المعادلة الزائفة: حين يختل المنطق قبل أن يختل الضمير (1)

د.العبيد أحمد العبيد

 

لا يكاد يمر يوم في الساحة السودانية دون أن تظهر مقارنات جديدة، أو تصنيفات حادة، أو اتهامات متبادلة تسعى إلى إعادة تعريف الفاعلين السياسيين وربطهم بعضهم ببعض، على نحو يوحي بعلاقات قد لا تثبتها الوقائع. ومن بين أكثر السجالات حضورًا في الآونة الأخيرة الجدل حول طبيعة العلاقات بين عدد من القوى المدنية والقوى العسكرية، وما إذا كانت هذه العلاقات تعكس تقاربًا سياسيًا حقيقيًا أم مجرد تواصل فرضته تعقيدات الحرب.

وفي المقابل، يرى آخرون أن هذه المقارنات نفسها أصبحت جزءًا من صراع أوسع على الشرعية السياسية، ومحاولة لإعادة تشكيل صورة القوى التي لعبت أدوارًا بارزة منذ ثورة ديسمبر.

ومهما اختلفت المواقف من هذه القضايا، فإنها تطرح سؤالًا يسبق السياسة نفسها:

متى تكون المقارنة بين طرفين مقارنةً مشروعة، ومتى تتحول إلى ما يسميه علماء المنطق “المعادلة الزائفة”؟.

 

في مقالاتي السابقة، ولا سيما تلك التي تناولت مفهوم المعادلة الأخلاقية (Moral Equivalency)، حاولت أن أوضح كيف يمكن للأحكام الأخلاقية أن تفقد بوصلتها عندما تتحول المواقف السياسية إلى معيارٍ للحكم على الأفعال. وذهبت آنذاك إلى أن أخطر ما يصيب المجتمعات في أوقات الأزمات ليس فقط انهيار المؤسسات، وإنما انهيار القدرة على إصدار أحكام أخلاقية متسقة.

غير أن التأمل في كثير من الخطابات السياسية والإعلامية قادني إلى نتيجة ربما تكون أكثر عمقًا.

فقبل أن يختل الضمير، يختل المنطق. وقبل أن نساوي بين الخير والشر، نبدأ بمساواة أشياء لا يجوز أصلًا أن توضع في كفة واحدة.

ومن هنا يصبح مفهوم المعادلة الزائفة (False Equivalency) أكثر قدرة على تفسير كثير من صور الجدل العام.

المعادلة الزائفة ليست مجرد خطأ في المقارنة، وإنما هي خطأ في بناء المقارنة ذاتها. فهي مغالطة منطقية تنشأ عندما يُعامل شخصان، أو موقفان، أو حدثان، أو فكرتان كما لو كانا متكافئين، مع أن بينهما فروقًا جوهرية تؤثر مباشرة في النتيجة المراد الوصول إليها. ولذلك فهي لا تقوم على الكذب المباشر، بل على إساءة استخدام المقارنة.

وهذا ما يجعلها من أكثر أدوات الإقناع فعالية؛ فهي تمنح انطباعًا بالحياد والتوازن، بينما تُخفي وراء هذا المظهر تجاهلًا متعمدًا أو غير متعمد لما يسميه المناطقة “الفروق ذات الصلة”.

 

لماذا يقع الناس في المعادلة الزائفة؟

 

لا يعود ذلك دائمًا إلى سوء النية كما هو الحال في السودان الان. فالإنسان بطبيعته يميل إلى تبسيط العالم، لأن التعقيد مرهق، بينما تمنحه المقارنات السريعة شعورًا بالوضوح. ولهذا نحب الثنائيات الجاهزة: أبيض وأسود، خير وشر، معنا أو ضدنا، ضحية وجلاد.

غير أن هذه الراحة النفسية كثيرًا ما تكون على حساب الحقيقة.

لقد تنبه أرسطو إلى هذه المسألة منذ أكثر من ألفي عام عندما أوضح أن صحة القياس لا تعتمد على وجود تشابه فحسب، وإنما على كون ذلك التشابه مرتبطًا بالحكم المراد الوصول إليه. فالمنطق لا يسأل: هل يوجد تشابه؟ وإنما يسأل: هل هذا هو التشابه الذي يهم؟ وهل الفروق التي أهملناها أكثر أهمية من أوجه الشبه التي أبرزناها؟ كما تنبه إلى هذه المسألة الكثير من حكمائنا الشعراء السودانيين. ولعل الشعر، في كثير من الأحيان، يسبق الفلسفة إلى التقاط ما تصوغه الفلسفة لاحقًا في صورة مفاهيم ونظريات. فما عبّر عنه أرسطو في لغة القياس والمنطق، عبّر عنه محجوب شريف ومحمد الحسن سالم (حميد) في لغة التجربة الإنسانية، حين جعلا من تسمية الأشياء بأسمائها، ورؤية الفروق الدقيقة بين البشر والوقائع، شرطًا أوليًا للعدل والحقيقة.

وربما يبدو هذا الحديث، لأول وهلة، بعيدًا عن الشعر السوداني، غير أن التأمل في تجربة شاعرين كبيرين مثل محجوب شريف وحميد يكشف عن حسٍّ فكري وأخلاقي قريب من هذا المنهج، وإن جاء بلغة الشعر لا بلغة الفلسفة. فكلاهما ظل، بطريقته الخاصة، يقاوم اختزال الواقع في صور مبسطة أو تصنيفات جاهزة، ويرفض أن يُمحى التعقيد الإنساني لصالح ثنائيات مريحة أو شعارات سياسية عابرة. لم يكن مشروعاهما الشعريان قائمين على إنكار التشابه بين الناس أو الأحداث، وإنما على التذكير الدائم بأن التشابه لا يلغي الفروق الجوهرية، وأن العدالة تبدأ من القدرة على رؤية هذه الفروق قبل إصدار الأحكام.

وإذا كان أرسطو قد عبّر عن هذه الفكرة بلغة المنطق، فإن محجوب شريف وحميد عبّرا عنها بلغة الحياة اليومية. فمحجوب ظل يلح على أن أخطر ما يفعله الاستبداد ليس فقط قمع الناس، وإنما تشويه اللغة التي نصف بها الواقع، حتى تختلط أسماء الأشياء، ويصبح الظلم عدلًا، والقمع حماية، والسكوت حكمة. أما حميد، فقد كرّس معظم مشروعه الشعري لاستعادة التفاصيل التي تُسقطها الخطابات الكبرى، رافضًا اختزال الإنسان في هوية واحدة أو موقف واحد أو وصف واحد. وكأن الشاعرين، كلاً بطريقته، يذكِّراننا بأن الحقيقة لا تضيع فقط حين نكذب، وإنما تضيع أيضًا حين نُجري مقارنات تمحو الفروق التي تمنح الأشياء معناها.

ومن هنا جاء ما يسميه المناطقة اليوم “الفروق ذات الصلة (Relevant Differences)”، أي تلك الفروق التي لا يجوز تجاهلها عند المقارنة، لأنها هي التي تحدد سلامة الاستنتاج أو بطلانه.

 

فإذا تجاهلنا هذه العناصر، أصبحت المقارنة مضللة مهما بدت بليغة أو مقنِعة أو متلحفة بثوب الوطنية الزائفة والمصلحة الشخصية المحضة.

 

من المعادلة الزائفة إلى المعادلة الأخلاقية

 

في هذا السياق يمكن فهم العلاقة الوثيقة بين المعادلة الزائفة والمعادلة الأخلاقية. فالأولى تنتمي إلى المنطق؛ فهي تتعلق بطريقة الاستدلال. أما الثانية فتتعلق بطريقة إصدار الأحكام.

الأولى تسأل: هل المقارنة صحيحة؟ والثانية تسأل: هل المسؤولية الأخلاقية متساوية؟.

وبهذا المعنى، فإن المعادلة الأخلاقية ليست نقيضًا للمعادلة الزائفة، وإنما أحد أخطر تطبيقاتها، فإذا بدأنا بمقارنة غير صحيحة، فمن الطبيعي أن ننتهي إلى حكم أخلاقي غير صحيح.

لكن ليست كل معادلة زائفة معادلة أخلاقية؛ فقد نجدها في الاقتصاد، أو القانون، أو الطب، أو الإعلام، أو الإحصاء، حيث لا يكون موضوع النقاش أخلاقيًا أصلًا.

 

كيف تعمل المعادلة الزائفة؟

 

نادراً ما تُطرح المعادلة الزائفة في صورة استدلال منطقي متكامل؛ فهي تعمل بالإيحاء أكثر مما تعمل بالبرهان، وبالربط الذهني أكثر مما تعمل بالأدلة. ذلك بجانب افتراضها الدائم بساطة أو سذاجة المتلقي.

يكفي أحيانًا أن يُقال:

“أليس الاثنان سبب المشكلة؟”

أو:

“أليس الاثنان يهاجمان الجهة نفسها؟”

ثم يُترك للقارئ أن يستنتج بنفسه أن التشابه الجزئي يعني التطابق الكامل.

وهنا تكمن قوة هذه المغالطة.

فهي لا تفرض النتيجة، بل تجعل المتلقي يصل إليها بنفسه.

ولهذا يكون الإيحاء، في كثير من الأحيان، أشد تأثيرًا من الادعاء المباشر.

فالبرهان (ليس المقصود هنا مجرم الحرب) يعتمد على الوقائع القابلة للتحقق، أما الإيحاء فيعتمد على التكرار، والربط الذهني، والاختيار الانتقائي للوقائع. ومن ثم فإن كثيرًا من المعادلات الزائفة لا تُبنى على ما هو موجود، بقدر ما تُبنى على ما يُراد للمتلقي أن يتخيله موجودًا.

 

عندما يصبح كشف الجريمة مساويًا لارتكابها

 

ولعل من أكثر الأمثلة السودانية دلالة على هذه المغالطة الجدل الذي أحاط بالصحفية رشان أوشي.

وسواء اتفق المرء مع أسلوبها المهني أم اختلف معه، فإن القضية تكشف عن آلية متكررة في الخطاب العام.

كان السؤال الذي ينبغي أن يحتل مركز النقاش سؤالًا بسيطًا:

هل الوقائع التي نشرتها صحيحة؟

هل تستند إلى أدلة؟

هل أُتيح حق الرد؟

وهل استوفيت المعايير المهنية؟

غير أن النقاش، شيئًا فشيئًا، انزاح عن الوقائع إلى الأشخاص.

فأصبحت الأسئلة تدور حول:

من هي؟

ما دوافعها؟

لمن تكتب؟

ومن المستفيد مما نشرته؟

قد تكون هذه الأسئلة مشروعة في بعض السياقات، لكنها لا تجيب عن السؤال الأول، بل تستبدله.

وهنا تظهر المعادلة الزائفة في أوضح صورها.

فالصحفي الذي يكشف فسادًا لا يصبح، بمجرد نشره للمعلومات، مساويًا للفاسد، لا أخلاقيًا ولا قانونيًا.

بل حتى إذا أخطأ الصحفي مهنيًا، أو قصّر في التحقق من بعض التفاصيل، فإن طبيعة خطئه تبقى مختلفة جذريًا عن طبيعة الفعل الذي كان يحقق فيه.

إذا أخطأ الصحفي، فإن مساءلته تكون وفق قواعد المهنة أو القانون.

أما إذا ثبت فساد المسؤول، فإن مساءلته تتعلق بالفعل الأصلي.

إن تحويل الأنظار من الفساد إلى من كشف الفساد هو في ذاته صورة من صور المعادلة الزائفة، لأنه يستبدل موضوع النقاش بموضوع آخر.

إن مساواة خطأ في التغطية بالفعل محل التغطية تعني إلغاء الفروق الجوهرية بين الفعلين، وهو جوهر هذه المغالطة.

ولا يقتصر الأمر على الصحافة. فالتاريخ الحديث مليء بأمثلة لكاشفي المخالفات الذين تحول النقاش بشأنهم من مضمون ما كشفوه إلى شخصياتهم ودوافعهم وانتماءاتهم. وقد تكون مساءلة الوسائل أو الدوافع مشروعة، لكنها لا ينبغي أن تغني عن فحص الوقائع ذاتها.

ومن هنا فإن التفكير النقدي يقتضي مقاومة هذا الانزلاق. فالسؤال الأول يجب أن يبقى: هل الادعاء صحيح؟ ثم تأتي بعد ذلك الأسئلة المتعلقة بالسياق أو الدوافع أو المنهج.

 

اختبار بسيط لاكتشاف المعادلة الزائفة

 

قبل قبول أي مقارنة، ربما يكون من المفيد طرح خمسة أسئلة:

هل الطرفان متشابهان في العناصر ذات الصلة بموضوع النقاش؟

ما الفروق الجوهرية التي قد تغير النتيجة؟

هل تستند المقارنة إلى وقائع أم إلى إيحاءات؟

هل يجري تعميم نتيجة مستخلصة من عنصر واحد على العلاقة كلها؟

هل تحولت المقارنة إلى بديل عن تحليل الأدلة؟

إذا كشفت الإجابة أن الفروق الحاسمة قد أُهملت، فالأرجح أننا أمام معادلة زائفة.

إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة تكشف أن الفروق الحاسمة قد أُهملت، فالأرجح أننا أمام معادلة زائفة.

هذه المقدمة النظرية ضرورية لفهم ظاهرة أخرى أخذت تتوسع بصورة لافتة خلال الأشهر الأخيرة، وهي المحاولات المحمومة لتصوير تحالف صمود بوصفه مجرد الذراع المدني أو الحاضنة السياسية لتحالف تأسيس الذي تقوده مليشيا الدعم السريع.

هذه الحملة لم تظهر في فراغ.

فقد تصاعدت بصورة ملحوظة كلما ازداد الضغط الدولي على سلطة بورتسودان الإسلاموعسكرية بسبب ملفات شديدة الحساسية، من بينها الاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية، والانتهاكات الواسعة ضد المدنيين، والفساد المستشري، والعجز الكامل عن حماية السكان أو إدارة الدولة.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح اختراع عدو مدني جديد ضرورة سياسية.

وهنا يبدأ ما يمكن تسميته بصناعة المعادلة الزائفة.

فالهدف ليس إثبات وجود علاقة تنظيمية بين صمود وتأسيس بقدر ما هو خلق انطباع ذهني بأن الطرفين شيء واحد.

وتتولى هذه المهمة كتيبة من الدعاية السياسية التي تضم، للأسف، عددًا من المثقفين الذين باعوا ضمائرهم للسلطة، وتحولوا إلى ما يعرفه السودانيون جيدًا بـ”ملكية أكثر من الملك”، أو كما يقول العامة: “الكيزان البيزيدوا النار حطب”، *و”فقهاء السلطان”* الذين لا يكتفون بتبرير السلطة، وإنما يتنافسون في اختراع المبررات التي لم تطلبها السلطة نفسها.

والمفارقة أن بعض هؤلاء كانوا حتى وقت قريب جزءًا من التحالفات المدنية التي خرج منها صمود، قبل أن يعيدوا اكتشاف فضائل السلطة، في واحدة من أقدم العادات السياسية السودانية: الانتقال السريع من صفوف المعارضة إلى صفوف المصفقين، ثم المزايدة على أصحاب المشروع أنفسهم.

 

هل السؤال الحقيقي: لماذا ينتقدون صمود؟

إذا كان هو كذلك فالنقد حق مشروع.

أعتقد أن السؤال الحقيقي هو:

لماذا أصبحت الحاجة ملحة إلى مساواة صمود بتحالف تأسيس؟

ولماذا يجري الانتقال، دون أي دليل مؤسسي أو تنظيمي، من مجرد وجود اتصالات سياسية، أو تقاطع في بعض المواقف، أو المشاركة في مبادرات سلام، إلى الادعاء بوجود تحالف سري يجعل الطرفين كيانًا واحدًا؟.

الإجابة، كما سأحاول أن أوضح في المقال الثاني من هذه السلسلة، هي أن هذه ليست مجرد دعاية سياسية.

إنها مثال دراسي مكتمل الأركان لما يسميه علماء المنطق المعادلة الزائفة، وما يسميه علماء الأخلاق المعادلة الأخلاقية عندما تُستخدم هذه المغالطة لتوزيع المسؤولية الأخلاقية على غير مستحقيها.

وهذا هو السياق الذي ينبغي أن تُقرأ فيه الحملة الحالية لتصوير صمود بوصفه الوجه المدني لتحالف تأسيس.

 

خاتمة

 

المعادلات الزائفة لا تُشوّه الحقيقة لأنها تنكر الوقائع، بل لأنها تعيد ترتيبها في صورة تبدو متماسكة، بينما تقوم في جوهرها على إغفال الفروق التي تمنح الوقائع معناها الحقيقي.

ولهذا فإن الدفاع عن التفكير النقدي لا يبدأ بتبنّي موقف سياسي معين، وإنما يبدأ بالدفاع عن قواعد الاستدلال نفسها. فحين نُحسن المقارنة، نقترب من الحقيقة؛ وحين نُسيء المقارنة، لا يختل المنطق وحده، بل يصبح الضمير نفسه معرضًا للانحراف.

وهذه هي الخطوة الأولى قبل أي نقاش مسؤول حول الأخلاق أو السياسة أو العدالة. فالحقيقة لا تُشوَّه دائمًا بالكذب، وإنما كثيرًا ما تُشوَّه بالمقارنات الخاطئة التي تبدو، لأول وهلة، مقنعة، لكنها لا تصمد أمام اختبار المنطق. لإنه وفي آخر المطاف “التمر ما ببقى بصل”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *