بارا: المدينة التي يحررها “الموت” ويحتلها “الخراب”
بقلم: نجلاء نورين
بين إعلانات “التحرير” المتلاحقة، وزغاريد النصر الزائفة التي تطلقها الآلات الإعلامية المأجورة، تقف “بارا” المنكوبة اليوم شاهدة على عبثية حرب السودان ومآلاتها الكارثية. في بارا، سقطت الأقنعة تماماً عن مصطلح “التحرير”؛ فلم تعد له دلالة وطنية أو قيمة أخلاقية. فكلما دخلها طرف احتفل بـ”النصر” فوق أشلاء المدنيين، وكلما طرده الآخر أعلن “تطهيرها” وسط أنقاض ما تبقى من حياة! والحقيقة الوحيدة التي تعلو فوق غبار المعارك هي أن بارا لا تعرف الطرفين إلا كوجهين لعملة واحدة من اللا مسؤولية والانتهاكات، حيث صار المواطن هو الضحية الدائمة في صراعٍ “لا ناقة له فيه ولا جمل”.
قبل الخامس عشر من أبريل، كانت بارا مدينةً وادعة، خضراء بجنائنها التي تسر الناظرين، غنية بأهلها الطيبين، وفخيمة بتاريخها الضارب في القدم كمركز للإشعاع المعرفي والتجاري. لم تكن تعرف المشاهد العسكرية أو تدنس شوارعها فوهات بنادقهم اللعينة، لكن الجغرافيا السياسية التي فرضتها خارطة الحرب اللئيمة حوّلتها من مركز علمي وتجاري إلى “مغنم” استراتيجي يتصارع عليه جنرالات السلطة.
منذ التوغل الأول لقوات “الدعم السريع” في يونيو 2023، انفتحت أبواب الجحيم على مصراعيها؛ بدأت رحلة الشتات والنزوح المريرة، وهجرها أهلها قسراً، ولم يبقَ فيها إلا كبار السن، والذين خانتهم قواهم الجسدية أو ضاقت بهم السبل المادية، ليجدوا أنفسهم وجهاً لوجه مع آلات قتل لا ترحم، لا تميز بين من يحمل كتاباً ومن يحمل بندقية، وبين من يطلب الستر ومن يطلب التمكين.
وتكررت المأساة بملامح سريالية تقشعر لها الأبدان؛ فحين استعاد الجيش المدينة في أكتوبر الماضي، خرج من تبقى من سكانها بعفوية صادقة للاحتفال، ظناً منهم أن كابوس الانتهاكات قد انقضى للأبد، وأن شمس الأمان قد أشرقت من جديد. لكن الفرح في سودان ما بعد 15 أبريل أصبح “جريمة” عقوبتها الإعدام الميداني. لم تمر أيام حتى عاد “الجنجويد” ليعلنوا “تحريرها” من جديد، فشرعوا في حملة انتقام وحشية طالت كل من ظهر في مقاطع فيديو الاحتفالات، بذريعة “دعم الخصم”. في هذه الحرب، يُحصَد السودانيون كالجراد بتهمة “الدعم” و”التعاون”، بينما الواقع المر يؤكد أن المواطن هو “العدو المشترك” الوحيد لطرفي النزاع، وهو الهدف السهل الوحيد لتصفية الحسابات السياسية والميدانية!
ويبلغ نفاق المنافي ذروته عندما يهلل داعمو الحرب وأبواقها من خلف شاشاتهم الدافئة في عواصم الخليج ومصر والمنافي البعيدة، بينما يعيش السوداني في الداخل جحيماً لا يوصف. المحتفلون في الخارج، الذين ضمنوا نجاة أنفسهم وذويهم، يدركون تماماً أن “وقود” هذه المحرقة هم المكلومون داخل المدن المحاصرة، ومع ذلك لا تجد إنسانيتهم حرجاً في مباركة ضياع البلاد والعباد ثمناً لانتصارات وهمية يشجعونها من بعيد، كأنها مباراة كرة قدم وليست دماءً تسيل وأعراضاً تُستباح. ولا عجب، فهذه هي الملامح الأبشع للحرب الأهلية: أن تتبخر عرى الأخوَّة في الوطن، ويصبح موت “الآخر” مجرد رقم في عداد الانتصارات السياسية المتوهَّمة، وتتحول جثث الأبرياء إلى قرابين في معبد السلطة.
مع الدخول الأخير للجيش ومسانديه، انكشف وجه بارا الأكثر وجعاً؛ شوارع تعج بجثث بقيت لشهور تنهشها الكلاب الضالة والغربان، في مشهد يعكس سقوط القيم الإنسانية تحت أقدام العسكر. والمثير للاشمئزاز هو “سخاء” ماكيناتهم الإعلامية في المتاجرة بدماء هؤلاء الضحايا؛ فكل طرف يعرض أشلاء الأبرياء نكاية في الخصم أو طلباً لاستعطاف دولي، وكأن دماء السودانيين لم تعد لها حرمة إلا في سوق المزايدات السياسية.
وفي قلب هذا الخراب، فُجع أهل بارا بالعثور على جثة الشابة التقية “أمل محمد موسى” وابنها حافظ القرآن “محمد طارق ضو البيت”، ليُسدل الستار على انتظار مؤلم لأسرتهما بوجع لا يندمل. وغصة المدينة الكبرى لا زالت تكمن في مصير الأستاذ “النذير فرح سليمان”؛ ذلك الطود الشامخ الذي أضاء ليل بارا بمصابيح العلم، وخرّج أجيالاً رفعت اسم المدينة عالياً في المحافل. إن غياب “النذير” منذ أكتوبر الماضي هو اغتيالٌ للرمزية الأخلاقية التي مثلها في وجدان طلابه ومحبيه. لقد غاب الرجل الذي كان يرى في القلم سيفاً، وفي المعرفة حربة، ليترك مكانه فارغاً موحشاً يملؤه أزيز الرصاص وصمت القبور. إن اختفاءه هو الإدانة الكبرى لهذه الحرب التي تستهدف العقل قبل الجسد، والمنارة قبل المتراس.
إن ما يحدث في بارا ليس “تحريراً” كما يزعمون، بل هو “احتلال الخراب” واستيطان الموت. إن الطرفين يتصارعان اليوم على أطلال مدينة، ويحاولان حكم شعب لم يبقَ منه سوى الأنين والحسرات.
لكن، ليسمع الطغاة والجنرالات: إن المدن التي تُبنى على أشلاء الضحايا الأبرياء لا تسكنها إلا اللعنات، وإن الانتصارات المتوهمة لن تصبح حقيقة. ولن تُحرر بارا بتبادل المواقع بين بندقية وأخرى، بل ستتحرر حين يدرك السودانيون أن عدوهم الأول هو “عقلية الغنيمة” التي تحول الوطن إلى إقطاعية عسكرية. وستبقى دماء الأبرياء ديناً في أعناق القتلة، وعدالة السماء وإن أبطأت، فإنها لا تُخطئ القصاص ممن جعلوا من بيوتنا مقابر، ومن أحلامنا رماداً.