توقعات بوضع أكثر سوءاً في عام 2027 والحكومة عاجزة عن إنقاذ إمداد الكهرباء
الخرطوم: (ديسمبر)
يكشف هذا التحقيق حقائق صادمة عملت الجهات الرسمية على إخفائها في محاولة لتضليل الرأي العام، تجنُّباً للضغط المتوقع جراء المطالبة بتوفير خدمة الكهرباء، بعد أن ينكشف للناس إهمال حكومة الأمر الواقع معالجة الإشكالات الحقيقية للقطاع، وأنه ليس من أولوياتها في الوقت الراهن. أكثر من ذلك يكشف التحقيق عن تجاوزات في إدارة ملف الكهرباء بعد سيطرة الجيش على العاصمة الخرطوم.
حقيقة (أعطال) سد مروي
في الأول من أغسطس الجاري شبَّ حريق في المحطة التحويلية في سد مروي. وزير الطاقة في حكومة الأمر الواقع المعتصم إبراهيم قال إن عطلاً “كبيراً ومفاجئاً” أصاب سد مروي. الحريق أدى إلى إتلاف الكوابل التحويلية التي تغذي ولايات نهر النيل والبحر الأحمر والشمالية، إضافة إلى العاصمة الخرطوم، مما تسبب في انقطاع واسع للتيار الكهربائي. الوزير قال في تصريحات صحفية “إن السودان يترقب وصول قطع غيار من الخارج لإصلاح شبكة الكهرباء التابعة لسد مروي، التي خرجت بالكامل عن الخدمة”. عند هذه المرحلة ظهر القائد العام للجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان بدلاً عن رئيس الوزراء المعين كامل إدريس، وتعهد بتوفير الإسبيرات عبر طائرة خاصة من الصين مباشرة، ولكن هل ستنتهي الأزمة كلياً ويستقر الإمداد الكهربائي؟، وهل كان العطل والحريق مفاجئاً؟ هذا ما سنوفر معلومات تفصيلية عنه في الفقرة التالية.
عجز (9) ملايين دولار
ذكر مسؤول رفيع سابق بسد مروي أن السد يعاني من مشكلات في التوليد والمحطات التحويلية وخطوط النقل، مشيرًا إلى أن الحكومة طرحت، قبل فترة، عطاءً لمعالجة بعض هذه المشكلات.
وأوضح أن العطاء شهد تفاوتًا بين الشركات المتنافسة، سواء من حيث التكلفة المالية أو المدة الزمنية المطلوبة لتنفيذ الأعمال. وأضاف أن من بين الشركات التي تقدمت للعطاء شركة كان يديرها المسؤول نفسه سابقًا.
وبحسب المسؤول، فقد فازت بالعطاء شركة صينية بقيمة بلغت نحو 9 ملايين دولار، وتعهدت بتصنيع ونقل المحولات والكابلات وتركيبها في السودان خلال فترة لا تتجاوز تسعة أشهر. وأشار إلى أن بعض الشركات المنافسة طلبت فترات أطول بكثير لتنفيذ المشروع، تجاوزت في بعض الحالات عامين، وهو ما جعل العرض الصيني أكثر ملاءمة من ناحية الفترة الزمنية المطلوبة.
وبعد فوز الشركة الصينية بالعطاء في ديسمبر 2025، انتظر فريقها في الخرطوم عدة أشهر، إلا أن الحكومة السودانية لم تتمكن من سداد قيمة العقد، أو حتى دفع الدفعة المقدمة المتفق عليها. وأضاف أن عدم توفر التمويل دفع الشركة الصينية إلى نقل أفراد فريقها الموجود في السودان إلى جمهورية مصر العربية، حيث يقيمون في انتظار بدء الحكومة السودانية في الوفاء بالتزاماتها المالية.
وحتى الآن، وفقًا للمسؤول السابق، لم يتم سداد المبلغ المتفق عليه، ولذلك لا يزال وفد الشركة الصينية في القاهرة، بانتظار قيام الحكومة السودانية بسداد التزاماتها، حتى تتمكن الشركة من الشروع في تنفيذ المشروع، بما يشمل تصنيع وتوريد وتركيب المحولات والكابلات، وصيانة خطوط النقل الخارجة من مروي.
عجز كبير
من بين المعلومات الصادمة التي كشفها مصدران مسؤولان بقطاع الكهرباء في السودان لـ(ديسمبر) أن العجز الحالي في الطاقة يبلغ (3300) ميغاواط وأن الطاقة المنتجة حاليا تبلغ 1100 ميغاواط مقارنة بـ(4400) ميغاواط قبل الحرب.
وأوضح أحد المصادر، رفض ذكر اسمه لـ(ديسمبر)، أن سد مروي الذي تبلغ طاقته الإنتاجية في التصميم 1250 ميغاواط ينتج حالياً أقل من (1000) ميغاواط، لخروج وحدتين (توربين) تنتجان (250) ميغاواط من السد عن الخدمة قبل نحو عامين بعد إصابة محولهما بطائرة مسيرة للدعم السريع، وتابع “قيمة التوربين لا تتجاوز من مليون دولار ورغم مرور عامين عجزت الدولة عن شرائه”.
وقال: “تأثر قطاع الكهرباء بالحرب بشكل كبير، لكن الأخطاء البشرية لا تقل فداحة عن الحرب. فمنذ تحرير الخرطوم وحتى اليوم لم تتم صيانة أي محطة توليد حراري عدا أم دباكر بكوستي التي تعمل بنصف طاقتها، وهي ما تزال تعاني من بعض المشاكل مما يؤدي كثيرًا إلى خروجها من الشبكة القومية، إضافة إلى عدم توفر الوقود الكافي تشغيلها بطاقتها القصوى”.
نقص في الكوادر
وقال المصدر: “الأخطاء البشرية لا أقصد بها العاملين في الكهرباء، فهم يؤدون عملهم بامتياز رغم كل المشكلات، وإنما الخلل على مستوى المسؤولين في الحكومة الذين ما يزالون يتفرجون على قطاع الكهرباء وهو يواصل انهياره بصورة متسارعة”.
وكشف المصدر عن مذكرة داخلية لنقابة العاملين بالكهرباء كشفت عن هجرة (45%) من المهندسين والفنيين المهرة خارج البلاد خلال فترة الحرب، هذا الواقع جعل قطاع الكهرباء يعاني من نقص كبير في الكوادر. وقال: “هناك مثلاً محطات تحتاج إلى 10 مهندسين، ويوجد بها حاليا 3 مهندسين فقط”.
ونبه إلى أن كل المهندسين الذين هاجروا تحتاجهم البلاد بشدة الآن، خاصة من كانوا يعملون بالتوليد لأنهم مدربون تدريباً عالياً خارج السودان على نفقة الدولة، وكان وجودهم مهماً لصيانة المحطات الحرارية بدلاً من استجلاب مهندسين من خارج البلاد، كما حدث أخيراً باستجلاب مهندسين وفنيين من دولة الهند لصيانة محطة أم دباكر، مما يجعل تكلفة الصيانة عالية.
(8) أشهر وبحري معطلة
المصدر الثاني كشف لـ(ديسمبر) معلومات تضع المسؤولين في عين الأزمة متعلقة بالتجاهل الواضح لعلاج الأزمة وعدم إدراجها في مقدمة الأولويات، على الرغم من أن انقطاع التيار الكهربائي تصل في كثير من الولايات إلى 16 ساعة يوميًا، فالأزمة أولاً وأخيراً مرتبطة بالتوليد الكهربائي.
وأوضح المصدر من الهيئة القومية للكهرباء أن شركة الكهرباء القابضة قدمت قبل ثمانية أشهر خطة لثلاثة أشهر، فترة الصيف (مايو – يوليو)، لتقليل فترة القطوعات، تستند الخطة على أكبر وحدة بمحطة بحري الحرارية تنتج 125 ميغاواط، تتطلب صيانتها 10 ملايين دولار، ورغم مرور 8 أشهر لم تتم صيانة الوحدة، لأن الحكومة لم تدفع مبلغ الصيانة، إضافة لذلك تشغيل ثلاث وحدات بمحطة قري الحرارية هي (1 و2 و4) تنتج (250 ميغاواط)، وقال: “هذه المحطة تحتاج فقط إلى زيت محولات ووقود فحم حجري وبترول خام”.
وتابع: “الآن تم توفير زيت المحولات، لكن أزمة الوقود ما تزال قائمة”، وأشار المصدر إلى أن الحكومة تعاملت بعدم مسؤولية وتغليب مصالح نافذين على المصلحة العامة في ما يتعلق بالفحم الحجري الذي تم بيعه في مصفاة الجيلي.
الفحم الحجري: (50) مليون دولار بلا عطاء
كشف المصدر عن أن أزمة الوقود الذي يشغل محطات التوليد الحرارية ومن بينها محطة بحري تم التصرف فيه “بعدم مسؤولية”، على حد قوله، عندما قررت وزارة الطاقة بيع كميات كبيرة من الفحم الحجري للقطاع الخاص، وهو الوقود الذي يشغل المحطات. هنا طرحنا عليه سؤالاً: “ما هي دوافع بيع الفحم الحجري؟ وهل كانت هناك ضرورة لذلك؟”. أجاب: “المصالح الخاصة وراء هذا البيع”، ومضى قائلاً: “الفحم الحجري من مخلفات النفط من أفضل أنواع الوقود لتشغيل محطات التوليد، وأقل كلفة وتخزينه في مصفاة الجيلي لا يتسبب في أي مشاكل، ولكن تحقيق مكاسب للأفراد دفعهم للبيع”. مصالح من؟ قالها صراحة: “مصالح أشخاص نافذين في السلطة وبينهم عسكريون ومسؤولون في الوزارة، وقطعاً آخرون في القطاع الخاص”.
وقال مصدر من مصفاة الجيلي “بعد سيطرة الجيش على الخرطوم ومصفاة الجيلي تم بيع مخزون كبير من الفحم الحجري إلى القطاع الخاص بعلم الدولة في عهد الوزير السابق د.محيي الدين نعيم”. وعزا المصدر بيع مخزون الفحم الحجري إلى أن التوقعات كانت تشير إلى أن محطة قري الحرارية لن تعود للعمل قريباً، ولكن بعد وصول فرق الصيانة اتضح أن الأضرار في وحدات (1 و2 و4) طفيفة ويمكن أن تعود إلى العمل.
وقال المصدر: “قرار البيع كان خاطئاً، مهما كانت النوايا، خاصة أنه لم يتم بعطاء مفتوح، وتمت الصفقة في الظلام، ويجب محاسبة المسؤولين عنه”. وأكدت مصادر متطابقة أن القطاع الخاص المتمثل في مصانع الإسمنت وغيرها وراء صفقة البيع، وأن صفقة بيع الفحم الحجري بلغت (50) مليون دولار، تم منها دفع استحقاقات ومتأخرات عاملين في المصفاة وتجنيب مبلغ محدود للصيانة، بينما حصل الجيش على ما يزيد عن ثلثي المبلغ لصالح المجهود الحربي.
محولات جديدة أزمة متسعة
المصدر الثاني وصف وضع الكهرباء المنتجة بالحرج وقال: “بعد بدء مشروع إعادة إعمار الخرطوم وتوفير المحولات وإعادة تأهيل الخطوط الناقلة ومحطات التوزيع تحتاج الخرطوم إلى 600 ميغاواط والمتوفر حالياً 400 ميغاواط بعجز 200 ميغاواط. وتابع: “قبل الحرب كانت الخرطوم تستهلك 1250 ميغاواط بعجز 60 ميغاواط فقط، الآن بسبب العجز الكبير في التوليد لا يمكن توفير 600 ميغاواط”.
وأضاف: “كلما دخلت محولات للخدمة تتفاقم أزمة الكهرباء، وكل يوم يمر يزيد نسبة العجز في الطاقة المتوفرة، والخرطوم متوقع قريباً أن تصل حاجتها إلى 800 ميغاواط، وهذا سيزيد مباشرة نسبة العجز إلى 50%، وبالتالي زيادة ساعات القطوعات”.
ويضيف المصدر أنه طيلة فترة الحرب كانت العاصمة تستهلك فقط (250) ميغاواط بمدينة أم درمان بينما كانت بحري والخرطوم صفر استهلاك، ومنذ استعادة الجيش للعاصمة في سبتمبر 2024 وحتى يوليو 2026 أصبحت بحري تستهلك 250 ميغاواط والخرطوم 110 ميغاواط.
موقف المحطات الحرارية
محطة بحري الحرارية قبل الحرب كانت تنتج 615 ميغاواط، بحسب مصدر تحدث لـ(ديسمبر)، تعادل نصف إنتاج سد مروري تعرضت لتدمير وتخريب كبيرين خلال فترة الحرب، وقبل 8 أشهر تم وضع خطة لتأهيل الوحدتين (5 و6) وهما أكبر وحدتين تنتجان 225 ميغاواط وتحتاجان إلى 20 مليون دولار للصيانة فشلت الحكومة في توفيرها، وما تزال المحطة خارج الخدمة.
وأضاف ذات المصدر أن محطة أم دباكر هي الوحيدة التي تمت صيانتها جزئياً بتأهيل وحدتين قبل شهر من الآن لكنها ما تزال غير مستقرة وكثيراً ما تخرج من الشبكة القومية.
وتوقع المصدران أن يتحسن الإمداد الكهربائي في الفترة المقبلة بدخول كهرباء سدي أعالي ستيت وعطبرة بإنتاج (350) ميغاواط، لكنهما حذرا من انهيار قطاع الكهرباء مع استمرار الأوضاع الحالية دون تدخل من الدولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وخاصة التوليد الحراري الذي فقدته البلاد بالكامل طيلة فترة الحرب.
قطاع الصناعات: خارج الخدمة
خلال فترة الحرب تعرضت 6 محطات تحويلية بالمنطقة الصناعية الخرطوم إلى دمار كامل، وتبلغ تكلفة إعادة بناء المحطة الواحدة مليونَي دولار، وقال المصدر إن رجال أعمال أجروا اتصالات مع شركة الكهرباء للمساهمة في إعادة بناء المحطات، وأشار إلى اتفاق رجل أعمال “رفض تسميته” مع شركة الكهرباء للتكفل ببناء محطة واحدة كبيرة تغني عن المحطات الست بتكلفة (2.5) مليون دولار تكون ديناً على الكهرباء يتم تسديدها لها كتيار لمصانعه.
وعلمت (ديسمبر) أن رجل الأعمال، الذي تكفل بقيمة المحطة، هو مدير مجموعة محجوب أولاد وجدي ميرغني، وبحسب مصدر بأصحاب العمل وقع وجدي اتفاقية مع شركة شنايدر إلكتريك مصر، وهي الفرع الإقليمي الرائد للشركة الفرنسية العالمية وتدير مصنعاً كبيراً بمدينة بدر، وتمت الاتفاقية بالتنسيق مع شركة الكهرباء القابضة التي رشحت الشركة لوجود تعاملات سابقة معها ولإمكانياتها الكبيرة، حيث توجد الشركة الأم في فرنسا ولها فرعان في مصر وإسبانيا.
وأضاف أحد المصادر بقطاع الكهرباء أن إشراك الرأسمالية الوطنية في إعادة تأهيل قطاع الكهرباء خطوة مهمة، خاصة أن كثيراً من أصحاب المصانع الكبيرة بادروا واتصلوا بشركة الكهرباء وأكدوا استعدادهم للمساهمة في أعمال التأهيل، لكن الحكومة لا توجد لها خطة واضحة وبرنامج عمل لإنجاز المهمة، وتابع: “ما لم يتم الالتفات إلى تقليص العجز في الكهرباء المنتجة والاهتمام بالتوليد والإسراع في تأهيل المحطات الحرارية لن يحدث أي تقدم في مشكلة الكهرباء، خاصة فى القطاع الصناعي، كما أنه لابد من معالجة مشكلة توقف الربط الإثيوبي، الذي يزود البلاد بـ(300) ميغاواط، والربط المصري البالغ (150) مغاواط، وإن لم تجعل الدولة الكهرباء أولوية سيتدهور الوضع من السيء إلى الأسوأ”.
ما يجري الآن
تتبع حكومة الأمر الواقع سياسة “التلتيق” والمعالجات العاجلة المحدودة، مع الدعوة المستمرة للمواطنين في القطاعين السكني والتجاري لتدبر الطاقة الكهربائية والالتزام بتكاليفها من الطاقة الشمسية أو شراء مستلزمات التوصيل، مع عجز واضح من الحكومة في تحمل تكاليف صيانة تحقق استقرار الإمداد. غير أن المخاوف الرئيسية تتمثل في القادم وتحديداً العام 2027 والذي يجمع مهندسون وخبراء في قطاع الكهرباء بأنه في حال لم تتم معالجات حقيقية فإن قطاع الكهرباء سيشهد انهياراً كاملاً في العام المقبل.