د.محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي
مدخل: العسكرية والمدنية تجسيد لصراع السيف والقلم
السيف أصدق إنباءً من الكتب. هكذا عبّر أبو تمام، قبل أكثر من ألف ومائتي عام، عن وجه من وجوه جدلية قديمة بين القوة والمعرفة؛ بين من يرى أن الوقائع تصنعها السيوف، ومن يعتقد أن الأفكار والقوانين والرضا العام هي التي تمنح السلطة مشروعيتها. ومنذ ذلك الحين، لم يتوقف الجدل حول السؤال نفسه: من يملك حق كتابة مصائر الأمم: حملة السلاح، أم حملة الأقلام؟.
ولعل السودان من أكثر البلدان العربية المعاصرة التي تجلت فيها هذه الجدلية بوضوح. فالرصاص والقلم لم يكونا مجرد أداتين متنافستين في إدارة الشأن العام، بل تحولا، في كثير من الأحيان، إلى عنوان لصراع ممتد حول من يملك الدولة، ومن يرسم اتجاهها، ومن يتحدث باسم الوطن.
غير أن الصراع في السودان، في تقديري، لا يمكن اختزاله في الثنائية الشائعة بين «العسكري» و«المدني»، كما توحي الشعارات المتداولة، وإنما هو صراع على السلطة بين تحالف تاريخي جمع حملة السلاح وحملة الأقلام، وبين مجتمع ظل يسعى، منذ الاستقلال، إلى أن تكون الدولة معبِّرة عن إرادته لا وصيةً عليه.
ومن هذا المنظور، فإن ما نشهده اليوم ليس صراعاً طارئاً أفرزته الحرب، بل فصلاً جديداً من جدلية قديمة ما زال السودان يبحث فيها عن إجابة لسؤال لم يُحسم بعد: من يكتب فصول الوطنية في السودان: الرصاص أم القلم؟.
تحالف السلاح والإدارة في مواجهة المجتمع
لا يكمن جوهر الأزمة السودانية في التنازع بين أشخاص يرتدون الزي العسكري، وآخرين يرتدون الملابس المدنية، وإنما في بنية سلطة تشكلت منذ الاستقلال من تحالف بين المؤسسة العسكرية وطبقة الأفندية التي تولت إدارة أجهزة الدولة ومفاصلها البيروقراطية. فقد امتلك العسكريون أدوات الحسم والقوة، وامتلك الأفندية المعرفة الفنية والخبرة الإدارية، وأسهم الطرفان بدرجات متفاوتة في إدارة البلاد وصياغة نموذج الدولة من أعلى.
وفي المقابل، ظلت الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والاتحادات ومنظمات المجتمع المدني تسعى إلى انتزاع حق المجتمع في المشاركة والرقابة وإعادة توزيع السلطة. ولذلك فإن الدعوات إلى حكم «العسكرية فقط» أو «المدنية فقط» ليست وليدة اللحظة، وإنما تعكس تاريخاً طويلاً من احتكار الدولة بواسطة النخبة العسكرية – البيروقراطية، في مقابل مطالب المجتمع بإقامة سلطة مدنية تستمد مشروعيتها من إرادة المواطنين وتخضع للمساءلة العامة.
الدورة السودانية: انقلاب يعقبه عجز مدني
تكشف التجربة السودانية المتكررة هذا الخلل البنيوي بوضوح؛ إذ تعاقبت الانقلابات العسكرية والحكومات المدنية الضعيفة التي وجدت نفسها محاصرة بتناقضاتها الداخلية، وبمقاومة شبكات المصالح المرتبطة بالثورة المضادة والدولة العميقة، وهي في جوهرها دولة تستند إلى السلاح، وإلى السيطرة على أدوات القوة.
ولأن المجتمع لم ينجح بعد في امتلاك الدولة، فقد ظل التغيير السياسي يدور في حلقة مفرغة؛ انقلاب عسكري يعقبه انتقال مدني محدود الصلاحيات، ثم عودة جديدة إلى حكم القوة، في دورة تكاد تكون السمة الأبرز للحياة السياسية السودانية منذ الاستقلال.
الحرب واحتكار الوطنية
وفَّرت الحرب الراهنة بيئة مواتية لإعادة إنتاج هذا الاستقطاب التاريخي بصورة أكثر حدة وخطورة. فقد نشأ خطاب تعبوي قائم على الإثارة العاطفية والتخوين، بحيث أصبح كل صوت يدعو إلى حل سياسي مدني، أو ينتقد استمرار الحرب، أو يتساءل عن دور المؤسسة العسكرية، عرضة للاتهام بالعمالة أو الارتزاق أو انعدام الوطنية.
ولا يبدو أن الهدف من هذا الخطاب هو فتح نقاش جاد حول طبيعة الدولة أو مفهوم الحكم المدني، بقدر ما هو محاولة لاحتكار تعريف الوطنية ذاتها وكتابتها بالرصاص لا بالقلم، وكأن الانتماء الوطني لا يكتمل إلا بتأييد السلطة العسكرية أو بالصمت تجاه أخطائها. وهذه من أخطر نتائج الحرب، لأنها تحوّل الخلاف السياسي الطبيعي إلى معركة وجودية، وتغلق المجال أمام أي مساحة مدنية مستقلة قادرة على طرح أسئلة السلام والمحاسبة وشكل الدولة التي ينبغي أن تخدم المجتمع لا أن تهيمن عليه.
السلاح لا يصنع الشرعية
غير أن رفض هيمنة المؤسسة العسكرية على الدولة لا يعني الوقوف إلى جانب قوات الدعم السريع أو التهوين من جرائمها، فهي بدورها تمثل أحد تجليات أزمة عسكرة السياسة والمجتمع في السودان، شأنها شأن بقية الحركات المسلحة.
ولا تختلف نظرة الدعم السريع إلى المدنيين، في جوهرها، عن نظرة أي قوة مسلحة ترى في امتلاك السلاح مصدراً للوصاية على المجتمع والسياسة، وإن كانت أكثر فجاجة في تعبيرها عن هذا التصور. ولذلك فإن الاعتراض على استمرار هيمنة المؤسسة العسكرية لا ينبغي أن يُفهم باعتباره انحيازاً إلى الدعم السريع، لأن الطرفين، رغم اختلافاتهما، يتشابهان في النظر إلى المدنيين وتنظيماتهم بوصفهم تابعين أو مجرد ظهير سياسي، لا شركاء أصيلين في تقرير مصير البلاد.
وتبقى المشكلة الأساسية، في تقديري، هي استمرار منطق حكم السلاح، سواء كان ذلك باسم الجيش النظامي أو باسم أي قوة عسكرية موازية، لأن المجتمع المدني والمواطنين العاديين هم الذين يدفعون ثمن التجربتين معاً.
وباختصار، فإن الشعار الذي ينبغي أن يجمع المؤمنين بالدولة المدنية لا يزال هو ذاته:
العسكر إلى الثكنات، والجنجويد إلى الحل.
أما الطريق إلى هذا الهدف، فقد جعلته الحرب أكثر وعورة وتعقيداً، لكنه يظل الهدف الذي لا ينبغي أن يضيع وسط ضجيج المعارك والاستقطاب.