بيوت الأشباح، بيوت سيئة السمعة

الأستاذ عدلان عبدالعزيز: شهادتي في معتقلات نظام الإنقاذ

شيماء تاج السر، المحامية

 

في خريف عام 1991 كان السودان يعيش حالة من الرعب اليومي لم يشهدها من قبل. انقلاب يونيو 1989 لم يكتفِ بخلع حكومة الصادق المهدي المنتخبة بل انطلق لتفتيت النسيج الاجتماعي والسياسي للبلاد، مستخدماً أجهزة أمنية جديدة تتبنى آيديولوجية الجبهة الإسلامية المتطرفة وتعمل بمنهجية منظمة لتصفية المعارضين جسدياً ونفسياً. كنتُ حينها في ريعان شبابي موظفاً بسيطاً في لجنة امتحانات السودان بوزارة التربية .

لم أكن نجماً سياسياً ولا قائداً جماهيرياً، بل كنتُ واحداً من آلاف الشبان الذين آمنوا بفكرة التغيير واكتووا بجمر الغبن الاجتماعي الذي مزق السودان لعقود. لكن جهاز الأمن الجديد كان يرى في كل شيوعي خطراً وجودياً، وفي كل مفكر حر تهديداً للنظام الوليد. لم أكن أعلم حينها أن ورقة صغيرة ومقالاً مصوراً في مجلة سيكونان سبباً في اقتلاعي من حياتي وإلقائي في جحيم بيوت الأشباح لأشهر طويلة أتجرع فيها أصناف العذاب التي لا توصف.

في هذه الشهادة التي أكتبها بدماء الذاكرة ووجع الجسد سأروي ما جرى لي وما رأيته بعيني وما لمسه جلدي من سياط، وما سمعته أذناي من صرخات رفاقي، وما عانته أسرتي من إذلال.. شهادة للتاريخ لكي تعرف الأجيال القادمة كيف يُدمَّر الإنسان وكيف تبقى الكرامة حية حتى في أعمق الآبار.

 

خيط رفيع أوصلهم إليّ

 

قبل شهور من اعتقالي وفي أحد الأيام العادية بمقر عملي حضر إليّ الصديق والأخ أروب دينق. كان شاباً جنوبياً يحمل في عينيه بريقاً شعرياً نادراً .

جلس أروب معي في مكتبي الصغير وشربنا الشاي وتحدثنا طويلاً عن أحوال البلاد، وقبل أن يغادر سألني إن كان لديّ شيء لأطلعه عليه فبحثت في درجي، وأعطيته مقالاً مصوراً من مجلة (قضايا فكرية). كان مقالاً عادياً يتناول قضايا سياسية واجتماعية، لكن القدر شاء أن يكون هذا المقال هو الخيط الذي سيُربكني به جهاز الأمن لاحقاً .

توجه أروب بعد ذلك إلى محطة بصات ليستقل باصاً للعودة لدياره. وفي الشارع الفاصل بين داخلية بركس جامعة الخرطوم ومستشفى العيون اعترضته عربة بوكس عسكرية نزل منها مسلحون يرتدون ملابس مدنية، كان يقودهم ضابط الأمن طارق الشفيع الذي كان يعمل سابقاً في جوبا، فتعرف على وجه أروب كأحد القيادات الطلابية المعروفة. أوقفوه وفتشوه وعثروا بحوزته على المقال المصور الذي حمل اسمي وبيانات مكان عملي. عندها لم يكن أمام أروب سوى التعذيب لإجباره على الاعتراف بمن أعطاه المقال ومن هو عدلان هذا، وتحت وطأة الضرب المبرح اضطر أروب للإدلاء باسمي.

حكى لي صديقنا المشترك جموك مدينق قال لي إن أروب كان يبكي بكاءً حاراً في الزنزانة ويقول لجموك “أنا تسببت في اعتقال عدلان وهو رجل له أسرة وأطفال صغار.. كيف أنظر إليه بعد اليوم؟”. بكى أروب لأنه كان شاعراً رقيقاً مرهفاً يكتب الشعر بالإنجليزية وبلغته الأم لغة الدينكا، وكان قلبه أكبر من أن يحتمل وزر إيذاء الآخرين. لم ألُمْ أروب يوماً فقد كان ضحية مثلنا وجسده الممزق خير دليل على أنه لم يخُن، بل انكسر تحت وطأة التعذيب.

 

الاعتقال من داخل حوش المكتب

 

وفي عصر يوم الخميس الموافق 26 سبتمبر 1991كان الموعد مع قدري. كنت منهمكاً في مراجعة بعض الملفات بمقر لجنة امتحانات السودان حين سمعت صوت أقدام ثقيلة تصعد الدرج. وفي غضون ثوان دخل عليّ أربعة رجال بملابس مدنية يحملون أسلحة رشاشة ويتقدمهم شخص قصير القامة عيناه حقودتان، عرفته لاحقاً باسم طارق الشفيع. لم يقدموا أي مذكرة تفتيش أو أمر قبض بل أمسكوني من ذراعي ونزعوا هوية عملي وسحبوني إلى الخارج أمام زملائي المذهولين. نظرت إلى وجوههم كانت مزيجاً من الخوف والصدمة، لكن لم يجرؤ أحد على التحرك.

 

لم أفعل شيئاً، ولم أصرخ، فقد كنت أعرف أن هذه اللحظة قادمة لا محالة. ففي ذلك الزمن كان أي شيوعي يعيش تحت تهديد دائم بالاعتقال. صعدت معهم إلى سيارة بوكس وشعرت وكأن الأبواب تغلق على كل ما عرفته من حياة، وعلى كل ما خططت له من مستقبل.

 

مكتب الأمن ومعتقل السطح

 

أول محطة في رحلة العذاب كانت مكتب الأمن – القسم السياسي في المبنى الأبيض الشهير المواجه لطلمبة جكسا ومباني الهيئة العربية للاستثمار من ناحية الشمال، وشرقه – قطع شارع الظلط – البوابة الرئيسية للقيادة العامة. ذلك المبنى كان مبعثاً للخوف، حيث يدخل الناس فيه فلا يخرجون، أو يخرجون وقد فقدوا جزءاً من أرواحهم.

هناك بدأ التحقيق الأولي مع طارق الشفيع الذي كان يتبختر كالديك ويلوح بمسدسه أمام وجهي، ويصوبه نحو جبهتي بطريقة استفزازية ثم يبتسم ابتسامة باردة. طلب مني بياناتي الشخصية وانتمائي السياسي، أجبته بوضوح: أنا شيوعي. عندها تضايق وبدأ يكرر الأسئلة وكأنه يريد أن أقول له شيئاً آخر، لكنني ظللت صامداً لم تتحرك عيناي عن عينيه رغم التهديدات ورغم المسدس الذي كان يلمع أمامي. ثم أرسلني مصحوباً بالحراس إلى بئر السلم المؤدي إلى الطابق الثاني، حيث كان هناك مكان ضيق ومغطى بحاجز خشبي مع باب صغير.

في تلك البئر المظلمة وجدت الأستاذ الصحفي الزين الشين – كما كنا نسميه أيام الجامعة – كان يعمل في وكالة الأنباء السودانية (سونا) وكانوا يستدعونه يومياً ليأخذ نصيبه من الجلد بالسياط صباحاً، ثم يقضي بقية اليوم في تلك البئر الضيقة ليُطلق سراحه مساءً مع أمر بالحضور صباح اليوم التالي. كانت تلك ممارسة سافلة درج عليها جهاز الأمن بقصد تحطيم نشاط المناضلين والادعاء بعدم وجود معتقلين في نفس الوقت. جلست مع الزين ساعة تبادلنا النظرات ولم نستطع الكلام كثيراً، فقد كان الحارس يراقبنا من الأعلى .

ولم يمضِ وقت طويل حتى نُقلت إلى مكان آخر. هذه المرة كان معتقل السطح، وهو سطح إحدى العمارات الأربعة الحمراء داخل القيادة العامة. تخيلت أن السطح سيكون مكاناً مكشوفاً يتنفس الهواء لكن الواقع كان مختلفاً تماماً  كان عبارة عن فناء مسور بسور لا يتجاوز ارتفاعه المتر، يتوسطه صفان من الزنازين الصغيرة المتقابلة، ضيقة ومظلمة، لا تصل إليها الشمس إلا في أوقات محدودة، وكل صف كان يضم حوالي خمس إلى ست زنازين. الزنازين الجنوبية كانت مخصصة للعسكريين – في الخدمة أو المعاش – المتهمين بالتخطيط لانقلاب، والمتهم الرئيسي فيه الأمير عبدالرحمن نقد الله، ومن بينهم العميد علي التجاني، الرقيب التجاني، المقدم عادل، والمقدم (م) عبدالمعروف، وهؤلاء كانوا يعامَلون بقسوة لكنهم لم يكونوا في حال أفضل منا.

أما الزنازين الأخرى فكانت تضم سياسيين من أحزاب مختلفة الشيوعي، الأمة، الاتحادي، وبينهم نشطاء من حركة الطلاب المستقلين. المكان كان مكتظاً بالمعتقلين، وكأن الخوف له رائحة خاصة تتصاعد من كل زاوية.

 

وجوه من نار

 

تعرفت في معتقل السطح على وجوه متعددة من طاقم الحراسة والجلادين. طارق الشفيع كان الأشرس والأكثر وحشية، وهو المسؤول المباشر عني والمسؤول عن خطة التعذيب الممنهجة. كان يبدو كأنه يعاني من عقدة نقص شديدة يحاول تعويضها بإذلال المعتقلين. يضع نظارة شمسية في الأماكن المغلقة، ويمسك سوطاً طويلاً يضرب به على الأرض بين الفينة والأخرى. فالشر الذي يحمله في داخله كان حقيقياً.. كان عنصرياً بغيضاً خاصة تجاه الجنوبيين، وكان أول سؤال سأله لزوجتي نازك عندما قابلها يعكس عقدته النفسية العميقة.

عسكري الأمن المسمي نفسه مهدي وهو جبهوي متعصب، أظنه في رتبة صول، كان يدير المعتقل بصرامة وعنجهية لا تخطئ عيناه الشك بأنه مقتنع تماماً بأن كل من يقف أمامه كافر يجب تطهيره بالسياط. عسكري الأمن خليفة من أبناء النوبة كان يمارس عليّ تمارين رياضية مجهدة أثناء الورديات الليلية، ويأمرني بأداء تمارين عسكرية مرهقة بينما يحدق فيّ كأنني حيوان في قفص، وكأن تعذيبي مصدر تسليته الوحيد في الليل الطويل.

لكن في وسط تلك الكتيبة الجهنمية كان هناك كرار ذلك الشاب الذي بدا وكأنه مُكرَه على دوره، لا يخفي تعاطفه مع المعتقلين في أحيان كثيرة. حدثني مرة كانت تلك لحظة إنسانية خفيفة في جحيمنا أعادت لي بعض التوازن.

 

لا جسد لي ولا روح

 

منذ اللحظة الأولى التي وضعت فيها قدمي في معتقل السطح كانت هناك تعليمات مشددة ومستديمة أن المدعو عدلان يجب ألا يخلد إلى الجلوس أو النوم أبداً إلى حين إشعار آخر. هذا المنع لم يكن عشوائياً، بل الغرض منه إصابة الذهن بالإرهاق والتشتت، ومن ثم محاولة استخلاص المعلومات، كما أنه وسيلة لإصابة المعتقل بحالة من الإجهاد البدني وتحطيم قدرته على المقاومة. ظللت أربعة أيام كاملة واقفاً في مواجهة الحائط، يداي مرفوعتان إلى أعلى.. لا أجلس ولا أنام حتى أصبحت قدماي كأنهما جذع شجر لا أشعر بهما.

في اليوم الخامس سمحوا لي بالنوم قليلاً وقت الظهر، في المساء طلبوا مني ارتداء ملابس كاملة والخروج معهم. ظننت أنهم سيضربونني وأنها جولة أخرى من التعذيب لكني فوجئت أنهم أوصلوني لمكتب الاستقبال، وهناك وجدت ضابط أمن آخر يعمل في إدارة المعتقلات اسمه أيمن كان زميلي في مدرسة الخرطوم الثانوية القديمة من أصول تركية ومن المعروفين في الجبهة الإسلامية. تعرفت عليه وعرفني قال لي إن أحد أفراد أسرتي ينتظر بالخارج وإن تعليمات عليا صدرت بشأن هذه الزيارة على ألا تتجاوز مدتها الدقيقتين.!

خرجت من الباب الآخر فوجدت ابن عمّي وزوج أختي الأخ طه أبوالقاسم الذي كان وقتها سفير السودان في سوريا لحظة وقوع انقلاب الجبهة الإسلامية وعرف المدعو بكري حسن صالح أثناء زيارة الأخير إلى سوريا في شهور الانقلاب الأولى. في الكشف الأول لمجزرة الدبلوماسيين كان طه من المحالين للصالح العام، لكنه وظّف معرفته بالمدعو بكري وبقي له في حلقه حتى ظفر بتلك الدقيقتين التي تحدثنا فيها ضمّني طه بقوة وتحسس جسدي وسألني “كويس يا زول؟” قلت: “الحمد لله”. أعلن أيمن أن الزيارة انتهت. ونحن نبتعد أبلغني طه تحيات الأسرة وأن الوالدة وزوجتي والأطفال كلهم بخير. أعطتني تلك الزيارة العجيبة أملاً دافئاً وجمعت أشتات روحي وجسدي. عرفت لاحقاً أنهم مارسوا كافة المحاولات الممكنة فقط ليتأكدوا أنني فعلاً لا أزال حياً.

الجلد بالسياط كان هو الطقس اليومي الذي لا يتغير. سوط العنج كان السلاح المفضل. كانوا يصفوننا في صف واحد بمسافات متساوية بيننا تتيح لعسكري الأمن التلويح بالسوط ونزوله على ظهورنا دون عوائق. رأيت أربعة معتقلين جدداً وقفوا في ذلك الصف، وبدأ العسكري يجلدهم بلا هوادة: الشاب أبوشنب كان لا يهتز له رمش، وكأن الضربات لا تمس جلده بل تمر فوقه كالهواء.. عبدالله يوسف كان يصمد ويحاجج العسكري بأن هذا غير إنساني وغير إسلامي.. أما فتح الرحمن فلم يتحمل أصيب بأزمة وأغمي عليه فحملوه كجثة هامدة.

أما أنا حين فشلوا في جعلي أقف مستقيماً في الصف بسبب تعب إضافي جذبوني وربطوا يديّ على فرع شجرة وبدأوا يلقون محاضرة سمجة عن أنهم سيخرجون الشياطين من رأسي، ثم ضربوني بالسياط من كل جانب.

 

ولم يقتصر العذاب على السوط في التحقيقات المكتوبة. كان هناك شخص آخر يحرص على ألا يبين وجهه، يأتيني من الخلف وأنا جالس أمام طارق الشفيع ويقرص أذني بعنف ويعركها عركاً ويقول لي: “إنت لسع ما شفت حاجة”. في ختام ذلك التحقيق قالوا لي أنت لن ترى الشمس ثانية وستحضر على ركبتيك تستجدي إعطاءنا المعلومات.

 

الزنزانة ورفاق العذاب

 

في معتقل السطح شاركت زنزانتي مع عدد من الأصدقاء الذين أصبحوا جزءاً من ذاكرتي الأبدية: عدنان زاهر المحامي، وأنور عباس ود الحوش، وكلاهما من أولاد الموردة “الشفوت” كما يحبون أن يوصفوا. تعرفت أيضاً على الشاب عادل الوسيلة أمبدويات وآخرين من حركة الطلاب أمثال الأستاذ إبراهيم باحث وهو شاب هادئ قليل الكلام.

في معتقل السطح ألفت الناس والمكان، وعرفت كيف أنام وأنا واقف! بعض الحراس كان يكتفي بأن أكون واقفاً وآخر حتى وأنا واقف يجبرني على حمل طوبتين ورفعهما عالياً.

 

عندما ينهار الجسد

 

أثناء فترة الاعتقال أصبت بنزيف في البول وضيق حاد في التنفس بسبب تضخم اللوزتين. كنت أمشي كما يمشي المريض منهكاً تماماً. تم نقلي إلى مستشفى الشرطة لكن طارق الشفيع هددني بأنني لن أتلقى أي علاج وسيتم إرجاعي لمكاتب الأمن فوراً إذا لم أتبع تعليماتهم. طلبوا مني أن أدعي أنني ضابط شرطة وأن ما حدث لي هو أنني سقطت من عربة بوكس أثناء سيرها! كان حظهم جيداً، فالطبيب الذي استقبلني كان من عينتهم فلم يكلف نفسه سؤالي عما حدث لي وأجرى التحاليل وقرر أنني بحاجة للراحة. لكن الراحة كانت حلماً بعيداً.

 

عائلتي في مرمى النار

 

لم يقتصر العذاب عليّ وحدي بل طال أسرتي في هجوم سافر على كرامة الإنسان. في مساء الاعتقال اقتادوني إلى منزلنا في السجانة جنوب قشلاق القسم الجنوبي. حصروا أهلي في مكان واحد يراقبهم عسكري مسلح ببندقية كلاشنكوف، بينما كان طارق الشفيع وباقي قوته يفتشون غرفتي ويقلبون أوراقي ومتعلقاتي. في ذلك الجو المكهرب والمتوتر بدأت صغيرتي الرضيعة بالصراخ المتواصل.. أصاب صراخها المدعو طارق بالتوتر فذهب وصرخ في أهلي: “سكِّتوا البت”، وكأن طفلة صغيرة تزعج عقيدته الإرهابية.

لم تقتصر المأساة على تلك الليلة. ففي اليوم التالي تم استدعاء زوجتي نازك، وهي خريجة كلية الزراعة كانت تعمل مديرة لقسم الصادر في الشركة العربية للخضر والفاكهة إحدى شركات الهيئة العربية للاستثمار، عثر طارق الشفيع في دفتر أجندتها اليومي على ملخص مكتوب بخط اليد لإحدى دورات مداولات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي. ظن ذلك الجاهل أن نازك عضوة في اللجنة المركزية سألها عن عضويتها في اللجنة المركزية وأجبرها على القسم بأنها ليست عضواً.

وعندما سألها عن جواز سفرها الأمريكي قالت له إنه في منزلها وإن كان يريده فليأخذه بنفسه وهو قد أخذ حتى الصور العائلية! عندها استشاط غضباً ونزع شنطة اليد التي كانت تحملها وبدأ يفتشها بعصبية فوجد أوراقاً فيها بعض الآيات القرآنية كان جدها الحاج أحمد صالح باعبود قد أعطاها لها. حمل الأوراق وقال لها: “إنت قايلة دي بتحميك مننا؟”. لكن نازك كانت صلبة لم ترتعب وصمتت بكرامة.

عادت نازك إلى المنزل ووجدت عائلتها مجتمعة فحكت لهم التفاصيل. ثارت ثائرة الجميع وكتب والدها مذكرة شديدة اللهجة إلى مدير الأمن في ذلك الوقت د.نافع يطالب بالتحقيق فيما جرى ومحاسبة المسؤول.

 

أروب دينق.. القصة التي لم تنتهِ بموته

 

بعد خروجي من المعتقل ذهبت لمنزل الأخت هالة الكارب في منطقة مزاد جبرة جنوب الخرطوم. كنت مهموماً بشأن أروب أريد أن ألقاه وأوضح له أن ما حدث كان تبعات طريق اخترناه واعين بمخاطره، وأن لا يترك نفسه للوساوس. بعد التحيات أوضحت سبب زيارتي وقلت لها إن الجنوبيين يتعرضون لتعذيب أشد قسوة بمراحل، لأن ضباط أمن الجبهة غالباً عنصريون حتى في ممارسات التعذيب.

أجابتني هالة بحزن عميق “أروب مات”.. حكت لي أنه بعد إطلاق سراحه هاجر إلى ليبيا وبعد شهور قليلة تعطلت كليتاه، فنُقل إلى ألمانيا لكنه لم ينجُ، حيث توفي في إحدى مستشفياتها. خرجت مودعاً ولم أجد ما أعزي به هالة لأنني كنت في حاجة ماسة للتعزية. شعرت حينها أن الموت صار أقرب من الحياة وأن جثثنا تمشي على الأرض قبل أن تدفن.

 

العدالة المنتظرة وانقلاب أكتوبر المشؤم

 

نحن مجموعة قيادة طلاب الجامعات والمعاهد قررنا رفع دعوى قضائية ضد الفريق عبدالغفار الشريف وجهاز الأمن بشأن التعذيب الذي تعرّضنا له عقب اعتقالنا في 2 سبتمبر 1995. وفي الفترة الانتقالية، وتحت شمس ثورة ديسمبر المجيدة التقيتُ الأستاذ محمود الشاذلي والأستاذة شيماء تاج السر أمام مكتب الأستاذ وائل علي سعيد في الخرطوم، حيث باشرنا إجراءات فتح دعوى جنائية، لكن انقلاب أكتوبر 2021 المشؤوم قطع الطريق على العدالة، وأجهض كل أمل كنا نعلّقه على تلك الخطوة.

 

العدالة حلم بعيد لكنه ليس مستحيلاً

 

العدالة الانتقالية ليست مجرد محاكمات، بل هي اعتراف بالمعاناة وكشف للحقيقة وتعويض للضحايا، وضمانات بعدم تكرار المأساة. قد لا أراها بعيني في حياتي، لكنني أعرف أن الأجيال القادمة ستسأل عن الذين عُذِّبوا وقُتِلوا في بيوت الأشباح. وقد لا يجدون إجابة لكنهم سيجدون شهادتنا التي خططناها بالدم على جدران الظلام.

خروجي من معتقل السطح بعد أربعة أشهر ونصف، ثم من بيت الأشباح لم يكن نهاية المعاناة، بل كان بداية رحلة أخرى من النضال من أجل البقاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *