حينما تتحدث الأرقام فلتصمت الأوهام (1 -4) .. الإجماع التاريخي ومفارقة خطاب الكراهية

لواء شرطة (م) د.عصام الدين عباس أحمد

مستشار تكنولوجيا المعلومات ونظم تحليل البيانات

 

من أبرز التحديات التي تميز الثقافة الشفاهية في السودان الميل إلى إطلاق الأحكام العامة والاستنتاجات المبنية على الرغبات والانطباعات الشخصية أكثر من اعتمادها على الأدلة العلمية. فكثيراً ما يبدأ أي نقاش حول قضية عامة بأرقام ونسب وإحصاءات تبدو للوهلة الأولى دقيقة في تأكيد على أن قوة الحجة لا تكتمل إلا إذا استندت إلى بيانات رقمية. غير أن هذه الأرقام، في كثير من الأحيان، لا تكون نتاجاً لدراسة منهجية، وإنما تستند إلى ملاحظات محدودة أو رغائبية أو تجارب شخصية لا تسمح بتعميم النتائج.

وقد سبق أن رويت في مقال سابق قصة أحد أقاربي الذي عاش معظم حياته في قريتنا ولم يغادرها إلا بعد أن أصبح كهلاً. وعندما زار مدينة بربر، التي لا تبعد سوى بضعة كيلومترات، عاد بانطباع عميق مفاده أن “الكون واسع”. لم يكن هذا الاستنتاج تعبيراً عن رغبة أو مبالغة، وإنما كان نتيجة طبيعية لمحدودية التجربة والبيانات التي امتلكها.

وهكذا كثيراً ما تتشكل تصوراتنا حول الواقع؛ إذ نبني أحكاماً عامة على نطاق ضيق من الخبرة، فتأتي استنتاجاتنا منحازة أو متطرفة، رغم حسن النية.

لهذا السبب، تظل الدراسات العلمية الميدانية الوسيلة الأكثر موثوقية لفهم اتجاهات الرأي العام، خصوصاً في القضايا الوطنية الكبرى.

 

ضربة البداية: عينة تمثل السودان

 

انطلاقاً من هذا المبدأ، أطلقت مجموعة المناصرة لأجل السلام ونداء سلام السودان دراسة ميدانية واسعة لاستطلاع تصورات السودانيين حول الحرب والسلام.

وكانت الخطوة الأولى تتمثل في اختيار عينة تمثل المجتمع السوداني بصورة علمية. لذلك روعي التوزيع الديموغرافي للسكان عبر الولايات الثماني عشرة، مع مراعاة النوع الاجتماعي، وحالة الإقامة (مستقرون، نازحون، لاجئون، مهاجرون)، والمستوى التعليمي، ومستوى الدخل، وحجم الأسرة، إلى جانب متغيرات ديموغرافية أخرى.

وبعد دراسة خصائص المجتمع المستهدف، خلص الخبراء المشرفون على الدراسة إلى أن العينة الطبقية العشوائية (Stratified Random Sample) هي الأنسب لضمان تمثيل مختلف الفئات السكانية بصورة متوازنة. كما خضع جامعو البيانات والمشرفون – وجميعهم من المتطوعين – لبرنامج تدريبي مكثف تناول منهجيات جمع البيانات، وأخلاقيات البحث الميداني، وأساليب الحد من التحيز أثناء المقابلات، بما يضمن أعلى درجات الموثوقية والحياد.

وفي ظل حرب دخلت عامها الرابع، حيث تتقاطع خطوط القتال مع أكبر موجات النزوح والانهيار الإنساني في تاريخ السودان الحديث، جاءت هذه الدراسة لتقدم صورة مختلفة عن المزاج العام للسودانيين.

شملت الدراسة 1686مشاركاً ومشاركة من مختلف الولايات، ومن الفئات العمرية والاجتماعية المتنوعة، إضافة إلى السودانيين في المهجر. وكانت النتيجة الأبرز أن السودانيين، رغم فداحة المعاناة، لم يفقدوا إيمانهم بإمكانية السلام، بل يطالبون به بصورة تكاد ترقى إلى مستوى الإجماع الوطني.

 

عندما تروي الأرقام قصة السلام

 

أظهرت نتائج الدراسة أن 93.2% من المشاركين يؤيدون السلام، وهي نسبة تمثل أحد أعلى مستويات التأييد التي يمكن تسجيلها في سياقات النزاعات المسلحة.

كما أبدى 74.3% تأييدهم لوقف فوري لإطلاق النار. ورغم أن هذه النسبة مرتفعة، فإنها تعني أيضاً أن نحو ربع المشاركين لا يزالون مترددين أو غير مقتنعين بجدوى الهدنة الفورية.

يعكس هذا التردد تأثير الخطاب الإعلامي السائد خلال سنوات الحرب، والذي غالباً ما صوّر اتفاقات وقف إطلاق النار باعتبارها فرصة تمنح أحد أطراف الصراع وقتاً لإعادة التموضع أو التقاط الأنفاس، بدلاً من النظر إليها كوسيلة إنسانية لحماية المدنيين وتهيئة البيئة المناسبة للحل السياسي. ومن هنا تبرز أهمية تطوير خطاب إعلامي يوضح الوظيفة الإنسانية والسياسية لوقف إطلاق النار، ويصحح المفاهيم الخاطئة المرتبطة به.

ومن أكثر النتائج إثارة للاهتمام العلاقة بين التعرض المباشر للحرب ومستوى دعم السلام. فقد أظهرت البيانات أن الأشخاص الذين تعرضوا بشكل مباشر لآثار الحرب – سواء بالنزوح أو الإصابة أو فقدان أحد أفراد الأسرة – كانوا أكثر تأييداً للسلام بفارق 12.5 نقطة مئوية مقارنة بغير المتضررين.

تشير هذه النتيجة إلى أن المعاناة المباشرة لا تؤدي بالضرورة إلى تعزيز نزعات الانتقام، بل قد تدفع كثيرين إلى البحث عن مخرج ينهي دوامة العنف.

وكان النازحون داخلياً الأكثر دعماً لوقف إطلاق النار بنسبة 77.3%، في حين سجل السودانيون المقيمون في الخارج أدنى مستويات التأييد 71.0%، وقد يكون ذلك مرتبطاً باختلاف طبيعة التجربة اليومية مع الحرب، وإن كانت هذه الفرضية تحتاج إلى مزيد من الدراسة

 

التباين الإقليمي

 

تكشف النتائج كذلك عن تفاوتات جغرافية لافتة. فقد بلغ تأييد وقف إطلاق النار 94.7% في ولاية وسط دارفور، و90.6% في جنوب كردفان، بينما انخفض إلى 57.1% في ولاية سنار، و57.4% في غرب كردفان.

لا يمكن تفسير هذه الفوارق بمجرد القرب أو البعد عن جبهات القتال، بل يبدو أنها تعكس اختلاف التجارب المحلية، وأنماط العنف التي شهدتها كل منطقة، وطبيعة السياقات الاجتماعية والسياسية التي عاشها السكان خلال الحرب.

 

الاستعداد للتنازل.. المحرك الأقوى

 

وعند تحليل البيانات إحصائياً باستخدام تقنيات التنبؤ والاستدلال، برز الاستعداد لتقديم التنازلات باعتباره أقوى المتغيرات المرتبطة بدعم وقف إطلاق النار، حيث بلغ حجم تأثيره وفق مؤشر كرامر (0.349). فمن أبدوا استعداداً مرتفعاً لتقديم تنازلات دعماً للتسوية السلمية، بلغت نسبة تأييدهم لوقف إطلاق النار 88.3%، مقابل 53.4% فقط بين غير المستعدين لذلك.

تشير هذه النتيجة إلى أن فرص نجاح أي عملية سلام لا تعتمد على الإرادة السياسية وحدها، بل ترتبط أيضاً بمدى استعداد المجتمع لتقبل التسويات التي تتطلب قدراً من التنازل المتبادل.

 

مفارقة خطاب الكراهية المذهلة

 

لعل أكثر النتائج إثارة للنقاش هي العلاقة بين التعرض لخطاب الكراهية والموقف من السلام. ففي الأدبيات العلمية، يُفترض عادة أن التعرض المستمر لخطابات الكراهية يؤدي إلى زيادة الاستقطاب والتشدد وتقويض فرص التسوية السلمية. إلا أن نتائج هذه الدراسة جاءت مختلفة.

فقد أظهر المشاركون الذين أفادوا بتعرضهم اليومي لخطاب الكراهية – ويمثلون 24% من العينة – مستويات أعلى من دعم السلام بلغت 71.8%، مقارنة بـ46.8% فقط بين الذين أفادوا بعدم تعرضهم لهذا النوع من الخطاب.

كما كشفت البيانات عن ارتباط إيجابي، وإن كان محدود القوة، بين التعرض لخطاب الكراهية والثقة بإمكانية تحقيق السلام (معامل ارتباط سبيرمان = 0.0868). لا يعني ذلك أن خطاب الكراهية يؤدي إلى السلام، فالدراسة تثبت وجود ارتباط إحصائي ولا تثبت علاقة سببية. إلا أن أحد التفسيرات المحتملة هو أن التعرض المستمر للخطاب المتطرف قد يجعل كثيراً من السودانيين أكثر إدراكاً للمخاطر التي يفرضها استمرار الانقسام المجتمعي، ومن ثم أكثر اقتناعاً بضرورة البحث عن مخرج سلمي يحول دون تفاقم الأزمة. وتظل هذه الفرضية بحاجة إلى دراسات نوعية أعمق لفهم دوافعها بصورة أدق.

 

الإعلام: السلطة الجديدة

 

تكشف الدراسة أيضاً عن الدور المتزايد للإعلام في تشكيل الرأي العام. فقد أظهرت النتائج أن 77.9% من المشاركين يعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على المعلومات، بينما يعتمد 40.5% على مصدر إعلامي واحد فقط.

تمنح هذه المؤشرات الإعلام قوة استثنائية في تشكيل المواقف العامة، سواء باتجاه التصعيد أو باتجاه بناء السلام. فقد أشارت النتائج إلى أن مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية المدنية أظهروا ميلاً أكبر لدعم السلام، وهو ما يفتح المجال أمام استثمار هذه المنصات في نشر خطاب يعزز الثقة، ويواجه المعلومات المضللة، ويدعم فرص التسوية السلمية.

 

الخلاصة

 

ترسم نتائج الدراسة صورة واضحة للمزاج العام في السودان. فهناك إرادة شعبية واسعة لإنهاء الحرب، ووعي متزايد بكلفة استمرارها، واستعداد ملحوظ لقبول التسويات التي تفضي إلى سلام مستدام.

وفي المقابل، تكشف النتائج أيضاً عن تفاوتات إقليمية واختلافات في تقييم آليات السلام، وهو ما يؤكد أن أي عملية تفاوضية ناجحة ينبغي أن تراعي خصوصية التجارب المحلية، وألا تقتصر على اتفاقات لتقاسم السلطة بين النخب السياسية والعسكرية.

فالسلام الذي يتطلع إليه السودانيون ليس مجرد اتفاق يوقف القتال مؤقتاً، بل عملية شاملة تعالج جذور الصراع، وتؤسس لدولة عادلة تتساوى فيها الحقوق والفرص، ويشعر جميع المواطنين بأنهم شركاء في مستقبلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *