أماني أبو سليم
لو عاد أحد أجدادنا قبل قرنين، وجلس بيننا اليوم، فربما استعصى عليه أن يفهم كيف يمكن للعالم أن يبطئ إيقاعه لأن اثنين وعشرين رجلاً يركضون خلف كرة. سيبدو له الأمر لغزاً يستحق الدراسة أكثر من المباراة نفسها. كيف تحولت لعبة كان الصبية يمارسونها في الأزقة والميادين، يحددون مرماها بحجرين، ويختلفون على احتساب الأهداف، إلى صناعة تتجاوز ميزانياتها اقتصادات دول، وتستدعي الرؤساء والمستثمرين، وتحرك أسواق المال والإعلام؟
المثير في القصة ليس كرة القدم نفسها، بل الرجال الذين أحبوها. فقد نجحوا في منح لعبة بسيطة ما تمنحه الحضارات عادة للأفكار الكبرى، تاريخاً، ورموزاً، وألواناً، وأناشيد، وأساطير، واتحادات، وبطولات، وأرقاماً وإحصاءات، ثم أقنعوا العالم كله بأن متابعة كل ذلك ليس مجرد هواية، بل شأن يستحق الوقت والمال والانفعال.
فاللعبة لم تتغير كثيراً عبر العقود، لكن الحكاية التي نسجها الرجال حولها كبرت حتى أصبحت أهم من الكرة نفسها. مباراة تستغرق تسعين دقيقة، يسبقها أسبوع من التحليلات، ويتبعها أسبوع آخر من الجدل، وكأن العالم لا يزال يبحث عن تفسير لتمريرة ضائعة أو قرار تسلل في الدقيقة الثالثة والسبعين.
كانت البداية بسيطة؛ مجموعة من الصبية، وكرة، وحجران يؤديان وظيفة المرمى. ثم جاء الفريق، فالنادي، فالدوري المحلي، ثم البطولات القارية، ثم كأس العالم. ومع كل خطوة، لم تكن الكرة هي التي تكبر، بل الحكاية التي بناها الرجال حولها. لم يطوروا اللعبة فقط، بل صنعوا لها تاريخاً، وجمهوراً، وطقوساً، وأغانيَ، وألواناً، ومتاحف، وقاعات شرف، واستديوهات تحليل، وخبراء يختلفون لساعات حول لمسة يد لم تستغرق ثانية واحدة.
ولأن الرجال لا يعرفون أنصاف الحلول، لم يكتفوا بتحويل كرة القدم إلى بطولة عالمية، بل قرروا أن يجعلوا أبطالها من أغلى الرياضيين في العالم. فأصبحت الأندية ترصد مئات الملايين للفوز بتوقيع لاعب واحد، ولم تعد قيمة اللاعب تُقاس بعدد أهدافه فقط، بل بعدد القمصان التي يبيعها، والمشاهدات التي يجلبها، والرعاة الذين يستقطبهم. ولم يعد انتقال لاعب مجرد خبر رياضي، بل حدثاً عالمياً تتصدر أخباره نشرات الأخبار، وتُكتب حوله مئات التحليلات، وتترقبه جماهير بالملايين. لقد أتقن الرجال تحويل الشغف إلى صناعة، واللعبة إلى واحدة من أكثر الصناعات ربحاً وتأثيراً في العالم.
ورغم كل هذه المليارات، تبقى الصورة في نهايتها شديدة البساطة، رجل يجلس أمام شاشة، يؤجل موعد العشاء، وتؤخر الأسرة زيارتها، وربما ينتظر إصلاح عطل في البيت حتى تنتهي المباراة، لأن “الشوط الثاني بدأ”. وكأن كل شيء في الحياة يمكنه الانتظار.. إلا صافرة الحكم.
ولعل أكثر ما يدعو إلى الابتسام أن الرجل الذي قد ينظر إلى ساعة كاملة تقضيها امرأة في اختيار فستان، أو تنسيق حقيبة، أو تجربة أحمر شفاه جديد، باعتبارها مبالغة لا مبرر لها، هو نفسه القادر على قضاء أسبوع كامل يناقش ما إذا كان المدرب أخطأ حين أشرك الجناح الأيسر في الدقيقة السابعة والستين بدلاً من الثانية والستين.
وهو نفسه الذي يطالب الجميع بالصمت عند تنفيذ ركلة جزاء، ويعتبر إلغاء هدف بداعي التسلل قضية تستحق الجدل، ثم يجلس ساعات أمام الاستديو التحليلي يناقش رجلاً ركل الكرة، ورجلاً آخر حاول منعه من ركلها، وحكماً احتسبها، وآخر يرى أنه كان يجب ألا يحتسبها.
ربما لم يخترع الرجال كرة القدم، لكنهم بالتأكيد اخترعوا كل ما جعل العالم يعتقد أنها أكبر من مجرد لعبة. فمن مرمى رسمه حجران في آخر الشارع، صنعوا بطولة تتوقف لها الأعمال، وتمتلئ بها الفنادق، وتتحرك بسببها المليارات، ويتابعها نصف سكان الأرض. لم تكبر كرة القدم لأن الكرة كبرت، بل لأن الرجال كبروا الحكاية التي تدور حولها.
وبعد كل هذا.. إذا أخبرت امرأة زوجها أنها احتاجت ساعة لتختار الحذاء المناسب لفستانها، فغالباً سيبتسم ساخرًا من “تفاهة” الأمر… قبل أن يعود ليكمل الحلقة الرابعة من برنامج يحلل لماذا لم يمرر اللاعب الكرة إلى زميله قبل ثلاثة أيام.