الإفراج عن 400 نزيلة: مقاربة قانونية

الإفراج عن 400 نزيلة: مقاربة قانونية

شيماء تاج السر المحامية

 

في مشهد يجسد أحد أشد مفارقات الحرب وأقسى أوجهها، حيث “يُقتل القتيل ويمشي في جنازته”، يستمر المشهد السوداني في إنتاج تعقيداته التي تلامس كل تفاصيل الحياة. فبين دوي المدافع وصرخات المنكوبين، تبرز قضية أخرى تختزل مأساة آلاف المدنيين الذين وجدوا أنفسهم وراء القضبان دون ذنب جنوه، سوى أنهم وقعوا في فخ الاتهامات الجاهزة في زمن الاقتتال.

من بين أكثر الملفات إيلامًا التي فتحتها حرب الخامس عشر من أبريل 2023، ملف الاعتقالات الواسعة للمواطنين المسالمين، وتوجيه تهم خطيرة لهم. وقد أدت هذه الموجة إلى امتلاء السجون، كما تتواتر الأنباء، بالأبرياء من الرجال والنساء، وحتى الأطفال الذين تصطحبهم أمهاتهم داخل السجون.

في خطوة مفاجئة، زار الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش، سجن النساء بأم درمان يوم الجمعة 10 يناير 2026، وأعلن عبر منصة “إكس” عن توجيهه بالإفراج الفوري عن 400 نزيلة، من بينهن أمهات محتجزات مع أطفالهن، مع إسقاط جميع الغرامات المتعلقة بالحق العام.

لم تكن هذه الزيارة مجرد حدث روتيني، بل جاءت مصحوبة بتصريحات توسِّع من نطاق القرار، حيث وجه البرهان وفقًا للتغريدة بإعادة التصنيف القانوني ومراجعة أوضاع المحتجزات بتهم التعاون مع “الميليشيا”، بالإضافة إلى مراجعة شاملة للإجراءات القانونية ومنظومة العدالة لضمان تطبيق القانون بعدالة وتخفيف آثار النزاع عليهن، مع مراعاة الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

هذا الإعلان، الذي احتفت به بعض الأوساط واحتفت به وزيرة الدولة بوزارة الرعاية الاجتماعية في حكومة الحرب، سليمى إسحاق، باعتباره بادرة إنسانية في زمن الحرب، يفتح الباب على مصراعيه لتساؤلات قانونية ودستورية عميقة وشائكة. فبين رحمة السلطان وصلاحياته الدستورية، وبين الاعتبارات الإنسانية الملحة وضوابط العدالة القضائية، تقع هذه الخطوة في منطقة رمادية تحتاج إلى فحص دقيق.

 

العفو والإفراج.. حيث تنتهي السلطة القضائية وتبدأ السلطة التنفيذية

في أبسط تعريفاته، يُعد العفو سلطة سيادية تملكها الدولة، تُمارس عادة من قِبَل رئيسها أو مجلس قيادتها، وتتمثل في العفو عن العقوبة أو إسقاطها كليًا أو جزئيًا. لكن هذا التعريف البسيط يحمل في ثناياه قيودًا دستورية كبيرة. فالسلطة القضائية، بحكم استقلاليتها، هي الجهة الوحيدة المخوَّلة بالفصل في الاتهامات وإصدار الأحكام. وعليه، فإن سلطة العفو في صورتها الدستورية السليمة تنصرف فقط إلى من صدرت في حقهم “أحكام قضائية نهائية وباتّة”. أي أن المحاكمة تكون قد اكتملت، وثبتت الإدانة، واستنفدت جميع طرق الطعن القانونية. هنا تتدخل السلطة التنفيذية، بناءً على اعتبارات المصلحة العامة أو السياسة الجنائية أو الظروف الاستثنائية، لتخفيف العقوبة أو إسقاطها.

المشكلة القانونية البارزة في إعلان البرهان تكمن في تفاصيله. فإذا كان الإفراج عن النزيلات قد شمل من صدرت ضدهن أحكام نهائية، فإن الإجراء رغم ضرورة النظر في سياقه الزمني قد يندرج ضمن الإطار الدستوري لسلطة العفو. ولكن الإشكال يظهر جليًا في جزءين من التصريح: الأول، هو الإفراج عن “محتجزات” وهن في مرحلة التحقيق أو المحاكمة دون صدور حكم نهائي. والثاني، والأكثر خطورة، هو التوجيه “بإعادة التصنيف القانوني ومراجعة أوضاع المحتجزات بتهم التعاون”.

 

التصنيف القانوني وإعادة التوصيف: تدخل في صميم عمل القضاء

عبارة “إعادة التصنيف القانوني” هي العبارة الأكثر إثارة للقلق في هذا السياق. “التصنيف القانوني” للجريمة هو عمل قضائي بحت. فهو يحدد الوصف الدقيق للفعل المجرَّم والعقوبة المقررة له، وهو من صميم اختصاص النيابة العامة أولاً (في مرحلة التحقيق والاتهام)، ثم المحكمة ثانيًا (في مرحلة المحاكمة والفصل). أي توصيف أو إعادة توصيف للفعل يأتي من سلطة تنفيذية هو، من الناحية الدستورية، “تدخل غير جائز” في عمل السلطة القضائية.

إن توجيه “مراجعة أوضاع المحتجزات بتهم التعاون مع الميليشيا” من قبل رئيس مجلس السيادة يخلط بشكل صارخ بين السلطات. فهو يشبه أن يصدر رئيس الدولة توجيهًا إلى القضاء بشأن كيفية النظر في قضايا محددة، وهو ما يمثل انتهاكًا صريحًا لمبدأ “الفصل بين السلطات”، الذي يعد حجر الزاوية في أي نظام ديمقراطي، أو حتى في نظام يطمح للانتقال إلى الديمقراطية. استقلال القضاء يعني أن السلطة التنفيذية لا تملك حق التوجيه أو الإملاء على القضاة أو النيابة في كيفية التعامل مع ملفات قضائية محددة، بغض النظر عن طبيعة التهم.

هذا الخلط لا يقوض استقلال القضاء فحسب، بل يفتح الباب أمام “تسييس القضاء” وتحويله إلى أداة في الصراع السياسي والعسكري. فإذا كانت تهمة “التعاون مع الميليشيا” يمكن “إعادة تصنيفها” أو “مراجعتها” بناءً على توجيه تنفيذي، فما الذي يضمن ألَّا تستخدم هذه التهمة أو أي تهمة أخرى بشكل انتقائي ضد الخصوم السياسيين؟، وما هي الضمانات التي تقدم للجميع بأن العدالة تطبق بمعزل عن الهوى السياسي أو العسكري؟.

 

الظروف الاستثنائية مبرر إنساني؟.. أم بوابة لتجاوز الدستور؟

لا يمكن إنكار الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، كما ورد في تصريح البرهان. فالحرب تخلق واقعًا إنسانيًا مأساويًا، والسجون في مناطق الصراع غالبًا ما تكون بيئات قاسية وغير إنسانية، خاصة بالنسبة للأطفال المرافقين لأمهاتهم. الدافع الإنساني لتخفيف المعاناة هو دافع نبيل ومشروع. ولكن، وحتى في أحلك الظروف الاستثنائية، فإن دولة القانون تلتزم بإطارها الدستوري.

تفتح الاعتبارات الإنسانية المجال لتطبيق آليات قانونية موجودة أصلاً، وليس لتجاوزها. على سبيل المثال، يمكن تفعيل أحكام إخلاء السبيل بكفالة أو بضمانات للمتهمين في مرحلة التحقيق، خاصة في الجرائم التي لا تشكل خطرًا مباشرًا على المجتمع. يمكن أيضًا تسريع الإجراءات القضائية، أو تطبيق بدائل للحبس الاحتياطي، أو تحسين ظروف الاحتجاز. كل هذه آليات تقع ضمن الإطار القانوني، وتحت إشراف القضاء، تحقق الهدف الإنساني دون المساس باستقلالية العدالة.

عندما يُستخدم “الاستثناء” لخلق سابقة تسمح للسلطة التنفيذية بالتدخل في التصنيف القانوني والقضايا القضائية المنظورة، فإن هذا الاستثناء يتحول إلى قاعدة جديدة خطيرة. وهو ما يقوض ثقة المواطن في أن العدالة ستُطبَق عليه بشكل نزيه إذا ما وقع هو نفسه تحت طائلة القانون.

 

نحو عدالة حقيقية في زمن الاستثناء

الخطوة التي أعلنها البرهان تضعنا أمام مفترق طرق حاسم بالنسبة لمستقبل العدالة وسيادة القانون في السودان. من ناحية، هناك حاجة ماسة للإجراءات الإنسانية التي تخفف من معاناة آلاف المحتجزين والمتأثرين بالحرب. ومن ناحية أخرى، هناك خطر داهم يتمثل في تحويل المؤسسات القضائية والقانونية إلى أدوات طيِّعة في يد السلطة التنفيذية، مما يهدر تراكمًا قانونيًا ويفتح الباب أمام الفوضى وانتقامية القانون.

الحل لا يكمن في قرارات إفراج فردية استثنائية، مهما كانت دوافعها حسنة. الحل الجذري والمستدام يكمن في:

–  احترام استقلال القضاء، ومنع أي تدخل تنفيذي في شؤونه، سواء في التصنيف القانوني أو مراجعة القضايا المنظورة.

– تفعيل الآليات القانونية القائمة للإفراج المؤقت، أو إخلاء السبيل بكفالة للمحتجزين في قضايا لا تستدعي الحبس الاحتياطي، وذلك عبر قرارات قضائية أو نيابية.

– إجراء مراجعة قضائية شاملة وسريعة لجميع حالات الاحتجاز، من قبل القضاة والنيابة المختصين، لضمان أن يكون الاحتجاز مبررًا قانونًا، وإطلاق سراح من لا يوجد دليل كافٍ ضده.

– معالجة الأسباب الإنسانية في السجون (كالاكتظاظ، وجود الأطفال، تدهور الخدمات الصحية) ببرامج إصلاح وتأهيل للسجون، وليس فقط بقرارات إفراج قد تكون مؤقتة.

– الشفافية: نشر معلومات واضحة عن الأسباب القانونية المحددة للإفراج عن كل حالة، مما يعزز الثقة في أن الإجراء خضع لمعايير موضوعية وليس لمحاباة أو اعتبارات غير قانونية.

 

الإطار الدستوري

مبدأ الفصل بين السلطات في السودان هو مبدأ دستوري أساسي يهدف لفصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، لضمان عدم احتكار السلطة وحماية الحريات، مع وجود توازن وتعاون بينها (تداخل) عبر آليات رقابة متبادلة، وهو مطبق في دساتير السودان الانتقالية، لكن تطبيقه يواجه تحديات في الواقع السياسي نتيجة غياب مؤسسات دستورية كاملة، أو تدخل السلطات في مهام بعضها، خاصة مع غياب برلمان دائم، مع التأكيد على استقلالية القضاء ووجود محكمة دستورية لضمان سيادة القانون.

 

جوهر المبدأ وتطبيقه في السودان

التوزيع الوظيفي: تقسيم وظائف الدولة بين هيئات مستقلة: التشريع (البرلمان)، التنفيذ (الحكومة)، والقضاء (المحاكم).

الاستقلالية والتعاون (التداخل): لا يعني الفصل المطلق، بل استقلال كل سلطة في مهامها، مع وجود آليات للتعاون والتوازن، مثل موافقة البرلمان على تعيينات قضائية.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه السودان في هذه المرحلة الحرجة ليس فقط إنهاء الحرب، بل أيضًا الحفاظ على هيكل دولة القانون خلال العاصفة. الرحمة فضيلة، ولكنها يجب أن تمارس ضمن الإطار الذي يحفظ للعدالة هيبتها، وللمواطن كرامته، ويقينه بأن القانون سيحميه ويحاسبه على قدم المساواة مع الجميع. الإفراج عن 400 نزيلة قد يخفف من ألم اليوم، لكن ضمان ألا يعتقل بريء غدًا بدون محاكمة عادلة هو ما يبني غدًا أكثر استقرارًا وعدلاً للجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *