البرهان ورفض السلام: لماذا يخشى مشروع الحرب نهايته؟

صفاء الزين

في اللحظات التي تنزف فيها الأوطان، يصبح السلام مطلبًا أخلاقيًا قبل أن يكون خيارًا سياسيًا. الشعوب التي دفعت ثمن الحروب من دماء أبنائها وتشريد أسرها وخراب مدنها لا تنتظر انتصارات خطابية أو معارك مفتوحة بلا نهاية، وإنما تنتظر نافذة أمل توقف النزيف وتعيد الحياة إلى مسارها الطبيعي. لكن ما يحدث في السودان اليوم يفتح سؤالًا كبيرًا ومؤلمًا: لماذا تبدو فرص إنهاء الحرب وكأنها تواجه عراقيل مستمرة؟ ولماذا أصبح الحديث عن وقف إطلاق النار أكثر تعقيدًا من الحديث عن استمرار المعارك نفسها؟.

ما كشفته المعلومات المتداولة حول رفض المقترح الأخير لوقف إطلاق النار لا يمكن التعامل معه كتفصيل سياسي عابر، لأنه يمثل مؤشرًا سياسيًا يستحق التوقف عنده. فرفض الهدنة في بلد يعيش واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية والسياسية في تاريخه الحديث يفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز الميدان العسكري إلى طبيعة المشروع السياسي الذي يحكم المشهد.

السلام بالنسبة للشعوب ليس بندًا تفاوضيًا أو ورقة سياسية تُستخدم في لحظة تفاوض. السلام يعني عودة الحياة إلى طبيعتها. يعني أن يعود الأطفال إلى مدارسهم بدلًا من أن يكبروا وسط أصوات المدافع، وأن تعود الأسر إلى بيوتها بدل حياة النزوح والانتظار، وأن يعود الناس إلى أعمالهم بعد أن تحولت تفاصيل حياتهم اليومية إلى معركة مستمرة مع القلق والخوف وعدم اليقين.

لكن في المقابل، هناك واقع سياسي أكثر تعقيدًا. فالحروب الطويلة لا تنتج دمارًا فقط، وإنما تخلق مصالح وشبكات نفوذ جديدة. ومع مرور الوقت تتشكل علاقات اقتصادية وسياسية وإدارية مرتبطة باستمرار الأزمة. ولهذا تصبح نهاية الحرب بالنسبة لبعض الأطراف نهاية لترتيبات ومواقع نفوذ تشكلت خلال سنوات الصراع.

وهنا تظهر الأزمة المرتبطة بمسار السلطة في بورتسودان وإدارة عبد الفتاح البرهان للمشهد السياسي والعسكري. فبعد كل ما أصاب السودان، كان من الطبيعي أن يتحول وقف الحرب إلى أولوية تتقدم على أي حسابات أخرى. وكان متوقعًا أن تتجه الجهود نحو البحث عن مخارج تنهي المأساة الوطنية وتمنع اتساع الخسائر.

لكن الإشارات التي يقرأها الشارع السوداني مختلفة.

السودانيون لا يرون مشروعًا سياسيًا واضحًا للخروج من الأزمة، بقدر ما يرون إدارة طويلة للأزمة نفسها. وهناك فرق كبير بين الأمرين؛ فإدارة الأزمة تعني التكيف مع وجودها وإطالة عمرها، بينما حل الأزمة يعني امتلاك إرادة سياسية تدفع نحو إنهائها.

وهنا يبرز سؤال شديد القسوة: هل تحولت الحرب من مأساة وطنية إلى أداة سياسية؟.

هذا السؤال لا يأتي من فراغ، لأن التجارب السياسية أثبتت أن الصراعات الطويلة تخلق بيئات جديدة من النفوذ والمصالح. فكلما طالت الحرب ظهرت شبكات مالية واقتصادية وسياسية تستفيد من بقائها. وفي هذه الحالة تصبح نهاية الأزمة مصدر قلق لبعض الأطراف أكثر من استمرارها.

عندما تفرض الولايات المتحدة عقوبات على شركات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية، فإن القضية تتجاوز الإجراء الاقتصادي أو السياسي المباشر، وترتبط بسؤال أعمق يتعلق بمنظومة التمويل والمصالح التي تسمح باستمرار الصراع.

فالحروب لا تستمر بالسلاح وحده. تحتاج إلى المال والموارد وشبكات الدعم والغطاء السياسي والاقتصادي.

ولهذا فإن أي محاولة تستهدف منابع التمويل تعني في جوهرها محاولة للتأثير على البنية التي تسمح للحرب بالبقاء.

ولهذا أيضًا لا يبدو غريبًا أن تثير العقوبات هذا القدر من الجدل السياسي. لأن القضية ترتبط أيضًا ببنية التمويل وشبكات المصالح أكثر مما ترتبط بأسماء الشركات نفسها.

المشكلة الحقيقية ليست في أن المجتمع الدولي بدأ ينظر إلى شبكات التمويل، وإنما في السؤال الذي أصبح مطروحًا داخل السودان نفسه: لماذا تستمر الحرب أصلًا؟ وما الذي يمنع الوصول إلى تسويات تقلل من حجم الكارثة؟.

المواطن السوداني لا ينظر إلى هذه المسائل بالطريقة التي تنظر بها الدوائر السياسية. المواطن البسيط لا يجلس أمام خرائط النفوذ والتحالفات والحسابات الإقليمية. ما يهمه سؤال واحد فقط: متى تتوقف هذه الحرب؟.

فهو يرى حياته اليومية وهي تتغير بصورة قاسية. يرى ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع الخدمات، واتساع الخوف، وضبابية المستقبل. يرى أسرًا فقدت أبناءها، وأطفالًا فقدوا مدارسهم، وشبابًا فقدوا سنوات من أعمارهم بين النزوح والانتظار.

إن أكثر ما يرهق المجتمعات ليس الحرب نفسها، وإنما طول الحرب.

استمرار الصراع لفترة طويلة يصنع حالة من الإنهاك الجماعي؛ إنهاك اقتصادي حين تتراجع فرص العمل والحياة، وإنهاك نفسي حين يصبح القلق جزءًا يوميًا من حياة الناس، وإنهاك اجتماعي حين تتفكك العلاقات الطبيعية داخل المجتمع تحت ضغط النزوح والخسائر والخوف.

وهناك خطر أكبر من الحرب نفسها: الاعتياد عليها.

عندما يصبح سماع أخبار القتال أمرًا عاديًا، وعندما يتحول النزوح إلى رقم جديد، وعندما يصبح فقدان الأمان جزءًا من الروتين اليومي، يدخل المجتمع مرحلة شديدة الخطورة. في تلك المرحلة لا يصبح الخراب هو الصدمة، وإنما يصبح الاستقرار هو الاستثناء.

وهنا تظهر مسؤولية القيادة السياسية بصورة أكثر وضوحًا.

فالقيادة ليست إدارة يومية للأحداث، أو إصدار بيانات، أو إطلاق شعارات سياسية. القيادة تعني امتلاك القدرة على قراءة اللحظة التاريخية واتخاذ القرارات التي تمنع انهيار الدولة.

وحين تكون النتيجة النهائية هي استمرار الأزمة واتساع المعاناة، فمن الطبيعي أن تتجه الأسئلة نحو طبيعة المسار نفسه.

لقد دفع السودانيون أثمانًا هائلة خلال هذه الحرب. دفعوا من أمنهم واستقرارهم وأحلامهم ومستقبل أبنائهم. وكل يوم إضافي يمر يعني مزيدًا من الخسائر التي قد تحتاج سنوات طويلة لتعويضها.

وتصبح الصورة أكثر وضوحًا عندما تُقرأ التطورات الأخيرة بصورة مترابطة لا باعتبارها أحداثًا منفصلة. فالعقوبات الأمريكية، والجدل المرتبط برفض وقف إطلاق النار، واتساع الأسئلة حول مستقبل الحرب، كلها مؤشرات تعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة المسار السياسي نفسه. لأن المشكلة لا تتمثل في حدث منفرد أو قرار منفرد، وإنما في حالة كاملة أصبح كثير من السودانيين ينظرون إليها باعتبارها دورة مستمرة من إدارة الأزمة دون الاقتراب من جذورها الحقيقية.

وفي مثل هذه اللحظات لا تبحث الشعوب عن انتصارات سياسية قصيرة المدى، وإنما تبحث عن قيادة تمتلك الشجاعة الكافية للاعتراف بأن استمرار النزيف لا يمكن أن يكون إستراتيجية. فكل يوم يمر تحت صوت الحرب يعني مزيدًا من الخسائر الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية التي لن تتوقف آثارها عند حدود الحاضر، وإنما ستمتد إلى سنوات طويلة قادمة.

إن الحروب عندما تطول لا تسرق الحاضر فقط، وإنما تسرق المستقبل أيضًا. تسرق فرص التعليم والعمل والاستقرار، وتخلق أجيالًا كاملة تنشأ داخل بيئة يطغى عليها الخوف وعدم اليقين. ولهذا فإن إنهاء الحرب لم يعد قضية سياسية تخص الأطراف المتصارعة وحدها، وإنما أصبح قضية ترتبط بمصير المجتمع السوداني كله.

القضية اليوم لا تتعلق بمن يكسب جولة سياسية أو يحقق مكسبًا مؤقتًا. إنها تتعلق بمصير وطن كامل.

فالأوطان لا تُبنى فوق الأنقاض، والشعوب لا تستطيع أن تعيش إلى الأبد داخل الحروب. والتاريخ أثبت أن المشاريع التي تقوم على إدارة الأزمات بدل حلها تنتهي تحت ضغط الواقع مهما طال الزمن.

ويبقى السؤال الذي ينتظر السودانيون إجابته: إذا كانت الحرب قد أخذت من البلاد كل هذا القدر من الأمن والاستقرار والحياة، فما الذي يجعل إنهاءها يبدو وكأنه القرار الأصعب؟.

ذلك السؤال لم يعد سؤال السياسة وحدها، وإنما أصبح سؤال شعب كامل يبحث عن نهاية لمأساة طال أمدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *