وليد عنبوور
لم تعد العقوبات الدولية الأخيرة مجرد رسائل سياسية موجهة إلى قادة الحرب، فقد أصبحت جزءاً من محاولة لإعادة تشكيل البيئة التي يقوم عليها الصراع نفسه، حيث يظهر تتابع الإجراءات الأمريكية والبريطانية والأوروبية انتقالاً واضحاً من استهداف الأشخاص إلى استهداف البنية الاقتصادية والأمنية واللوجستية التي تمد اقتصاد الحرب بعوامل البقاء، مما يعكس اتجاهاً غربياً نحو استهداف البنية المنتجة للحرب أكثر من الاقتصار على معاقبة الأفراد. وهو اتجاه يبدو متصلاً بانسداد أفق الحل السياسي كما عكسته إحاطات المبعوث الأمريكي لمجلس الأمن التي تضمنت انتقادات متكررة لمواقف الأطراف المتحاربة مع تركيز متزايد على مسؤولية قيادة سلطة بورتسودان عن تعثر مسارات التهدئة، في ظل قناعة غربية متنامية بأن الضغط على البنية المنتجة للحرب قد يكون أكثر فاعلية من الاكتفاء باستهداف الأفراد. ومن هذه الزاوية يمكن فهم العقوبات الهيكلية المركبة بوصفها نمطاً جديداً من الضغوط يستهدف شبكات التمويل والإمداد والحماية التي يقوم عليها اقتصاد الحرب، وينقل العقوبات من إطار معاقبة مسؤولين بعينهم إلى التأثير في البيئة التي تسمح باستمرار الصراع وإعادة إنتاجه.
يُقصد بالعقوبات الهيكلية المركبة ذلك النمط من الضغوط الذي يستهدف بصورة متزامنة مصادر التمويل وشبكات الإمداد والغطاء القانوني والسياسي والقدرة على الحركة الاقتصادية والدبلوماسية، بما يؤدي إلى التأثير في البيئة التي ينتج داخلها اقتصاد الحرب أكثر من الاقتصار على معاقبة شخصيات بعينها. وتزداد أهمية هذا النمط عندما تصبح شبكات التمويل والحماية والموارد جزءاً من البنية التي تمنح أطراف الصراع القدرة على الاستمرار، فتغدو إعادة تشكيل هذه البيئة هدفاً موازياً للضغط السياسي والعسكري، لأن الصراعات الممتدة لا تستمر بفعل العمليات العسكرية وحدها، فهي تستمر عبر منظومة اقتصادية وأمنية تعيد إنتاج الموارد والولاءات بصورة مستمرة، وكلما تعرضت هذه المنظومة لضغوط متراكمة تراجعت قدرة أطراف الحرب على المحافظة على تماسكها وإدارة تحالفاتها.
تجفيف الذهب وصدمة الحواضن المالية
جاءت العقوبات البريطانية الأخيرة وما تبعها من إجراءات أوروبية استهدفت شركات التعدين الحكومية مثل “أرياب” و”سودامين” و”أم درمان” ومسارات تصدير الذهب، كمحاولة منسقة لتعطيل محركات التمويل الذاتي بعدما اعتمدت السلطة على الموارد الطبيعية لتعويض تراجع الإيرادات الضريبية والجمركية وخروج معظم الإنتاج الحيواني والزراعي، ومع مرور الوقت تحول قطاع الذهب إلى قاعدة لإعادة إنتاج النفوذ، لأن السيطرة على منافذ التصدير تمنح قدرة على تمويل شبكات الولاء خارج مؤسسات الدولة.
يرجَّح أن يؤدي استهداف شركات التعدين وحظر بعض مدخلات الإنتاج إلى تقليص القدرة العسكرية للسلطة وإضعاف ثقة شبكات المصالح المرتبطة بهذا الاقتصاد الموازي، مما يحد من قدرتها على تمويل الولاءات السياسية والقبلية التي تتطلب تدفقات مالية متواصلة يصعب على الخزينة العامة توفيرها مع اتساع الجبهات وانهيار الأوضاع الاقتصادية. ويمتد أثر هذه العقوبات إلى العلاقات الخارجية لبورتسودان لتضييق المنافذ وتقليص أدوات المناورة الاقتصادية، وإضعاف القدرة على الوفاء بالالتزامات تجاه بعض الشركاء، لأن الذهب أصبح أحد أعمدة النفوذ والسيادة المالية التي يستند إليها استمرار الحرب.
توجد أيضاً إشكالية قطاع التعدين الأهلي الذي يعتمد عليه ملايين المواطنين، إذ يمكن أن يقود حظر الزئبق والسيانيد إلى تعطيل جانب واسع من هذا النشاط، ونقل آثار الضغوط الاقتصادية من مؤسسات السلطة إلى المجتمع، مما يضاعف الضغوط الاجتماعية والاقتصادية مع غياب البدائل، ويخلق حالة من الرفض الشعبي لهذه الظروف الناشئة بسبب الحرب.
الملف الكيميائي وإعادة تعريف شرعية السلطة
دخول العقوبات الأمريكية حيز التنفيذ بموجب قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية تصعيد سياسي وقانوني جديد في مسار الضغوط على معسكر بورتسودان. ولا يقتصر أثر هذه الإجراءات على تقييد سلاسل توريد المواد ذات الاستخدام المزدوج، إذ يمتد إلى فرض توصيف قانوني يضع سلطة بورتسودان أمام مواجهة معقدة مع الهيئات الدولية وفي مقدمتها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مما يقلِّص ما تبقى من أوراقها الدبلوماسية ويدخلها في مسار متدرج لنزع شرعية الأمر الواقع التي اكتسبتها بفعل السيطرة على مؤسسات الدولة وموقعها الاستراتيجي.
تشير طبيعة هذه الحزمة إلى انتقال الضغوط من استهداف الموارد الاقتصادية إلى التأثير في شرعية السلطة نفسها، لأن إدراج مؤسسات جديدة تحت لافتة الأسلحة الكيميائية يدفع الفاعلين الدوليين إلى إعادة تقييم موقع المعسكر والانتقال من التعامل معه بوصفه سلطة تدير أزمة داخلية إلى طرف يواجه اتهامات تمس الأمن والسلم الدوليين، وهو تحول يمكن أن يقود إلى تضييق مساحة الحركة السياسية أمام قيادة الجيش، ويجعل مشروع إعادة إنتاج السلطة بعد الحرب أكثر تعقيداً وعزلة.
ارتداد الضغط وتعميق تشظي المعسكر الداخلي
المرجح أن يقود الإطباق الخارجي إلى تعميق الضغوط على الجبهة الداخلية لمعسكر بورتسودان وزيادة الفجوة داخل تحالفات الحرب. فكلما تقلصت الموارد المتاحة لإدارة التحالف ازدادت صعوبة الحفاظ على تماسكه السياسي والعسكري. إذ يتبلور الاستقطاب بين تيار يسعى إلى الحفاظ على المؤسسة عبر تسوية سياسية تجنِّب الجيش كلفة الاستنزاف، وتيار المواجهة الصفرية الذي يتمسك بالانغلاق ورفض التسوية.
في قلب هذه المعادلة تقع معضلة الكيانات الآيديولوجية وحلفاء النظام المخلوع، فهم الأكثر تضرراً من أي ترتيبات تتضمن تفكيك المليشيات، ومن المرجح أن يتجه بعض أطرافها إلى التشدد وإفشال أي مسار تفاوضي يقوده الجناح الواقعي داخل الجيش، فرضاً لوقائع ميدانية تتحدى قرارات القيادة العسكرية وتحد من قدرتها على فرض الانضباط على جميع القوى المتحالفة معها. كما أن محاولات المواصلة في الحرب والانفتاح على محاور قتالية جديدة في كردفان من بعض الأطراف داخل سلطة بورتسودان تزيد من تعقيد الحلول، فهي توسع رقعة الاشتباك وتخلق حقائق ميدانية جديدة تصعب معها أي عودة إلى طاولة التفاوض.
يمكن النظر إلى بعض الأحداث الميدانية الأخيرة، مثل فوضى السلاح وتحدي السلطات القضائية والاعتداء على مقار المحاكم وتصاعد الخطابات ذات الطابع الإثني، بوصفها مؤشرات على اتساع هامش حركة بعض المجموعات المسلحة الموازية وتراجع قدرة المركز على ضبطها أو احتواء قراراتها بصورة كاملة، وهذا اتجاه يقود تدريجياً إلى إضعاف تماسك جبهة بورتسودان، ويعكس تنامي التباين بين القيادة المركزية وبعض القوى التي راكمت نفوذاً ميدانياً واقتصادياً خلال سنوات الحرب.
تفكك احتكار القوة وتعدد مراكز القرار
تفاعل هذه العقوبات الهيكلية المركبة مع التطورات الداخلية يظهر تحولاً أعمق يتمثل في تآكل احتكار العنف المشروع. إذ دفعت الحرب المؤسسة العسكرية إلى الاستعانة بحركات مسلحة سابقة وكتائب عقائدية ومجموعات قبلية لتعويض النقص البشري، مما أنتج واقعاً معقداً بتشظي مركز القرار الأمني والعسكري، ومنح هذه التشكيلات هامشاً أوسع للتأثير وفقاً لحساباتها ومصالحها، كما أنتج اقتصاداً موازياً للدولة تتقاطع داخله المصالح العسكرية والاقتصادية والسياسية.
تضيف العقوبات الدولية بُعداً آخر لهذا المشهد. فانكماش الموارد يقلل قدرة القيادة المركزية في بورتسودان على تمويل الحركات الحليفة، مما يدفع بعض هذه القوى إلى البحث عن مصادر تمويل ذاتية عبر فرض الرسوم على طرق التجارة والسيطرة على المعابر والموارد المحلية، في مسار يعزز ظاهرة أمراء الحرب ويجعل التحالف العسكري أكثر عرضة للتنافس على الموارد المحدودة.
يفرض هذا الواقع تحديات إضافية أمام أي عملية سياسية، لأن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار لا يعني التزام جميع التشكيلات المسلحة بتنفيذه إذا امتلك بعضها هامشاً واسعاً من القرار الميداني. وعلى هذا الأساس تمثل العقوبات الهيكلية أداة لإضعاف البنية التي أعادت إنتاج تعدد مراكز القوة خلال الحرب، وتراجع الموارد يضع شبكات النفوذ الموازية تحت ضغوط تدفعها إلى إعادة حساباتها.
فعالية هذا المسار تظل مرتبطة بقدرته على الحد من مرونة اقتصاد الحرب في التكيف مع الضغوط الخارجية، لأن الشبكات التي نشأت خلال سنوات الصراع لا تعتمد على المؤسسات الرسمية وحدها، فقد طورت قنوات بديلة للتمويل عبر التهريب والشركات الواجهة والأسواق غير النظامية والعلاقات الاقتصادية العابرة للحدود، مما يمنحها قدرة على امتصاص جزء من آثار العقوبات وإعادة توزيع أنشطتها بصورة تقلل من خسائرها. ولهذا يرتبط نجاح العقوبات بوجود مسار سياسي ومؤسسي موازٍ يعيد بناء مؤسسات الدولة، ويستعيد الرقابة على الموارد والمعابر والأسواق، لأن إضعاف مصادر التمويل دون استعادة مؤسسات الدولة قد يدفع بعض مراكز القوة إلى البحث عن موارد جديدة خارج الأطر الرسمية، بما يفضي إلى انتقال اقتصاد الحرب من صورة مركزية إلى شبكات أكثر تشتتاً واستقلالاً، ويطيل دورة الصراع ويجعل تفكيكها أكثر تعقيداً.
لا يقف أثر هذه التحولات عند حدود الميدان، فهو يتسع ليشمل مسارات التفاوض نفسها، لأن الضغوط الاقتصادية لا تنتج استجابة واحدة لدى جميع أطراف الصراع، فهي تعيد ترتيب حسابات كل طرف وفقاً لطبيعة مصالحه وموقعه داخل اقتصاد الحرب. فالقوى التي ترى في المؤسسة العسكرية إطاراً دائماً للدولة قد تصبح أكثر ميلاً إلى البحث عن تسوية تخفض كلفة الاستنزاف وتحافظ على تماسكها المؤسسي. بينما تميل القوى، التي ارتبط نفوذها السياسي والعسكري باستمرار اقتصاد الحرب، إلى مقاومة أي ترتيبات تهدد مصادر تمويلها أو تقلص استقلاليتها. وبهذا المعنى تمتد آثار العقوبات إلى إعادة توزيع موازين التأثير داخل المعسكرات المتحاربة، من خلال رفع كلفة استمرار الحرب بالنسبة لبعض الفاعلين مقابل دفع أطراف أخرى إلى التشدد خشية فقدان الامتيازات التي راكمتها خلال سنوات الصراع.
مآلات المواجهة وسيناريوهات التأسيس البديل
تقف سلطة بورتسودان اليوم أمام واقع هيكلي معقد. فالأدوات التي استخدمتها لإدارة الحرب وبناء تحالفاتها الداخلية، مثل غض الطرف عن تنامي الكيانات المسلحة الموازية والاعتماد على اقتصاد الموارد غير المنظم، تحولت تدريجياً إلى مكامن ضعف تستهدفها الضغوط الدولية، ولم يعد الحصار يقتصر على إجراءات يمكن الالتفاف عليها، بل يتجه بصورة أوضح إلى استهداف البنية المؤسسية والمالية التي تمنح المعسكر القدرة على الاستمرار. ويعزز دخول العقوبات الأمريكية بعد العقوبات البريطانية والأوروبية هذا المسار، مما يشير إلى أن الضغوط الغربية باتت تتحرك على مسارين متكاملين، هما تجفيف مصادر التمويل وإعادة تشكيل بيئة الشرعية السياسية والقانونية.
تتراوح الخيارات أمام معسكر بورتسودان بين مسارين، الأول هو استثمار هذه الضغوط لإعادة ترتيب بنيته الداخلية عبر مقاربة أكثر واقعية تنتهي إلى تسوية سياسية تعيد بناء المؤسسة العسكرية على أسس مهنية، وتعيد دمج أدوات القوة داخل هيكل الدولة، وتستعيد وحدة القرار الأمني. والثاني هو الاستمرار في إدارة الصراع بالأدوات نفسها، وهو مسار يقود إلى اتساع نفوذ مراكز القوة المسلحة وتزايد استقلاليتها وتحولها تدريجياً إلى فاعلين يمتلكون مصالح خاصة قد لا تتطابق مع أهداف القيادة المركزية أو مع متطلبات إعادة بناء الدولة. وبين المسارين تلوح احتمالية ثالثة لا تقل تعقيداً، هي الاستمرار في حرب محدودة الموارد ومتوسطة الكثافة يحافظ فيها كل طرف على مناطق نفوذه، ويتحول الصراع إلى حالة مستقرة من اللادولة.
مسار العقوبات خلال الفترة الأخيرة يظهر أن المجتمع الدولي لم يعد ينظر إلى الحرب السودانية باعتبارها أزمة يمكن احتواؤها عبر الضغوط الدبلوماسية وحدها، فقد أخذت أدوات الضغط تتجه بصورة متزايدة نحو استهداف البنية الاقتصادية والمؤسسية التي أعادت إنتاج الحرب، في تحول يعكس إدراكاً متنامياً بأن استمرار شبكات التمويل والاقتصاد الموازي يسمح بإعادة إنتاج الصراع حتى إذا تراجعت العمليات العسكرية. ولهذا يرتبط نجاح أي تسوية مستقبلية بقدرتها على تفكيك المنظومة التي جعلت الحرب قابلة للاستمرار، واستعادة احتكار الدولة للموارد العامة، وإخضاع النشاط الاقتصادي المرتبط بالنزاع لسلطة القانون والمؤسسات.
يبقى المخرَج الأكثر استدامة مرهوناً بالاعتراف بكلفة الحرب والانتقال إلى مشروع تأسيسي جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والسلاح والموارد، ويؤسس لمؤسسة عسكرية مهنية واحدة تحتكر استخدام القوة وفق القانون وخاضعة للسلطة المدنية، وتضع نهاية لاقتصاديات الحرب ومراكز النفوذ الموازية التي أسهمت في إضعاف مؤسسات الدولة وتعميق الأزمة السودانية.
وتشير طبيعة الضغوط الدولية الحالية إلى أن مستقبل أي سلطة سيتحدد بقدرتها على استعادة الشرعية المؤسسية وإخضاع الموارد العامة لسلطة الدولة وإنهاء البنى الاقتصادية والأمنية التي جعلت الحرب قابلة لإعادة الإنتاج، بقدر ارتباطه بقدرتها على إدارة العمليات العسكرية. ولذلك سيظل مستقبل السودان مرتبطاً بقدرة أي سلطة قادمة على إعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة احتكارها المشروع للقوة والموارد، باعتبارهما الشرط الأساسي لإنهاء اقتصاد الحرب ومنع تشكل مراكز نفوذ موازية في المستقبل.