الحقوق في زمن الحرب (2) .. الحق في الصحة.. حين تصبح المستشفيات ضحية للحرب

صفاء الزين

 

عندما تندلع الحروب، لا تتوقف خسائرها عند حدود المعارك والدمار المادي، وإنما تمتد إلى حياة الإنسان اليومية، وإلى الحقوق الأساسية التي تحفظ كرامته. ويأتي الحق في الصحة في مقدمة هذه الحقوق، لأنه يرتبط ارتباطًا مباشرًا بحق الإنسان في الحياة. فالمجتمعات لا تُقاس قدرتها على البقاء فقط بما تمتلكه من موارد أو مؤسسات، وإنما بقدرتها على حماية الإنسان عندما يكون في أضعف حالاته.

 

الصحة حق أصيل يرافق الإنسان في السلم والحرب. فالطفل يحتاج إلى التطعيم والرعاية منذ ولادته، والمرأة تحتاج إلى خدمات صحية آمنة، وكبار السن يحتاجون إلى العلاج المستمر، وأصحاب الأمراض المزمنة يعتمدون على توفر الدواء لحماية حياتهم. وعندما ينهار النظام الصحي، يصبح ملايين الأشخاص أمام مخاطر لا ترتبط بالمعارك وحدها، وإنما بغياب الرعاية التي يحتاجون إليها للبقاء.

 

وفي السودان، خلَّفت الحرب واقعًا قاسيًا على القطاع الصحي، حيث تعرضت مؤسسات صحية عديدة لضغوط هائلة، وخرجت مرافق طبية عن الخدمة، وتراجعت القدرة على توفير الأدوية والمستلزمات الأساسية، كما واجه العاملون في المجال الصحي ظروفًا بالغة الصعوبة أثناء أداء واجبهم. وأصبح الوصول إلى العلاج بالنسبة لكثير من المواطنين رحلة محفوفة بالمخاطر، خاصة في المناطق التي تأثرت بالنزاع بصورة مباشرة.

 

ولا تقف آثار الأزمة الصحية عند توقف المستشفيات أو نقص الخدمات العلاجية، وإنما تمتد إلى حياة الأسر والمجتمعات. فتعطل برامج التحصين يهدد الأطفال بالأمراض، ونقص خدمات رعاية الأمومة يضاعف المخاطر على النساء، وصعوبة الحصول على علاج الأمراض المزمنة تجعل آلاف المرضى يعيشون تحت ضغط يومي. وهكذا تتحول الحرب إلى أزمة إنسانية واسعة تؤثر في الحاضر وتهدد مستقبل أجيال كاملة.

 

وتزداد خطورة الوضع عندما تصبح المرافق الصحية نفسها في دائرة الخطر. فالمستشفى ليس مكانًا عاديًا، وإنما مساحة يفترض أن يجد فيها الإنسان الحماية والرعاية في أكثر لحظاته ضعفًا. والطبيب والممرض والمسعف يؤدون دورًا إنسانيًا يتجاوز كل الخلافات، لأن مهمتهم الأساسية هي إنقاذ الحياة وتخفيف الألم.

 

ولهذا منح القانون الدولي الإنساني حماية خاصة للمرافق الطبية والعاملين الصحيين أثناء النزاعات المسلحة، وأكد ضرورة احترام المنشآت الصحية وضمان وصول الخدمات الطبية إلى المدنيين. فالحرب لا تلغي حق الإنسان في العلاج، والمرض لا ينتظر انتهاء الصراع حتى يحصل صاحبه على الرعاية.

 

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في السودان، لأن القطاع الصحي كان يواجه تحديات كبيرة قبل اندلاع الحرب، ثم جاءت المواجهات لتضاعف الضغوط على المستشفيات والكوادر الطبية. فقد ارتفع عدد المحتاجين إلى العلاج، بينما تراجعت الموارد، وأصبح العاملون في الصحة مطالبين بأداء مهامهم في ظروف تستنزف طاقاتهم الجسدية والنفسية.

 

ولا تقتصر الأزمة على المدن الكبرى، فالمناطق الطرفية والريفية تواجه تحديات إضافية بسبب ضعف البنية الصحية، وبعد المسافات، وصعوبة النقل، ونقص الكوادر والمعدات. وفي مثل هذه الظروف قد يتحول المرض البسيط إلى خطر حقيقي بسبب تأخر العلاج أو صعوبة الوصول إليه.

 

إن الحق في الصحة لا يعني فقط وجود مستشفى أو طبيب، وإنما يعني وجود نظام قادر على حماية الإنسان وتوفير الرعاية له عندما يحتاج إليها. ولهذا فإن انهيار القطاع الصحي يمثل خسارة للمجتمع كله، لأنه يؤثر في التعليم والعمل والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي.

 

فالإنسان المريض يفقد جزءًا من قدرته على الإنتاج، والطفل الذي لا يحصل على الرعاية الصحية المناسبة تتأثر فرصه في التعلم، والأسرة التي تنفق معظم مواردها على العلاج تواجه أعباء اقتصادية إضافية. ومن هنا تصبح حماية الصحة جزءًا من حماية المجتمع نفسه، ومن حماية مستقبل السودان.

 

الإنسان بين المرض والجراح النفسية للحرب

 

ويمثل الوصول إلى العلاج أحد أكثر التحديات قسوة في أوقات النزاعات. فالأم التي تحمل طفلها المريض، والمريض الذي يحتاج إلى علاج منتظم، والمرأة التي تواجه مخاطر الحمل والولادة، جميعهم يصطدمون بعقبات تتجاوز المرض نفسه. فالبحث عن مستشفى يعمل، أو دواء متوفر، أو طبيب قادر على تقديم الرعاية، أصبح بالنسبة لكثير من السودانيين رحلة يومية تحمل معها القلق والخوف والمعاناة.

 

وتدفع الفئات الأكثر هشاشة الثمن الأكبر لانهيار الخدمات الصحية. فالأطفال يواجهون مخاطر سوء التغذية والأمراض التي يمكن الوقاية منها، والنساء يواجهن تحديات متزايدة بسبب ضعف خدمات الرعاية الصحية، بينما يعيش كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة أوضاعًا صعبة بسبب انقطاع العلاج أو ارتفاع تكلفته. وهذه المعاناة لا تظهر دائمًا في التقارير والأرقام، لكنها تعكس قصصًا إنسانية يعيشها المواطنون في تفاصيل حياتهم اليومية.

 

وفي مقدمة المتحملين لأعباء هذه الأزمة تأتي الكوادر الطبية التي واصلت أداء رسالتها في ظروف استثنائية. فالأطباء والممرضون والمسعفون يعملون وسط نقص المعدات والأدوية، وضغط الأعداد الكبيرة من المرضى، والمخاطر الأمنية التي تحيط بعملهم. ورغم هذه التحديات، ظل كثيرون منهم متمسكين بواجبهم المهني والإنساني، لأن إنقاذ حياة الإنسان يمثل جوهر رسالتهم.

 

لكن آثار الحرب لا تتوقف عند الجروح الجسدية، فهناك جراح أخرى غير مرئية تصيب المجتمع، وتتمثل في الأضرار النفسية التي خلفتها سنوات الصراع. فقد تعرض ملايين السودانيين لتجارب قاسية شملت فقدان الأحبة، والنزوح القسري، ومشاهدة العنف، وفقدان الاستقرار والأمان. وهذه التجارب تترك آثارًا عميقة تحتاج إلى رعاية متخصصة ودعم نفسي مستمر.

 

وتشكل الصحة النفسية جزءًا أساسيًا من الحق في الصحة، لأن الإنسان لا يتكون من جسد فقط، وإنما يحمل مشاعر وذاكرة وتجارب تؤثر في قدرته على مواصلة حياته. فالأطفال الذين عاشوا أجواء الحرب يحتاجون إلى الدعم لاستعادة شعورهم بالأمان، والأسر النازحة تحتاج إلى برامج تساعدها على تجاوز آثار الصدمات، والعاملون في المجال الصحي أنفسهم يحتاجون إلى مساندة بعد ما واجهوه من ضغوط متواصلة.

 

إن تجاهل الصحة النفسية يعني ترك جزء كبير من آثار الحرب دون معالجة. فالصدمات غير المعالجة قد تؤثر في العلاقات الاجتماعية، والتعليم، والإنتاج، وقدرة المجتمع على التعافي. لذلك فإن إعادة بناء النظام الصحي في السودان يجب أن تشمل خدمات الصحة النفسية والتأهيل المجتمعي إلى جانب العلاج الطبي، لأن التعافي الحقيقي يبدأ باستعادة عافية الإنسان جسدًا ونفسًا.

 

ومن جهة أخرى، تكشف أزمة القطاع الصحي العلاقة العميقة بين الصحة وبناء الدولة. فالدولة التي تحمي صحة مواطنيها تعزز ثقتهم بمؤسساتها، والدولة التي تهمل هذا الحق تواجه أزمات اجتماعية واقتصادية متزايدة. ولهذا فإن إصلاح النظام الصحي ينبغي أن يكون جزءًا من أي مشروع وطني لإعادة بناء السودان بعد الحرب.

 

وتقع مسؤولية حماية الحق في الصحة على عاتق مؤسسات الدولة، والمنظمات الإنسانية، والمجتمع المدني، وكل الجهات المعنية بالعمل الإنساني. فالمطلوب هو دعم المستشفيات، وتوفير الأدوية، وحماية الكوادر الطبية، وتوثيق الانتهاكات التي تطال المرافق الصحية، والعمل من أجل ضمان وصول الرعاية إلى كل المواطنين دون تمييز.

 

كما أن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية مهمة في مساندة الشعب السوداني خلال هذه المرحلة، عبر دعم البرامج الصحية، والمساهمة في إعادة تأهيل المؤسسات الطبية، وتوفير الاحتياجات العاجلة، ومساعدة الكوادر الصحية على الاستمرار في أداء دورها. فالأزمات الكبرى تحتاج إلى تضامن واسع، لأن حماية حياة الإنسان مسؤولية تتجاوز حدود الدول.

 

إن الصحة ليست ملفًا منفصلًا عن بقية قضايا السودان، وإنما هي أساس للاستقرار والتنمية والسلام. فلا يمكن لمجتمع أنهكته الحرب أن يستعيد عافيته بينما يظل مواطنوه محرومين من العلاج والرعاية. ومن هنا يصبح الدفاع عن الحق في الصحة دفاعًا عن حق السودان في التعافي، وعن حق أجياله القادمة في حياة أكثر أمنًا وكرامة.

 

إعادة بناء الصحة.. طريق نحو تعافي السودان

 

تثبت تجارب الشعوب التي خرجت من الحروب أن إعادة بناء الإنسان تسبق إعادة بناء المؤسسات والمباني. فالمستشفى الذي يستعيد عمله، والطبيب الذي يجد بيئة آمنة لأداء رسالته، والمريض الذي يحصل على العلاج في الوقت المناسب، كلها مؤشرات على عودة الدولة إلى ممارسة دورها الأساسي في حماية مواطنيها.

 

ولهذا فإن إعادة بناء القطاع الصحي في السودان تحتاج إلى رؤية وطنية شاملة تتعامل مع الصحة باعتبارها أولوية استراتيجية. فالمطلوب يتجاوز ترميم المنشآت أو توفير الأدوية بصورة مؤقتة، ليشمل تطوير نظام صحي قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين في المدن والأقاليم، وتأهيل الكوادر الطبية، وتحسين بيئة العمل، وتعزيز خدمات الرعاية الصحية الأولية التي تمثل خط الدفاع الأول عن صحة المجتمع.

 

كما أن العدالة في توزيع الخدمات الصحية يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من عملية إعادة البناء. فالمواطن في المناطق البعيدة يملك الحق نفسه في العلاج الذي يملكه المواطن في المدن الكبرى. وتوفير الخدمات الصحية في الأقاليم والقرى لا يمثل مسألة خدمية فقط، وإنما يعكس مفهوم الدولة العادلة التي تصل إلى جميع مواطنيها دون تمييز.

 

ولا يمكن تحقيق التعافي الصحي دون الاهتمام بالعاملين في القطاع الطبي. فالأطباء والممرضون والمسعفون يمثلون العمود الفقري لأي نظام صحي، وحمايتهم وتحسين أوضاعهم المهنية وتوفير بيئة عمل مناسبة لهم يمثل استثمارًا مباشرًا في مستقبل السودان. فالكوادر التي حافظت على استمرار الخدمة خلال أصعب الظروف تستحق التقدير والدعم، لأنها حملت مسؤولية إنسانية كبيرة في زمن عصيب.

 

وفي الوقت نفسه، تحتاج مرحلة ما بعد الحرب إلى برامج واسعة لمعالجة الآثار النفسية والاجتماعية للنزاع. فإعادة بناء المستشفيات لا تكفي وحدها إذا بقيت آثار الصدمات تلاحق ملايين الأشخاص. ولذلك يجب أن تكون خدمات الصحة النفسية جزءًا من خطط التعافي الوطني، وأن تتوفر برامج تساعد الأطفال والأسر والمجتمعات على استعادة التوازن والقدرة على بدء حياة جديدة.

 

كما ينبغي أن يكون احترام المرافق الصحية وحماية العاملين فيها جزءًا ثابتًا من ثقافة الدولة والمجتمع. فالمستشفى مكان للحياة، والطبيب رمز للإنقاذ، والدواء وسيلة لحماية الإنسان. وأي انتهاك لهذه المنظومة يمثل اعتداءً على حق أساسي من حقوق المواطنين، ويضاعف معاناة مجتمع أنهكته الحرب.

 

كما أن إعادة بناء القطاع الصحي لا تكتمل بالتركيز على العلاج وحده، وإنما تحتاج إلى تعزيز مفهوم الوقاية الصحية باعتباره أساسًا لحماية المجتمع. فالتطعيم، والتوعية الصحية، والكشف المبكر عن الأمراض، ودعم الرعاية الصحية الأولية، كلها أدوات تساعد على تقليل آثار الأزمات المستقبلية. كما أن استعادة ثقة المواطن في المؤسسات الصحية تمثل خطوة ضرورية نحو التعافي، لأن النظام الصحي القوي يقوم على علاقة متينة بين المجتمع ومقدمي الخدمة، وعلى شعور الإنسان بأن حقه في العلاج والرعاية محفوظ في كل الظروف.

 

إن السلام الحقيقي لا يُقاس فقط بتوقف أصوات البنادق، وإنما بقدرة الإنسان على العودة إلى حياته الطبيعية، والذهاب إلى المدرسة، والعمل، والحصول على العلاج عندما يحتاج إليه. فالمواطن الذي يجد مستشفى آمنًا وخدمة صحية محترمة يشعر بأن السلام أصبح واقعًا ملموسًا، وليس مجرد اتفاقات مكتوبة.

 

ومن هنا، فإن الحق في الصحة يجب أن يكون حاضرًا في أي مشروع سياسي أو اقتصادي لإعادة بناء السودان. فالدولة التي تستثمر في صحة مواطنيها تستثمر في قدرتها على النهوض، لأن الإنسان السليم هو القادر على التعلم والعمل والإبداع والمشاركة في صناعة المستقبل.

 

إن الدفاع عن الحق في الصحة هو دفاع عن كل طفل يحتاج إلى رعاية، وعن كل أم تبحث عن علاج آمن، وعن كل مريض ينتظر دواء يخفف ألمه، وعن كل طبيب وممرض ومسعف يواصلون أداء رسالتهم رغم الظروف القاسية. فحماية النظام الصحي تعني حماية الإنسان، وحماية الإنسان تعني حماية مستقبل الوطن.

 

السودان يحتاج اليوم إلى مشروع يعيد الاعتبار للحياة، ويضع كرامة المواطن في مقدمة الأولويات. فالمستشفيات التي تفتح أبوابها، والكوادر التي تجد الدعم، والخدمات التي تصل إلى الجميع، تمثل علامات على طريق التعافي واستعادة الدولة لدورها.

 

لا يكتمل السلام مع نظام صحي منهك، ولا يترسخ التعافي في وطن يخشى فيه الناس المرض كما يخشون الحرب. فالحق في الصحة هو حق في الحياة، وحماية الحياة هي الخطوة الأولى نحو سودان يستعيد عافيته، ويصون كرامة مواطنيه، ويبني مستقبلًا يقوم على العدالة والإنسانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *