 115 من قانون العقوبات السوداني لإزالة فترة التقادم في قضايا التعذيب.

لجنة التحقيق

يدور كثير من التساؤلات حول لجنة التحقيق في أحداث ما بعد 1989 التي شكلها النائب العام الأسبق تاج السر الحبر للتحقيق في حالات القتل خارج القانون والتعذيب داخل السجون. فمع تشكيل الحكومة المدنية الانتقالية بعد ثورة ديسمبر تم إنشاء آليات للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، ومن بين هذه الآليات لجنة التحقيق في جرائم القتل خارج القانون التي تولت تلقي بلاغات الضحايا والبدء في إجراءات قانونية. لكن المعلومات المتاحة حول أداء هذه اللجنة لا تزال محدودة، ويبدو أن عملها تعطل مع انقلاب 2021، ومع ذلك فإن وجود هذه اللجنة مثل اعترافاً رسمياً بجدية الانتهاكات وخطوة أولى نحو كسر جدار الإفلات من العقاب.

على المستوى الدولي تحركت عدة جهات لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات. في السودان أصدرت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب قرارات تدين انتهاكات السودان، وأكدت فشل الحكومة في التحقيق في ادعاءات التعذيب والحصانات الواسعة الممنوحة لمسؤولي جهاز الأمن، كما دعت اللجنة السودان إلى تجريم التعذيب صراحة واتخاذ تدابير فعالة لمكافحة الإفلات من العقاب.
في مايو 2025 أصدر الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان والمركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام تقريراً مشتركاً بعنوان نطالب بالعدالة (نستحق العدالة) يقدم تحليلاً نقدياً لآليات العدالة والمساءلة المتاحة للضحايا والناجين السودانيين. وجاء في التقرير أنه “يجب ألا يُؤجل تحقيق العدالة، أو يُحرم منها بعد الآن. لا يمكن بناء السلام في السودان دون تحقق الحقيقة والمساءلة”.

بين اليأس والأمل

يقف ضحايا بيوت الأشباح اليوم بين مطرقة سقوط الدعاوى بالتقادم بموجب القانون الوطني، وسندان مبدأ عدم تقادم الجرائم ضد الإنسانية في القانون الدولي. ورغم التعديلات القانونية التي أدخلتها الحكومة المدنية عام 2020 فإنها لم تكن كافية لضمان محاسبة مرتكبي جرائم التعذيب، ولا تزال هناك حاجة لتعديلات جوهرية تشمل إزالة التقادم وضمان حق الضحايا في التعويض.
إن انقلاب 2021 والحرب المستمرة منذ أبريل 2023 زادا من تعقيد المشهد وأعادا إنتاج دائرة العنف والإفلات من العقاب، لكن الناجين وأسر الضحايا لم يفقدوا الأمل ويواصلون المطالبة بالحقيقة والعدالة، مؤكدين أن جرائم التعذيب لا تسقط بالتقادم في ضمير الإنسانية .
في اليوم العالمي لمناهضة التعذيب نجدد تضامننا مع كل ضحايا التعذيب في العالم، ونجدد العهد بالالتزام بالدفاع عن قضيتهم.. فالإنسان خُلق مكرماً ولم يُخلق ليعذب، وسيأتي يوم ينال فيه كل ضحايا بيوت الأشباح في السودان حقهم في العدالة مهما طال الزمن.

في المقالات القادمة من هذه السلسلة سنستعرض تفاصيل تجارب عدد من الناجين من بيوت الأشباح، لنوثق للتاريخ ما عاناه السودانيون تحت وطأة نظام التعذيب الممنهج.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *