
أماني أبو سليم
بعض التواريخ عند الشعوب تتحول، في وعيها، إلى معارك، لا على الأرض، ولكن على المعنى.
وحين يتفق عدد كبير من الناس على فعل جماعي، من إضراب أو مسيرة أو ثورة، فإنهم لا يعبرون فقط عن رفضهم للواقع، بل عن وعي مشترك بإمكانية تغييره.
ظل الثلاثون من يونيو 1989، بالنسبة لأصحابه، رمزًا لانتصار الانقلاب على إرادة انتفاضة أبريل 1985، وتاريخًا مظلمًا لباقي البلاد، حين قطعوا الطريق على الحكم المدني الوليد، والسلام بين الشمال والجنوب الذي كان يلوح في الأفق.
وظل الثالث من يونيو 2019، حتى اندلاع الحرب في 2023، يمثل ذروة الجريمة ضد البلاد وشعبها، ووأدًا للأمل والحلم في السلام والتقدم.
كان الثالث من يونيو رسالةً واضحة: لا تهمنا أرواحكم، يمكن أن نزهقها بلا أي شعور بالذنب، لا تمثلون لنا شيئًا. تجاوز عدد الشهداء والمفقودين حدود الإحصاء، ليصبح جرحًا وطنيًا مفتوحًا.
بلغ الترهيب من طرفي الحكم حدّاً جعل الحركة نفسها محفوفة بالخطر، وبدا خروج المواكب أمراً يكاد يكون مستحيلًا.
في الأيام الأولى بعد المجزرة، كنت تسمع، من آنٍ إلى آخر، صرخةً بصوت شاب لا تعرف من أين تأتي: مدنيااااااو. ومع مرور الأيام، تحولت الصرخات هنا وهناك إلى مواكب داخل الأحياء لا تتعدى شوارعها الرئيسية، تهتف: الثورة بدت يا داب. وما هي إلا أيام حتى جاءت الدعوة لموكب الثلاثين من يونيو، وكأنها خرجت من قلوب الثوار جميعًا في اللحظة نفسها.
كان ذلك إدراكاً جماعياً بأن معركة ذلك اليوم تتجاوز الشارع إلى معنى التاريخ نفسه.
ملأت المواكب شوارع البلاد، كأمواج هادرة امتدت من مدينة إلى أخرى، ومن شارع إلى آخر. توارى الطغاة رهبةً من الجموع في المشهد. سقط الترهيب من بين أيديهم كما تسقط الحصاة من بين أصابع واهنة. استعاد الشعب القدرة على الفعل، وعلى هزيمة الصدمة والخوف.
منذ 30 يونيو 2019، انقلب هذا التاريخ خنجراً في صدر أصحابه الأوائل، وتاريخاً يذكرهم بانتهاء فرحهم، وحوّل الظلم على الآخرين إلى اختبار لقوة الإرادة وصلابتها. صار، إن ذُكر 30 يونيو، توارى أصحابه الأوائل ضيقاً وحنقاً، ورفع أصحاب المظلمة رؤوسهم فخراً.
لم يكن مجرد تاريخ لتجمع أو موكب، ولم يكن تاريخاً لرد الاعتبار. كان إعلاناً جماعياً بأن معركة السودانيين لم تعد على السلطة وحدها، بل على معنى التاريخ نفسه، وعلى حقهم في إعادة كتابته.
كانت إرادةً لتحريره من دلالته القديمة، وإعادة بنائه في الذاكرة بوصفه رمزاً لإرادة التغيير وإمكانه.
وجاء إشعال الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023 ليشكل ذروةً جديدة للجريمة. وإذا كان السودانيون قد انتزعوا الثلاثين من يونيو من ذاكرة الانقلاب وحولوه إلى رمز للإرادة، فإنهم قادرون يوماً ما على انتزاع الخامس عشر من أبريل من ذاكرة الحرب، وتحويله إلى يوم للحياة والسلام.
قد ينتصر أصحاب القوة في فرض معنى الحدث زمناً، لكن الشعوب قادرة على انتزاع هذا المعنى وإعادة كتابته وفق إرادتها وانتصارها لقضاياها.