لـ(ديسمبر) كلمة

العدالة قرباناً لإرضاء الإسلاميين

 

الحكم الذي أصدرته محكمة دنقلا يوم الثلاثاء 30 يونيو 2026 على الدكتور أحمد عبدالله خضر (أحمد شفا)، بالسجن لمدة 25 شهراً والغرامة بمبلغ مليوني جنيه، أكد لمن كان لديه بعض من الشكوك أن القضاء في هذا الزمن أصبح أداة بطش في يد الحركة الإسلامية وفلول النظام البائد لإسكات أي صوت “مختلف”، حتى وإن لم يكن معارضاً، وأن قيادة الجيش الحالية فقدت كل مفاتيح السلطة.

وإذا تجاوزنا رمزية إصدار الحكم في يوم 30 يونيو إمعاناً في ازدراء “ثورة ديسمبر” المجيدة، إلا أن الحكم يحمل في طياته العديد من الدلالات التي يجب الوقوف عندها وفهم أبعادها بالكامل.

أولها، أن النائب العام وتحت الضغط العلني والتهديد الصريح من مجرمي لواء البراء بن مالك، الذراع العسكرية للحركة الإسلامية، اضطر للتراجع عن قراره بسحب الملف من أمام المحكمة التي كان يفترض أن تصدر قرارها في 15 أبريل الماضي وقام بإعادته لمحكمة دنقلا الابتدائية لتصدر حكمها دون أن تكون هناك حيثيات جديدة تبرر هذا التراجع.

ثانياً، القاضي محمد تاج السر صدر قرار بنقله من دنقلا إلى الدبة بتاريخ 22 يونيو، أي قبل إعادة الملف بيومين. وكان من المفترض أن يسلم القضايا وينفذ قرار النقل، لكنه استمر في نظر القضية.

ثالثاً، أن هذا الحكم صدر في ظل التهديد المباشر والحضور العلني لمجموعات من مسلحي كتائب البراء الذين تظاهروا وهتفوا أمام المحكمة وبأزيائهم ومعداتهم العسكرية، ما شكل ضغطاً مباشراً على القضاء لإصدار حكم يرضي هذه المجموعات.

رابعاً، أن سياسة المعايير المزدوجة قد طالت كافة مستويات العدالة، حيث تم الحكم على الدكتور أحمد شفا بالسجن والغرامة بسبب ما يقال عن إساءته لأحد الشهداء والتسبب في سقوط الفاشر وأم صميمة عبر ضرب معنويات المقاتلين، بينما الشاهد الرئيسي في القضية، ود الياس، مطعون في شهادته وهو الذي أُلقي القبض عليه متلبساً بقضية خطيرة تتعلق ببيع الذخيرة للعدو، وهي جريمة تصل عقوبتها، وفق القانون، إلى الإعدام، لكن تم الإفراج عنه ومعاقبته بحفظ أجزاء من القرآن، لا لشيء سوى أنه من عناصر مليشيا البراء بن مالك.

خامساً، يدان الدكتور أحمد شفا زوراً وبهتاناً بينما يستقبل قائد الجيش بنفسه قادة المليشيا الذين قادوا معركة سقوط الفاشر والنهود وغيرها وارتكبوا الفظائع في حق المدنيين ويمنحهم الهدايا، ويتجول والي الخرطوم أثناء سيطرة المليشيا في شوارع الخرطوم وبورتسودان بحرية كاملة ويدلي بالتصريحات دون أن يسألهم أحد.

كل هذه الحيثيات تبرهن على أن الحكم هو حكم سياسي بامتياز، وحسناً فعل محامو الدفاع بإعلانهم نية استئناف الحكم لأن المعركة هنا ليست إحقاقاً للعدالة للدكتور أحمد شفا وحسب، بل هي معركة قانونية وسياسية من أجل استرداد استقلال القضاء وسيادة حكم القانون وتأمين حرية التعبير وهزيمة حكم المليشيات.

وسيكون على النشطاء والمناضلين ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية مواصلة تعبئتهم وضغوطهم وتسليط الضوء على تطورات هذه القضية وغيرها، لأن خفافيش النظام المباد لا تعرف العمل إلا في الظلام.

لا للحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *