رصد (ديسمبر)
في أولى ندوات مجلة (أفق جديد) حول العقد الاجتماعي، دعا رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك إلى إعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس المواطنة المتساوية، والحكم الديمقراطي، والتنمية، والعدالة الاجتماعية، معتبراً أن الأزمة التي تعيشها البلاد تتجاوز كونها صراعاً على السلطة، لتصل إلى أزمة بنيوية في تأسيس الدولة الوطنية نفسها.
لم يكن حديث رئيس الوزراء السوداني السابق رئيس تحالف (صمود) عبد الله حمدوك في الندوة التي نظمتها مجلة (أفق جديد) بعنوان (العقد الاجتماعي) مجرد عرض لرؤية سياسية أو برنامج للمرحلة الانتقالية، بقدر ما جاء محاولة للإجابة عن سؤال ظل يرافق الدولة السودانية منذ الاستقلال: لماذا تعثرت مشاريع بناء الدولة الوطنية رغم تعاقب الحكومات المدنية والعسكرية؟.
وفي أولى حلقات سلسلة حوارات تعتزم المجلة مواصلة تنظيمها، قدّم حمدوك تصوراً متكاملاً لإعادة تأسيس الدولة السودانية، انطلاقاً من قناعة بأن الأزمة الراهنة تتجاوز كونها صراعاً على السلطة، لتصبح أزمة بنيوية تتعلق بأسس الدولة نفسها، وما يتطلبه ذلك من عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة، والعدالة، والتنمية، والحكم الديمقراطي.
وجاءت الندوة في سياق محاولة فتح نقاش عام حول واحدة من أكثر القضايا حضوراً في المشهد السوداني، وهي كيفية إعادة بناء الدولة بعد عقود من الحروب والانقلابات والأزمات السياسية، وفي ظل الحرب المستمرة التي تشهدها البلاد منذ أبريل 2023.
وتنطلق سلسلة الندوات من فرضية مفادها أن الأزمة السودانية لم تعد مجرد أزمة حكم أو تنافس على السلطة، وإنما أزمة تتعلق بأسس الدولة الوطنية التي تشكلت بعد الاستقلال، وما إذا كانت تلك الأسس ما تزال قادرة على استيعاب التنوع السوداني وتحقيق الاستقرار السياسي والتنموي.
وخلال الندوة، التي تم بثها الثلاثاء 30 يونيو المنصرم قدم حمدوك رؤية متكاملة لما وصفه بـ”العقد الاجتماعي الجديد”، باعتباره إطاراً لإعادة تأسيس الدولة، مستنداً إلى قراءة للتجربة السودانية خلال العقود الماضية، وإلى تصور لملامح الدولة التي يرى أنها قادرة على إنهاء الحلقة المتكررة من الانقلابات والحروب.
الأزمة.. أزمة تأسيس وليس سلطة
استهل حمدوك حديثه بالتأكيد على أن السودان يواجه “أزمة تأسيس للدولة أكثر من كونه يعيش أزمة سلطة”، مشيراً إلى أن التجربة الممتدة منذ الاستقلال أثبتت عجز الدولة السودانية عن بناء توافق وطني مستدام حول الهوية، وطبيعة نظام الحكم، وإدارة التنوع الثقافي والاجتماعي.
ورأى أن النتيجة كانت استمرار دوامة الانقلابات العسكرية، والحروب الأهلية، والأزمات السياسية، ما يجعل إعادة النظر في الأسس التي قامت عليها الدولة الوطنية “ضرورة تاريخية”، وليست مجرد خيار سياسي مرتبط بإنهاء الحرب الراهنة. ورسم حمدوك ملامح الدولة التي يدعو إليها، معتبراً أنها يجب أن تكون دولة ديمقراطية تقوم على انتخابات حرة ونزيهة، وعلى الفصل الكامل بين السلطات، والاستقلال التام للقضاء، باعتبار أنه أحد أهم ضمانات سيادة القانون.
واستعاد في هذا السياق ما وصفه بتراجع استقلال السلطة القضائية خلال العقود الثلاثة الماضية، محذراً من تحول القضاء إلى جهاز تابع للسلطة التنفيذية، الأمر الذي يقوض الثقة في مؤسسات الدولة. واصفاً ما حدث للقضاء خلال فترة حكم نظام المخلوع، عمر البشير بـ”المجزرة”.
كما شدد على أهمية ضمان حرية التنظيم والتعبير والصحافة، معتبراً أن الصحافة تمثل “السلطة الرابعة”، وأن وجود إعلام حر يشكل أحد أهم أدوات الرقابة على السلطة التنفيذية، ويضمن الشفافية والمساءلة. ودعا كذلك إلى إقامة نظام حكم محلي ولائي منتخب يمنح المواطنين دوراً مباشراً في إدارة شؤونهم، ويعزز المشاركة الشعبية في صناعة القرار.
وفي الجانب الاقتصادي، طرح مفهوم “الدولة التنموية”، موضحاً أنها ليست دولة شعارات، وإنما دولة تجعل التنمية محوراً للسياسات العامة عبر الاستثمار في التعليم، والصحة، والبنية التحتية، والزراعة، والصناعة، مؤكداً أن التصنيع يمثل شرطاً أساسياً لنهضة أي دولة، مستشهداً بتجارب دول آسيوية وأفريقية استطاعت تحقيق التحول الاقتصادي بعد الاستقلال.
كما دعا حمدوك إلى تبني نموذج اقتصادي يقوم على قطاع عام يؤدي أدواراً تنظيمية وتنموية، إلى جانب قطاع خاص منتج، بعيداً عن الأنشطة الطفيلية، مع وضع سياسات تعالج الاختلال التاريخي في توزيع الموارد بين المركز والأقاليم. واعتبر أن الفقر والتهميش ليسا مجرد نتائج للأزمة، وإنما من أبرز أسباب تجدد العنف والحروب، ما يجعل التنمية جزءاً أساسياً من مشروع بناء الدولة.
ست ركائز أساسية لإعادة تأسيس الدولة
وحدد حمدوك ست ركائز رئيسية للعقد الاجتماعي الجديد، تبدأ بإقرار مبدأ المواطنة المتساوية كأساس وحيد للحقوق والواجبات، بعيداً عن أي تمييز قائم على الدين أو العرق أو النوع أو الجهة.
وتضمنت الركيزة الثانية الفصل بين الدين والدولة، مع مراجعة القوانين التي تكرس الإقصاء، والاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي والديني بوصفه رصيداً وطنياً ينبغي حمايته، إلى جانب تبني نظام فيدرالي يمنح الأقاليم سلطات وموارد حقيقية، ويضمن حماية الحقوق الثقافية واللغوية، بما في ذلك تطوير اللغات المحلية.
أما الركيزة الثالثة، فتناولت إصلاح القطاعين العسكري والأمني، عبر إخضاع القوات المسلحة والأجهزة النظامية للقيادة المدنية، وإبعاد المؤسسة العسكرية عن النشاطين الاقتصادي والسياسي، وبناء جيش قومي موحد، مع تضمين نصوص دستورية تجرم الانقلابات العسكرية وتمنع العودة إليها.
وفي محور العدالة الانتقالية، وهي الركيزة الرابعة، دعا إلى كشف الحقيقة بشأن الانتهاكات السابقة والراهنة، وجبر ضرر الضحايا، وإصلاح المؤسسات العدلية، وضمان عدم الإفلات من العقاب، مع الاستفادة من الإرث السوداني في المصالحات المجتمعية، والانفتاح على التجارب الإقليمية والدولية في هذا المجال.
وشملت الركيزة الخامسة صياغة عقد اقتصادي اجتماعي جديد يضمن الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، ويعالج الاختلالات التنموية بين المركز والأقاليم “ظاهرة التهميش” من خلال رؤية وطنية طويلة المدى يتم التوافق عليها عبر حوار مجتمعي واسع.
أما الركيزة السادسة، فتمثلت في الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، عبر تعزيز الشفافية في إدارة الموارد الطبيعية، وإنشاء مؤسسات رقابية مستقلة، وتطوير التشريعات الخاصة بمكافحة الفساد، مع الاستفادة من التجارب السابقة في هذا المجال.
من الفكرة إلى التنفيذ
ولم يكتفِ حمدوك بعرض المبادئ العامة، بل تناول الآليات التي يرى أنها قادرة على تحويل هذه الرؤية إلى واقع عملي، مقترحاً إطلاق عملية دستورية شاملة بعد فصل إنهاء الحرب الراهنة تبدأ بمؤتمر تأسيسي قومي أو حوار مجتمعي واسع لصياغة دستور جديد، معتبراً أن عملية التوافق على الدستور لا تقل أهمية عن نصوصه، لأن غياب هذا التوافق كان أحد أسباب فشل السودان في الوصول إلى دستور دائم طوال الـ70 عام الماضية.
وأكد ضرورة أن تشمل هذه العملية القوى السياسية، والحركات المسلحة، والكيانات المهنية والنقابية، ومنظمات المجتمع المدني، وممثلي الأقاليم المتأثرة بالحرب والتهميش، والإدارات الأهلية، بحيث تعبر عن مختلف مكونات المجتمع السوداني.
وربط ذلك بقيام فترة انتقالية مدنية ذات برنامج واضح، تتولى إعادة بناء مؤسسات الدولة، والتحضير لانتخابات عامة تستند إلى الدستور الجديد، ضمن جدول زمني محدد يخضع للرقابة الشعبية.
كما شدد على ضرورة وجود توافق وطني حول مبادئ أساسية، في مقدمتها رفض العودة للحكم العسكري، وعدم استخدام الدين في السياسة، وصون مبدأ المواطنة المتساوية، والالتزام بالتداول الديمقراطي للسلطة.
العقد الاجتماعي، المخرج الوحيد.. لماذا؟
وفي ختام الندوة، اعتبر حمدوك أن مشروع العقد الاجتماعي الجديد يمثل المخرج العملي الوحيد للأزمة السودانية، مستنداً إلى أن النماذج السابقة، سواء الحكم العسكري أو الحزبي أو الأيديولوجي أو القائم على السلاح، لم تنجح في بناء دولة مستقرة.
وأضاف أن طبيعة المجتمع السوداني المتنوع تجعل أي مشروع يقوم على الإقصاء أو الهيمنة سبباً لإعادة إنتاج الصراع، مؤكداً أن التنمية والعدالة الاجتماعية لم تعودا مجرد أهداف اقتصادية، بل أصبحتا شرطين أساسيين لبناء الدولة والحفاظ على وحدتها.
وبحسب رؤيته، فإن الدولة التي تعجز عن توفير الخدمات الأساسية والفرص المتكافئة لمواطنيها تتحول إلى جهاز للجباية والأمن، بينما يمثل العقد الاجتماعي الجديد، القائم على الدولة المدنية الديمقراطية والتنموية، فرصة لإعادة تأسيس الدولة على أسس أكثر استقراراً وعدالة.
لم يقدم رئيس الوزراء السابق رئيس تحالف صمود عبد الله حمدوك خلال الندوة برنامجاً سياسياً آنياً بقدر ما طرح تصوراً فكرياً لإعادة بناء الدولة السودانية، بعد الانهيار التام الذي حدث لها في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى البحث عن صيغة جديدة للعلاقة بين الدولة والمجتمع، بعد عقود من الأزمات التي انتهت إلى الحرب الراهنة. كما افتتحت الندوة نقاشاً يتوقع أن يتواصل عبر سلسلة الحوارات التي أعلنت مجلة (أفق جديد) تنظيمها، سعياً إلى بلورة رؤى مختلفة حول مستقبل الدولة السودانية والعقد الاجتماعي الذي يمكن أن يؤسس لمرحلة جديد لما بعد إنهاء الحرب الحالية.