الموت والاغتصاب يطاردهن في كل الأوقات

نساء وفتيات مدينة الأُبَيِّضِ بين (مطرقة) المسيرات و(سندان) العنف الجنسي

 

الأبيض: (ديسمبر)

 

تواجه النساء والفتيات في مدينة الأُبَيِّض بشمال كردفان مخاطر بالغة تشمل العنف الجنسي، هجمات الطائرات المسيرة ونقص الخدمات الأساسية. وبحسب بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة والمفوض السامي لشؤون الإنسان فولكر تورك تحصلت (ديسمبر) على نسخة منها، تعيش المدنيات من النساء والفتيات في وضع إنساني متدهور للغاية جراء الحصار والقتال المستمر، في ظل انعدام أي وقت أو مساحة آمنة لهن في هذه المدينة التي تشهد حصاراً منذ 18 شهراً، حيث تقع النساء والفتيات تحت وطأة تهديد مزدوج ومحاصرتهن بخيارين كليهما مميت أثناء محاولتهن الحصول على أبسط مقومات الحياة وهو مياه الشرب النظيفة. ويتمثل هذا التهديد المزدوج في المخاطرة بالموت تحت قصف الطائرات المسيّرة نهاراً، أو المخاطرة بالتعرض لانتهاكات واعتداءات جنسية جسيمة ليلاً، لمجرد محاولتهن الحصول على شريان الحياة الأساسي وهو الماء.

 

الطائرات المسيرة نهاراً والعنف الجنسي ليلاً

 

وأعربت هيئة الأمم المتحدة للمرأة عن بالغ قلقها إزاء النمط المتصاعد من العنف ضد النساء والفتيات في مدينة الأُبَيِّضِ، حيث أدت هجمات الطائرات المسيرة خلال ساعات النهار والعنف الجنسي أثناء الليل إلى انعدام أي فترة آمنة تستطيع فيها النساء والفتيات جلب المياه، مشيرة إلى ان هذا المشهد يعكس الفظائع التي جرى توثيقها في مدينة الفاشر خلال العام الماضي، وذكرت في بيانها الصادر يوم الجمعة الماضي أن الوصول إلى الغذاء والرعاية الصحية وغيرها من الخدمات الأساسية يشهد تقييداً شديداً، لا سيما في مواقع النزوح ومع اقتراب موسم الأمطار من ذروته في شهر أغسطس المقبل، مبينة أن أهمية توفير مياه مأمونة تزداد للحد من مخاطر الأمراض المنقولة بالمياه والتي قد تكون قاتلة، وضربت مثلاً بوباء الكوليرا الذي بدأ بالفعل في الانتشار في السودان حيث سجلت منظمة الصحة العالمية (1,330) حالة مطلع شهر يوليو الجاري، فضلاً عن تضافر سوء التغذية الذي يضعف الجهاز المناعي ويشكل مصدر قلق متزايد بين النساء والفتيات في ظل محدودية الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية.

 

سلاح العنف الجنسي

 

وتشير هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أنها استمعت إلى إفادات من نساء وفتيات في مدينة الأُبَيِّضِ تفيد بأن الضربات التي تنفذها الطائرات المسيّرة، والتي تستهدف مصادر المياه ونقاط توزيعها خلال ساعات النهار، تجبرهن على الانتظار حتى حلول الظلام لجلب المياه، إذ يعتقدن أن الظلام يوفر لهن قدراً من الحماية من الهجمات الجوية، إلا أنهن يتعرضن أثناء ذلك للتحرش والاغتصاب وغيرهما من أشكال العنف الجنسي، بينما يحاولن الحصول على المياه، وهي من أبسط مقومات الحياة وحق أساسي من حقوق الإنسان. وأوضحت الهيئة أن العنف الجنسي استُخدم كسلاح طوال سنوات الحرب الثلاث في السودان، ليصبح أحد أبرز سماتها وأكثرها فظاعة. وتُظهر بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن عدد النساء والفتيات المحتاجات إلى خدمات الاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي قد تضاعف أربع مرات منذ اندلاع النزاع، ليصل إلى نحو (12.7) مليون امرأة وفتاة في عام 2026، وتُعَدّ المنظمات النسائية المحلية، بدعم من هيئة الأمم المتحدة للمرأة، شرياناً حيوياً للاستجابة الإنسانية في السودان، إذ تصل في كثير من الأحيان إلى مجتمعات يتعذر على غيرها الوصول إليها، وتقدم دعماً بالغ الأهمية للنساء والفتيات. إلا أن خدمات هذه المنظمات وفقاً لبيان الهيئة تأثرت بصورة كبيرة بسبب التخفيضات في التمويل الإنساني، وذكرت أن ثلثي المنظمات النسائية التي شملها استطلاع أجرته هيئة الأمم المتحدة للمرأة في السودان أفادت بأن المساحات الآمنة وخدمات التصدي للعنف القائم على النوع الاجتماعي قد أُغلقت أو تقلصت بشكل كبير في مجتمعاتها، كما أشارت نصف هذه المنظمات إلى أنها ستضطر إلى تعليق أنشطتها أو الإغلاق الكامل خلال العام المقبل ما لم تحصل على دعم مالي عاجل.

 

وقف فوري للحرب

 

‎وجددت الهيئة الأممية الخاصة بالنساء في بيانها دعوتها إلى وقف فوري لإطلاق النار، بما يمهد الطريق أمام محادثات سلام شاملة تنهي الحرب. كما دعت إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة ومن دون عوائق، والاحترام الكامل لأحكام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وتوفير الحماية للنساء والفتيات، وضرورة مساءلة مرتكبي الانتهاكات، وضمان حصول الناجيات على العدالة وعلى خدمات دعم شاملة ومتكاملة.

وأكدت على ضرورة إشراك النساء بصورة كاملة وآمنة وفاعلة في عمليات السلام، وصنع القرار الإنساني، وجهود التعافي وإعادة البناء، كما شددت على أهمية زيادة الاستثمار في المنظمات التي تقودها النساء، مبينة أن هذه المنظمات لا تزال تمثل أحد آخر خطوط الدعم والحماية للنساء والفتيات في مختلف أنحاء السودان. وأشارت الهيئة إلى أن هجمات المسيرات التي تشنها قوات الدعم السريع على مدينة الأُبَيِّضِ ومحيطها تصاعدت منذ شهر يونيو الماضي، مستهدفة مدارس وسوقاً ومحطات وقود ومصادر للمياه ومحطة الكهرباء الرئيسية، ما أدى إلى اضطراب الخدمات، وفق منظمة أطباء بلا حدود. وأعربت هيئة الأمم المتحدة للمرأة في بيانها عن بالغ قلقها إزاء ما وصفته بـ”النمط المتصاعد من العنف ضد النساء والفتيات” في الأُبَيِّضِ، وأضافت أن الوصول إلى الغذاء والرعاية الصحية وغيرها من الخدمات الأساسية بات مقيداً بشدة، ولا سيما في مواقع النزوح.

 

بعثة تقصي الحقائق

 

‎وكان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قد اعتمد في السادس من يوليو الجاري قراراً دون تصويت، كلّف بموجبه بعثة تقصي الحقائق المستقلة بشأن السودان بإجراء تحقيق عاجل في انتهاكات وتجاوزات محتملة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني في الأُبَيِّضِ ومحيطها، فيما حذرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في 11 مايو   الماضي من تصاعد استخدام المسيّرات المسلحة في السودان، وقالت إن ضرباتها تسببت في مقتل ما لا يقل عن 880 مدنياً بين يناير وأبريل 2026، بما يزيد على 80 بالمئة من إجمالي الوفيات المدنية المرتبطة بالنزاع خلال تلك الفترة، ومنذ 25 أكتوبر 2025 تصاعد القتال في ولايات إقليم كردفان الثلاث (شمال وغرب وجنوب)، بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين ونزوح مئات الآلاف.

‎ وقال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إن المدنيين في مدينة الأُبَيِّضِ يعيشون منذ 18 شهراً في ظروف تشبه الحصار،

‎مع نقص حاد في مياه الشرب النظيفة وتعرضهم المستمر لهجمات بالطائرات المسيرة، محذراً من تكرار الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها مدينة الفاشر في ولاية شمال دارفور العام الماضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *