وليد عنبوور
الحرب في السودان لم تعد مجرد انزلاق سياسي، أو فشل في إدارة انتقال معقد بين قوى مسلحة تتنازع السلطة. ما يجري على الأرض تجاوز الإطار التقليدي الذي اعتاد الأفندية تكراره بوصفه تفسيراً جاهزاً، وانتقل إلى مستوى أعمق لم تعد الدولة فيه هي الحاضنة للصراع وأصبحت إحدى ضحاياه، وتحولت تدريجياً إلى وسيط داخلي لإعادة إنتاج العنف. الحرب ذاتها لم تعد وسيلة لتحقيق غاية سياسية، لقد صارت بنية قائمة بذاتها تعيد إنتاج نفسها من داخلها، وتخلق شروط استمرارها عبر اقتصادها الخاص وشبكاتها الممتدة وتحالفاتها الإقليمية وتوازناتها الداخلية التي لم تعد قابلة للكسر بسهولة؛ بنية الحرب لم تعد فوق الدولة، لكنها أضحت داخل فراغها وانهيارها الوظيفي.
هذا التحول يتجلى كتحول جذري من دولة في أزمة إلى أزمة تنتج دولة بديلة وظيفياً؛ تتغير فيه طبيعة الفاعلين وقواعد الاشتباك وتعريف السلطة، ليصبح العنف نظاماً موزعاً يتقاسم وظائف الدولة الجوهرية من أمن وتمويل وحركة وقرار، إلى جانب إنتاج الشرعية الجزئية على المستوى المحلي.
إن الإصرار على قراءة المشهد السوداني عبر ثنائية “الجيش مقابل قوات الدعم السريع” لم يعد قادراً على تفسير الواقع الفعلي. فهذه الثنائية فقدت قدرتها التفسيرية أمام تشكل شبكة عنف متعددة الرؤوس؛ داخل كل طرف تتداخل بنى مسلحة غير مركزية مثل كيانات محلية ومليشيات جهوية وكتائب عقائدية وشبكات تمويل موازية ومصالح اقتصادية مستقلة وامتدادات أيديولوجية سابقة ولاحقة على الحرب. الحديث عن طرفين في هذا الضوء يعد إعادة إنتاج لخطاب سياسي منفصل عن البنية الفعلية للصراع؛ فالواقع يتحرك داخل منظومة مفتوحة بلا مركز قرار واحد، ولا قدرة حقيقية على الإيقاف حتى من داخل بنيتها القيادية العليا.
تفكك الدولة يطال تعريفها الكلاسيكي الأكثر مركزية، وهو احتكار العنف المشروع. ففي ظل الحرب تتعدد مصادر السلاح والقرار، وتتداخل مع مصالح اقتصادية وإقليمية وأيديولوجية وإثنية، وتتحول المؤسسات الرسمية نفسها إلى أجزاء داخل شبكة أوسع من التداخل بين العسكري والاقتصادي والسياسي والعقائدي والإثني. عند هذه النقطة لا يعود ممكناً التمييز بين الدولة كفكرة معيارية والدولة كجهاز إداري والدولة كواجهة شكلية لواقع سلطوي مركب؛ وتعمل المؤسسات كامتدادات لشبكات قوة متنافسة لا كأجهزة عامة مستقلة. يتحول السؤال من: “مَن يحكم السودان؟” إلى سؤال أكثر قسوة يتعلق بوجود الدولة نفسها كإطار للحكم؛ والحكم يفترض وجود مجال عام قابل للضبط، بينما يتجه الواقع نحو تفتت هذا المجال إلى جزر سيطرة مؤقتة تتداخل فيها السلطة مع الفوضى دون قدرة على إنتاج حسم نهائي.
الدولة الحديثة لا تقوم على السلطة أو الاعتراف أو السيطرة الجغرافية وحدها، إنها تتأسس على وظيفتها الجوهرية المتمثلة في حماية الإنسان وضمان الحد الأدنى من الاستقرار ومنع الانهيار الشامل للمجتمع. مع انهيار هذه الوظيفة تتآكل الفكرة المركزية للدولة، وتبقى الأشكال الخارجية دون مضمون فعلي، والشرعية الشكلية دون وظيفة حقيقية. تحولت الحرب في السودان إلى آلية لإعادة إنتاج الانهيار نفسه، حيث تتسع دوائر النزوح والإفقار وتتآكل الخدمات وتنهار البنية الاجتماعية والاقتصادية، فتتراجع قدرة المجتمع على إعادة إنتاج حياته اليومية، ويصبح استمرار الحرب العامل الأساسي في إنتاج مزيد من التدهور مع غياب أي وظيفة سياسية قادرة على تحويل العنف إلى مسار تسوية.
اقتصاد الحرب يتحول إلى القلب الفعلي للصراع؛ ويصبح العنف نظام إنتاج متكامل تتغذى فيه شبكات التهريب والذهب والسلاح والمساعدات والحدود والتحالفات الإقليمية والوساطة المالية والواجهات المدنية والكتل العسكرية غير الرسمية. في هذه الديناميكية يصبح وقف الحرب تهديداً مباشراً لبنية مصالح واسعة تشكلت داخلها؛ فالحرب نفسها تحولت إلى سوق لإعادة إنتاج القوة والثروة والسلطة في آن واحد، وصارت اقتصاد سيادة موازياً يعيد تعريف العلاقة بين العنف والموارد والسلطة.
تجارب الحروب الممتدة تكشف هذا التحول. إذ ارتبط الصراع في سيراليون بشبكات الماس والتمويل غير الرسمي، وتحولت الحرب في ليبيريا إلى اقتصاد مكتفٍ بذاته يتجاوز الدولة، وتداخل الدعم الخارجي في البوسنة مع تشظي القرار السياسي والعسكري وأطال أمد الصراع، وفرض التدخل الدولي في كوسوفو إعادة تعريف الشرعية بالكامل. تشير هذه الحالات إلى حقيقة واحدة وهي أنه كلما طال عمر الحرب تحولت من صراع سياسي إلى نظام اجتماعي واقتصادي بديل للدولة. وعند هذه النقطة تلتقي خيوط الإقليم ببنية الداخل، ويتحول التوظيف البراغماتي الإقليمي لشبكات المصالح المتموضعة في أجهزة الدولة إلى وقود يغذي اقتصاد السيادة الموازي، حيث تتجاوز الاصطفافات الإقليمية حدود الأيديولوجيا المعلنة لتلتحم بشبكات التمويل والتهريب، ويصبح الاختراق الخارجي امتداداً لدورة العنف الداخلية، وتنتقل الحرب من نزاع محلي إلى نظام إقليمي مستدام يتغذى على سيولة الدولة وانهيارها الوظيفي.
البيئة الإقليمية المحيطة بالسودان تعمل داخل منطق التداخل الجيوسياسي العنيف، لا منطق الانفصال، حيث يتشكل المشهد عبر تقاطعات مصلحية شديدة التعقيد، وتكتسب العلاقة المصرية مع السودان وظيفة محددة داخل بنية الحرب الإقليمية تتبدى في الحرص على تأمين المصالح الحيوية في العمق السوداني. هذا الحرص حين يُقرأ من زاوية اقتصاد السيادة الموازي يتحول من موقف سياسي إلى آلية تضمن بقاء الدولة السودانية عند مستوى معين من السيولة الأمنية يسمح بإنفاذ المصالح دون أن يرتقي إلى استقرار قد ينتج دولة منافسة أو شريكاً ندياً. يسانده في هذه الوظيفة التحرك السعودي الذي يعمل كآلية ضبط جيوسياسية تمنع تحول السودان إلى نقطة عبور كونية، ويجد هذا التوجه امتداده في اتفاقية 1974 الخاصة باستغلال ثروات قاع البحر الأحمر التي يمكن قراءتها كحلقة مبكرة في مسار تجميد الإمكانات الاستراتيجية السودانية. وتكتمل هذه المنظومة بالدور الإماراتي الذي يندفع نحو احتكار الموانئ والشواطئ ليشكل حلقة وصل بين رؤوس الأموال الخليجية وشبكات اقتصاد الحرب المحلية، وبهذا التداخل تصبح هذه السياسات جزءاً من بنية الحرب نفسها لا خارجها.
عند هذا المستوى تظهر آلية أعمق للاختراق الإقليمي عندما تلجأ بعض الأنظمة العسكرية في الإقليم، مثل “النموذج المصري” التي تنتهج عداءً صريحاً للإسلام السياسي داخل حدودها وتعتبره تهديداً وجودياً إلى استثمار شبكات المصالح المتموضعة في أجهزة الدولة السودانية منذ تسعينات القرن الماضي. وهذا التناقض الظاهري بين العداء الداخلي والتوظيف الخارجي لشبكاته يجد تفسيره البنيوي في طبيعة هذه الشبكات ذاتها؛ فهي بنى تشكلت عقب مفاصلة الإسلاميين وخضعت لتحول بنيوي عميق، حيث تخلت عن أطرها الأيديولوجية الشاملة وأعادت إنتاج ذاتها كبنى سلطوية وسيطة مندمجة عضوياً في اقتصاد السيادة الموازي، وهذا التحول جعلها جاهزة للاندماج مع أي عرض إقليمي بغض النظر عن أيديولوجيته.
يتوازى هذا التكالب الخارجي مع عطب تاريخي كامن في بنية الوعي السياسي السوداني يمكن قراءته اليوم كشرط بنيوي سهّل اندماج الدولة في اقتصاد السيادة الموازي الإقليمي؛ ويتجلى في الغياب شبه الكامل للعقل الأفندي النخبوي والتكنوقراطي عن التوجه نحو الفضاءات الحيوية في دول غرب وشرق أفريقيا، وامتناعه عن بناء عمق استراتيجي واقتصادي قاري.
هذا الانكفاء الفكري جعل الدولة السودانية معزولة عن محيطها الأفريقي، ورهينة مستسلمة لمحاور الخنق والتبعية الإقليمية، ومهيأة وظيفياً لأن تكون جغرافيا مسيّسة قابلة للاختراق. ويتفرع عن هذا العطب ديناميكية اجتماعية أكثر خطورة، تتمثل في تحول الدعم للحرب إلى منحىً اجتماعي وإثني تغذيه ميول انتهازية وعرقية. فثمة قطاع واسع يتحول صمته أو انكفاؤه عن معاناة الآخرين إلى شرط موضوعي لاستدامة الحرب. هذه الديناميكية تشكل امتداداً خفياً لمنطق اقتصاد السيادة الموازي نفسه، فالحرب التي لا يشعر بها الجميع في كل لحظة هي حرب يمكن إدارتها اقتصادياً دون ضغط اجتماعي شامل يفرض إنهاءها.
الشرعية التقليدية تفقد معناها عندما تنفصل عن وظيفتها الأساسية، وعندما تصبح السيطرة غير مرتبطة بالحماية يتحول مصدر الشرعية إلى سؤال مفتوح لا يمكن الإجابة عنه ضمن الإطار القديم للدولة. شرعية الحماية تظهر كتحول في منطق الدولة نفسه؛ من دولة تُعرَّف بالسيطرة إلى دولة تُعرَّف بالوظيفة، ومن سلطة تقاس بالقوة إلى سلطة تقاس بقدرتها على وقف الانهيار الإنساني، ومن شرعية تستند إلى الواقع إلى شرعية تستند إلى منع الكارثة.
مبدأ مسؤولية الحماية في القانون الدولي يعكس هذا التحول، فلم تعد السيادة حصانة مطلقة لكنها أصبحت مرتبطة بالالتزام بحماية السكان. ومع انهيار هذا الالتزام يفقد النظام السياسي أحد أهم أسس شرعيته، ويصبح الانتقال السياسي مسألة تتعلق بوظيفة الدولة لا فقط بشكلها. تجارب كوسوفو وتيمور الشرقية والبوسنة وسيراليون تعكس لحظات إعادة تعريف للشرعية عند انهيار الدولة، ويتحول منطق الحرب إلى منطق الحماية، ومنطق السيطرة إلى منطق التأسيس عبر ترتيبات انتقالية معقدة تتجاوز الفاعل الواحد.
إن استمرار الحرب داخل مسارها الحالي يغلق إمكانات الحل الداخلي الخالص، ويفتح المجال لمسار مركَّب، يتداخل فيه الفعل المدني السوداني مع الضمانات الإقليمية والدولية لإعادة بناء المجال السياسي من جذوره. فالوضعية التأسيسية لا تعني ترميم الدولة القديمة، بل تتجه صوب إعادة إنتاج المجال السياسي نفسه عبر عقد جديد يعيد تعريف السلطة ومصادر الشرعية والعلاقة بين المجتمع والدولة خارج منطق الحرب الذي استهلك الدولة وأعاد إنتاج انهيارها.
وتبرز هنا الرافعة السياسية لقوى الثورة والتيارات الرافضة للحرب وانقلاب 25 أكتوبر 2021، لا بصفتها طرفاً مفاوضاً إضافياً يضاف إلى أطراف النزاع المسلح، ولكن بوصفها الحامل السياسي المحتمل لمشروع إعادة التأسيس ذاته. وشرعية الحماية التي يدعو إليها هذا التحليل لا يمكن أن تتحقق دون فاعل سياسي مدني قادر على ترجمة مبدأ “وظيفة الدولة” إلى عقد اجتماعي جديد، وإلا بقيت هذه الشرعية مجرد مبدأ أممي دون جذور داخلية. هذه الرافعة رغم تشظيها الراهن تظل النواة الصلبة القادرة على خرق معادلة “الحرب والفراغ”، لأنها الطرف الوحيد الذي ترتبط مصلحته الوجودية بقيام دولة على أنقاض الحرب، لا باستمرار الحرب على أنقاض الدولة.
غير أن هذه الرافعة السياسية الداخلية لا تستطيع وحدها اختراق نظام الحرب المستدام، فاقتصاد السيادة الموازي ممتد إقليمياً ودولياً عبر شبكات تمويل وتسليح ووساطة مالية تتجاوز الحدود الجغرافية؛ وعند هذه المفترقية يصبح تفعيل المرجعيات القانونية والمواثيق الدولية ضرورة استراتيجية لا ترفاً أخلاقياً. فالمجتمع الدولي، الذي توافق بالإجماع على مبدأ “مسؤولية الحماية” في القمة العالمية للأمم المتحدة لعام 2005، ملزمٌ اليوم باختبار مصداقية هذا المبدأ في السودان، وهي مسؤولية تتصاعد تدريجياً عبر أعمدتها الثلاثة: من التزام الدولة بإنقاذ مواطنيها، مروراً بمساعدة المجتمع الدولي لها، وصولاً إلى التدخل الجبري الحاسم عندما تصبح الدولة الفاشلة أو المتشظية هي الأداة المباشرة لإنتاج الكارثة.
هذا الاستدعاء لا يستجدي التدخل، يرتكز قانونياً على الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة “المواد 39 و42″، الذي يمنح مجلس الأمن السلطة الكاملة لتكييف الكارثة الإنسانية ونزوح ملايين البشر كـ”تهديد حقيقي للسلم والأمن الدوليين”، واتخاذ كافة التدابير القسرية لوقف الانحدار، دعك عن الالتزامات الصارمة التي تفرضها المادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977، والتي تعرّف منع المساعدات الإنسانية واستخدام التجويع كأداة حرب بأنها “جرائم حرب” مكتملة الأركان تستوجب الردع والمحاسبة.
مناشدة المنظومة الدولية في هذه اللحظة تعني مطالبة هذه القوى بالكف عن أن تكون جزءاً من بنية الحرب والانتقال، إلى أن تكون جزءاً من بنية الحماية عبر وقف تدفق السلاح والمال إلى شبكات العنف وفتح مسارات تفاوضية جادة لا تقوم على منطق المنتصر، وتتأسس على منطق الضحية؛ أي السكان الذين تتحول حياتهم اليومية إلى وقود لهذه الحرب المستدامة، وفي حال تعذرت هذه السبل وأصرت الأطراف الإقليمية والدولية على تغذية الحرب بدل حماية المدنيين. وإذا استمرت آلة الموت في جني الأرواح، فإن المسؤولية الأخلاقية والقانونية ووفقاً للسوابق القضائية والتنفيذية الدولية تفرض على المجتمع الدولي الانتقال إلى المستوى التالي من الالتزام: التدخل المباشر للفصل بين القوات المتحاربة، وفرض ممرات آمنة، وتوفير الحماية الدولية للمدنيين العزل. هذا الإجراء يمثل الملاذ الأخير الذي يظل قائماً كحق للضحايا حين تصمت كل السبل الأخرى.
يترتب على هذا أن نقطة الارتكاز لأي مشروع تأسيسي لا يمكن أن تقع داخل منطق المفاوضة التقليدية بين المركزين المتصارعين، فهذان المركزان لم يعودا يمتلكان السيطرة الكاملة على شبكات العنف اللامركزية التي تشكلت في أثنائها. وهنا نقطة الارتكاز تنزاح كنتيجة منطقية للتشخيص نحو مستويين متلازمين: المستوى الأول تفكيك المنفعة المحلية التي تقدمها الحرب للشبكات الوسيطة عبر آليات ضمان أمنية واقتصادية بديلة تجعل السلام أكثر ربحية لها من الحرب؛ والمستوى الثاني نقل ثقل الشرعية الدولية من منطق السيطرة الجغرافية إلى منطق الحماية الإنسانية عبر مظلة تفاوضية تفتح مسارات للفواعل المحليين رافضي الحرب ولا تقتصر على الأطراف التقليدية. وإذا ما أغلقت هذه المسارات جميعها فإن الخيار العسكري للفصل بين القوات بتفويض دولي يظل الاحتمال الأخير الذي لا يمكن استبعاده من أفق الحماية.
في هذا التداخل بين المحلي والأممي يظل الانتقال إلى شرعية الحماية هو الحد الأدنى الممكن لوقف الانحدار، والأفق الوحيد المفتوح لإعادة تعريف الدولة السودانية من وظيفة الحماية لا من حقيقة الانهيار. وحين تعجز كل السبل تبقى حماية السودانيين واجباً أخلاقياً وقانونياً يعلو على كل حسابات السيادة الشكلية.