لواء شرطة (م) د.عصام الدين عباس أحمد
مستشار تكنولوجيا المعلومات ونظم تحليل البيانات
تشهد العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في هذه الأيام من شهر يونيو 2026 لقاءات مكثفة مع كثير من القوى السياسية والمدنية السودانية تقودها مجموعة الخماسية المكونة من الاتحاد الأفريقي، الإيقاد، الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، سعياً لإحداث اختراق في الأزمة السودانية الممتدة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
وبينما تتباين التوقعات حول إمكانية التوصل إلى تفاهمات جديدة تفتح الباب أمام عملية سياسية تنهي الحرب وتعيد الاستقرار إلى البلاد، يبرز سؤال جوهري حول مدى قدرة هذه الجهود على التعامل مع واقع سوداني بالغ التعقيد، تشكلت ملامحه بفعل الانقسامات وتباعد المواقف وسيطرة المصالح داخل القوى المدنية. فقبل الحديث عن فرص أي تسوية سياسية أو إمكانية نجاح المبادرات الإقليمية والدولية، يصبح من الضروري سبر غور مواقف الفاعلين المدنيين في السودان، ودراسة ديناميكيات المشهد السياسي وتقييم جهود الوسطاء لابتدار عملية سياسية تفضي إلى حل ينهي هذه الأزمة.
المشهد بين التقارب والانقسام
مؤخراً دخل السودان مرحلة جديدة من الاستقطاب السياسي والمجتمعي الحاد، انعكست بصورة مباشرة على القوى المدنية التي قادت ثورة ديسمبر وأسهمت في إسقاط نظام الإسلامويين. فالقوى التي توحدت يوماً تحت مظلة الحرية والتغيير لم تعد ذلك الكيان المتماسك المدعوم بحاضنة شعبية وثورية واسعة، بل أصبحت ساحة لانقسامات وتباينات حادة حول الموقف من الحرب وكيفية إدارة المرحلة الانتقالية.
لم يكن هذا الانقسام وليد الحرب وحدها، بل بدأت إرهاصاته قبل اندلاعها، خاصة بعد توقيع اتفاق جوبا للسلام في العام 2020، وبرز للسطح بجلاء بعد انقلاب أكتوبر 2021 الذي أعاد المؤسسة العسكرية إلى صدارة المشهد السياسي. ومع اندلاع الحرب تحولت الخلافات السياسية إلى مواقف متطرفة بين القوى المدنية، حيث تبنت الحرية والتغيير المجلس المركزي – التي تطورت لاحقاً إلى تنسيقية القوى المدنية “تقدم” – رفض الحرب ودعت إلى الحل السلمي، بينما انحازت الحرية والتغيير – الكتلة الديموقراطية إلى جانب الجيش.
خريطة القوى السياسية الجديدة
تقف مجموعة “صمود” – التي نشأت عقب انقسام تنسيقية “تقدم” – في مقدمة الكيانات السياسية ذات الوزن الحقيقي على المستويين الداخلي والخارجي. فقد تمسك تحالف “صمود” بخطاب يدعو إلى إنهاء الحرب واستعادة المسار المدني الديمقراطي، مع التأكيد على ضرورة الوصول إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الصراع وتعيد بناء مؤسسات الدولة. تضم المجموعة عدداً من الأحزاب والتنظيمات والشخصيات التي ترفض الحل العسكري للأزمة السودانية وتدعو إلى وقفها فوراً والعودة إلى ما قبل أكتوبر 2021.
في المقابل، برز تحالف “تأسيس” – الذي ارتبط سياسياً بالإدارة المدنية التي أُعلنت في نيالا- ويضم قوى سياسية وحركات مسلحة وشخصيات ترى أن الأزمة السودانية تتطلب إعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة. يواجه هذا التيار انتقادات واسعة بسبب اصطفافه الواضح إلى جانب قوات الدعم السريع، الأمر الذي يحد من فرص قبوله لدى قطاعات واسعة من الرأي العام السوداني.
أما في المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة الانقلاب، فتتقدم الحرية والتغيير -الكتلة الديمقراطية بوصفها إحدى أهم الحواضن السياسية الداعمة للجيش والحسم العسكري، والتي سبق أن نادت صراحة بتدخل المؤسسة العسكرية للاستيلاء على السلطة في 2021، وحينما نشبت الحرب انخرطت فيها حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان عسكرياً، وهما من أكبر مكونات الكتلة الديموقراطية. تضم الكتلة الي جانب حركتي العدل والمساواة وتحرير السودان بعض من الأحزاب والقوى السياسية التي عارضت هيمنة قوى الحرية والتغيير المجلس المركزي خلال الفترة الانتقالية، وتتبنى رؤية تمنح المؤسسة العسكرية دوراً محورياً في إدارة المرحلة الراهنة.
وأخيراً، وبصورة تدعو للدهشة، ظهر ما سمي بـ”تنسيقية القوى المدنية” ككيان مدني مكافئ للكتل الأخرى، بل ووجهت إليه دعوة رسمية للانخراط في التفاوض من قبل الخماسية. هذا الكيان ما يزال في مرحلة التخلق الأوّلي وإن كانت تصريحات مؤسسه تتحدث عن توجّهٍ نحو العمل العسكري وأن قوة تتبع له يجري تدريبها، كما أوضح، في إحدى دول الجوار. تشير التسريبات إلى وقوف حكومة الانقلاب في خلقه كبديل لحاضنتهم المدنية لتحقيق نوع من التوازن السياسي في مواجهة التحالفات الأخرى خاصة، وربما لم تكن الحكومة على رضاً من تحركات الكتلة الديموقراطية التي توصف بأنها بدأت تقترب بعض الشيء من بقية القوى المدنية الرافضة للحرب.
المجتمع المدني بين التسييس والانقسام
لم تقتصر الانقسامات على الأحزاب والتحالفات والقوى السياسية، بل امتدت إلى فضاء المجتمع المدني السوداني نفسه. فقد شهدت البلاد خلال الأعوام الماضية تكاثراً أميبياً للأجسام المدنية والمهنية والقاعدية، حتى أصبح من الصعب تحديد الجهة التي تمثل المجتمع المدني بصورة حقيقية.
فلكل كتلة سياسية تقريباً لجان مقاومتها، وتنظيماتها المهنية والنقابية، وإداراتها الأهلية التي تتبنى خطابها السياسي. أدى هذا الواقع إلى تراجع استقلالية المجتمع المدني وتحوله في كثير من الأحيان إلى امتداد للصراع السياسي القائم، حيث يسعى كل طرف إلى بناء أجسام مدنية تمنحه شرعية إضافية وتدعم روايته للأحداث.
وبدلاً من أن يكون المجتمع المدني جسراً للحوار والتوافق الوطني، أصبح في كثير من الأحيان انعكاساً للاستقطاب السياسي والعسكري الذي تعيشه البلاد، الأمر الذي أضعف قدرته على لعب دور الوسيط أو الحاضنة الوطنية الجامعة.
الخماسية بين الإنجاز والانحياز
في موازاة الانقسامات الداخلية، تتواصل جهود الآلية الخماسية والشركاء الإقليميين والدوليين، وعلى رأسهم الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيقاد، لدفع العملية السياسية نحو تفاهمات تفضي إلى إنهاء الحرب.
غير أن هذه الجهود تبدو في كثير من الأحيان متعجلة في سعيها للإعلان عن اختراقات سياسية أو تفاهمات جديدة، رغم أن الوقائع على الأرض تشير إلى هشاشة أي اتفاق لا يستند إلى توافق وطني واسع. ويعزز هذا التشكيك سجل طويل من الاتفاقيات التي رعتها جهات إقليمية ودولية ولم تصمد أمام اختبار الواقع، مثل اتفاقيات أنجمينا وأبوجا والدوحة وغيرها من الاتفاقات التي صيغت بعناية لكنها انتهت بتقاسم للسلطة بين الفرقاء ثم انهارت أو فقدت فعاليتها قبل أن تحقق أهدافها الأساسية.
تواجه الخماسية تحدياً إضافياً يتمثل في اتهامها بالانحياز إلى أحد أطراف الصراع. فالسودان يعيش الآن واقع غير مسبوق، حيث توجد عملياً سلطتان متنافستان، لكل منهما مؤسساتها العسكرية والسياسية والإدارية وأجهزتها الأمنية وقوانينها وترتيباتها الاقتصادية الخاصة، كما أن الكتلة السكانية السودانية أصبحت موزعة بينهما، ما يجعل أي تسوية سياسية تتجاهل هذا الواقع معرضة للفشل منذ البداية.
الطريق إلى الأمام
رغم تعقيدات المشهد، فإن فرص الخروج من الأزمة لا تزال قائمة، إذا ما جرى التركيز على بناء توافق وطني واسع يتجاوز الاستقطاب الحالي. ويتمثل المدخل الأكثر واقعية في دعم قيام جبهة مدنية موحدة تجمع مختلف القوى المؤمنة بوحدة السودان وسلامة أراضيه، وتعمل على التوافق حول القضايا الوطنية الكبرى بدلاً من الانشغال بالخلافات التكتيكية والمصالح الذاتية.
ينبغي أن تركز هذه الجبهة على القضايا المؤسسة للدولة السودانية، مثل وحدة السودان أرضاً وشعباً، ونظام الحكم والسلطة، وقضايا الهوية الوطنية، والمواطنة المتساوية بلا تمييز، والتوافق حول القضايا الخلافية مثل توزيع الثروة بين الأقاليم المختلفة، وعلاقة الدين بالدولة، والمظالم التاريخية، والعدالة الانتقالية وعدم الإفلات من العقاب.
في هذا السياق يمكن البناء على إعلان المبادئ الذي تم التوصل إليه في نيروبي مؤخراً، مع توسيع دائرة المشاركة ليشمل قوى سياسية ومدنية أخرى وشخصيات قومية من خلفيات مختلفة دون السقوط في مستنقع الإغراق، وتتوج الجهود بمؤتمر سوداني جامع يعلن من خلاله قيام هذه الجبهة الوطنية ويقر المبادئ المتوافق عليها كأساس لأي عملية سياسية مستقبلية. إذا كانت الخماسية راغبة وجادة في الوصول إلى سلام مستدام ومؤسس فيمكنها البناء على ما تم في نيروبي والنظر إلى القضايا وليس الكيانات والأشخاص.
إن نجاح جهود الرباعية والخماسية يتطلب التحرر من المقاربات التقليدية التي تركز حصراً على التعامل مع الحكومة المعترف بها دولياً، والانتقال إلى فهم أكثر عمقاً لتعقيدات الواقع السوداني الحالي. فالحرب أفرزت حقائق سياسية وإدارية واجتماعية جديدة لا يمكن تجاوزها أو تجاهلها، وأي مسار سياسي جاد يجب أن ينطلق من الاعتراف بهذه التعقيدات والعمل على معالجتها ضمن إطار وطني شامل.
إن السودان اليوم بحاجة إلى مشروع وطني جامع أكثر من حاجته إلى اتفاق سياسي جديد. فالاتفاقات يمكن توقيعها في أيام أو أسابيع، لكن بناء التوافق الوطني الحقيقي يتطلب إرادة سياسية وشجاعة فكرية واستعداداً لتقديم التنازلات من جميع الأطراف. ومن دون ذلك سيظل المشهد المدني منقسماً، وستبقى فرص السلام والاستقرار رهينة لحسابات القوى المتصارعة، بدلاً من أن تكون معبرة عن تطلعات السودانيين إلى دولة مستقرة وعادلة وديمقراطية.