مبدأ “مسؤولية الحماية” (R2P): السودان كحالة اختبار للضمير العالمي

إعادة تعريف السيادة من “حق مطلق في السيطرة” إلى “مسؤولية عن حماية السكان”

خاص: (ديسمبر)

 

أعادت الحرب المدمرة في السودان، بما صاحبها من فظائع وانتهاكات واسعة ومأساة إنسانية غير مسبوقة، طرح سؤال جوهري حول مدى جدية التزام المجتمع الدولي بمبدأ “مسؤولية الحماية” (Responsibility to Protect – R2P).. فبينما ينزلق السودان إلى هاوية التفكك والفوضى، يتبدى التناقض الفاضح بين التعهدات الأخلاقية والقانونية المرتبطة بهذا المبدأ وبين الواقع العملي؛ حيث يكتفي العالم غالباً ببيانات القلق والإدانة، فيما يُترك المدنيون لمصير قاسٍ من القتل والجوع والنزوح.

لقد جرى تقديم R2P بوصفه تعهداً جماعياً بألّا يقف العالم متفرجاً مرة أخرى أمام الإبادة الجماعية والجرائم الفظيعة، وأن تتحمل الدول مسؤولية مزدوجة:

  • أولاً: مسؤولية الدولة نفسها عن حماية سكانها.
  • ثانياً: مسؤولية المجتمع الدولي عن التحرك عندما تفشل الدولة أو تتقاعس عن أداء هذا الواجب.

اليوم، يضع السودان هذا المبدأ أمام اختبار قاسٍ: هل ستبقى “مسؤولية الحماية” شعاراً أخلاقياً معلقاً في الوثائق الأممية؟، أم إطاراً عملياً ملزماً يتحرك على أساسه المجتمع الدولي لحماية المدنيين من الفظائع الجماعية؟.

 

نشأة وتطور مبدأ مسؤولية الحماية

انبثق مفهوم “مسؤولية الحماية” من شعور عالمي بالإخفاق والخزي عقب الفشل المروع في منع الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، ومجزرة سربرنيتسا في البوسنة عام 1995. هاتان المأساتان كشفتا ثغرة خطيرة في منظومة الأمن والقانون الدوليين: السيادة تُستخدم أحياناً كـ”درع” يحول دون التدخل لحماية المدنيين، حتى عندما تتحول الدولة نفسها إلى طرف في الجريمة أو تتقاعس كلياً عن حماية شعبها.

في هذا السياق، طرح الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك كوفي عنان في تقريره “نحن الشعوب” سؤالاً صارخاً:

إذا كان “التدخل الإنساني” يُعتبر اعتداءً غير مقبول على السيادة، فكيف ينبغي للمجتمع الدولي أن يرد على رواندا وسربرنيتسا وسائر الانتهاكات الجسيمة التي تهين إنسانيتنا المشتركة؟.

رداً على هذه المعضلة، أُنشئت “اللجنة الدولية المعنية بالتدخل وسيادة الدول”(ICISS)  عام 2001، وقدمت تقريراً مفصلياً بعنوان “مسؤولية الحماية”. أعاد التقرير تعريف السيادة من “حق مطلق في السيطرة” إلى “مسؤولية في المقام الأول عن حماية السكان”. وبلور التزاماً ثنائياً واضحاً:

  • الدولة تتحمل المسؤولية الأساسية عن حماية سكانها من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية.
  • وإذا فشلت أو لم تكن راغبة أو قادرة على ذلك، تنتقل إلى المجتمع الدولي مسؤولية متبقية لاتخاذ إجراءات مناسبة لوقف الفظائع وحماية المدنيين.

 

في قمة الأمم المتحدة العالمية عام 2005، حصل هذا الإطار على تأييد غير مسبوق عندما تبنت جميع الدول الأعضاء – بالإجماع – الفقرتين 138 و139 من الوثيقة الختامية، اللتين كرستا مبدأ “مسؤولية الحماية” في الخطاب والمعيار الدولي. وفي عام 2009، قدّم الأمين العام بان كي مون استراتيجية “الأركان الثلاثة” لتفعيل المبدأ:

  1. الركيزة الأولى – مسؤولية الدولة: حماية السكان من الجرائم الأربع: الإبادة الجماعية- جرائم الحرب- التطهير العرقي- والجرائم ضد الإنسانية.
  2. الركيزة الثانية – المساعدة الدولية وبناء القدرات: مساعدة الدول على الوفاء بالتزاماتها عن طريق الدعم الفني والاقتصادي والسياسي، وتعزيز القدرة على الوقاية من النزاعات والانتهاكات.
  3. الركيزة الثالثة – الاستجابة في الوقت المناسب وبشكل حاسم: عندما تفشل الدولة بوضوح في حماية سكانها، يجب أن يكون المجتمع الدولي مستعداً لاتخاذ إجراءات جماعية وفق ميثاق الأمم المتحدة، تبدأ بالتدابير الدبلوماسية والإنسانية، وقد تصل – كملاذ أخير وبقرار من مجلس الأمن – إلى العقوبات والتدابير العسكرية.

منذ ذلك الحين، أصبح مبدأR2P  إطاراً معيارياً مرجعياً في النقاشات حول الأزمات الكبرى – من دارفور إلى ليبيا وسوريا وميانمار – لكنه ظل يتأرجح بين طموح أخلاقي عالٍ وواقع سياسي معطّل.

 

السودان من منظور مسؤولية الحماية

تقدم الحرب الحالية في السودان واحدة من أكثر الحالات وضوحاً وصرامة لتطبيق مبدأ “مسؤولية الحماية”. فمنذ اندلاع القتال في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، غرقت البلاد في كارثة إنسانية وأمنية مركبة. الاتهامات الموجهة للطرفين لا تقتصر على انتهاكات “معتادة” زمن الحرب، بل تشمل نمطاً واسعاً من الفظائع:

  • عمليات قتل واستهداف على أساس إثني، خصوصاً في دارفور ومدن الغرب.
  • عنف جنسي ممنهج يُستخدم كأداة إذلال ورعب جماعي.
  • استخدام متعمد للتجويع والحصار كسلاح حرب عبر منع وصول الغذاء والدواء والمساعدات.
  • هجمات واسعة النطاق على البنية التحتية المدنية بما في ذلك المستشفيات ومرافق المياه والكهرباء.

مع بقاء ملايين المدنيين محاصرين في مناطق قتال، ونزوح ما يقارب 13 مليون شخص، واحتياج عشرات الملايين إلى المساعدة للبقاء على قيد الحياة، باتت الدولة السودانية – المنقسمة والمتحاربة – عاجزة فعلياً عن القيام بأبسط واجبات الركيزة الأولى: حماية مواطنيها من الفظائع الجماعية. بل إن بعض مؤسساتها الأمنية أصبحت طرفاً فاعلاً في تلك الفظائع.

تحذيرات كبار المسؤولين الأمميين من “لحظة إبادة جماعية” تلوح في الأفق في بعض المناطق ليست مبالغة خطابية، بل تعبير عن خطورة نمط العنف القائم وتكرار مشاهد دارفور قبل عقدين بصورة أكثر قسوة واتساعاً.

 

قابلية تطبيق R2P على الحالة السودانية

من الناحية المعيارية، تنطبق شروط مبدأ “مسؤولية الحماية” على السودان بوضوح:

  • هناك جرائم خطيرة واسعة النطاق تنتمي إلى الفئات الأربع التي يشملها المبدأ.
  • الدولة فشلت بشكل واضح في حماية سكانها، بل إن مؤسساتها العسكرية منخرطة في النزاع ومرتبطة بانتهاكات جسيمة.
  • المدنيون يتعرضون لتهديد وجودي لا يمكن معالجته بآليات داخلية فقط.

لكن المعضلة ليست في النصوص بل في التطبيق. فالمبدأ يقوم على “مسؤولية المجتمع الدولي” التي تمر عملياً عبر مجلس الأمن، حيث تتقاطع المصالح الجيوسياسية للدول دائمة العضوية. وتجربة ليبيا عام 2011 ما زالت ماثلة، حين تحوّل تدخل مفوَّض -تحت مظلة R2P – من حماية المدنيين إلى عملية تغيير النظام. وبذلك خلَّفت شعوراً عميقاً بالشك لدى دول مثل روسيا والصين، والتي باتت ترى في R2P أحياناً غطاءً للتدخل الغربي الانتقائي.

هذا الإرث جعل مجلس الأمن أكثر تردداً في تبني إجراءات حاسمة تحت مظلة “مسؤولية الحماية” في أزمات لاحقة، كما حدث في سوريا وميانمار. وها هو يتكرر الآن في السودان: الجرائم تتصاعد، والعتبة القانونية والأخلاقية تحققت منذ زمن، لكن شلل الإرادة السياسية يعطل الانتقال من “القلق العميق” إلى “العمل الحاسم”.

 

ما الذي يمكن أن يقدمه مبدأ “مسؤولية الحماية” عملياً للسودان؟

رغم كل القيود السياسية، لا يزال مبدأ “مسؤولية الحماية” يوفر إطاراً للعمل إذا توفرت الإرادة. وهو لا يعني تلقائياً التدخل العسكري، بل يطرح طيفاً واسعاً من الأدوات:

  1. أدوات الركيزة الثانية: المساعدة والوقاية

حتى في ظل غياب توافق على إجراءات قسرية، يمكن للمجتمع الدولي – بل يجب عليه – أن يتحرك بقوة في مجالات الوقاية والدعم، من ذلك:

  • دعم دول الجوار التي تتحمل عبء استقبال اللاجئين السودانيين، بمساعدات مالية ولوجستية وتمويل طويل الأجل.
  • تعزيز قدرات منظمات المجتمع المدني السودانية والشبكات المحلية التي تعمل على حماية المدنيين وتوثيق الانتهاكات وتقديم الخدمات الأساسية.
  • استخدام الأدوات الدبلوماسية (الوساطة، الضغوط، المساعي الحميدة) لدفع الأطراف نحو وقف إطلاق النار وحماية الممرات الإنسانية.
  • فرض عقوبات مستهدفة (تجميد أصول، حظر سفر) على الأفراد والكيانات المتورطة في الفظائع، وعلى الجهات الخارجية التي تزوّد أطراف النزاع بالسلاح والمال.

هذه الإجراءات ليست بديلاً كاملاً عن الاستجابة الحاسمة، لكنها جزء جوهري من تفعيل R2P في سياق يرفض التدخل العسكري أو يتعذر فيه التوافق عليه.

 

  1. أدوات الركيزة الثالثة: الاستجابة الحاسمة

عندما تفشل الدولة بوضوح في حماية سكانها، كما هو الحال في السودان، تنتقل المسؤولية المتبقية إلى المجتمع الدولي. من الناحية النظرية، تشمل خيارات الركيزة الثالثة:

  • حظر شامل على السلاح: فرض حظر دولي دقيق وفعال على توريد الأسلحة والذخائر لكل أطراف النزاع، مصحوباً بآلية رقابة ومحاسبة للدول والوسطاء الذين يواصلون التسليح سراً.
  • تدخل إنساني غير عسكري: إنشاء ممرات إنسانية آمنة بضمانات دولية، وربما بمرافقة مراقبين دوليين أو قوات حماية غير قتالية، لضمان وصول المساعدات إلى المدن والمناطق المحاصرة.
  • التدخل العسكري كملاذ أخير: وهو خيار بالغ الحساسية وذو كلفة عالية، في ضوء دروس ليبيا والعراق وأفغانستان واحتمال تفاقم الفوضى في منطقة هشة أصلاً. إن أي تحرك من هذا النوع يحتاج تفويضاً واضحاً من مجلس الأمن مع أهداف محددة زمنياً وسياسياً وآليات خروج واضحة؛ وهي شروط تبدو بعيدة المنال في السياق الحالي.

 

النتيجة العملية أن أغلب ما يمكن تحريكه اليوم في إطار R2P في السودان يقع في نطاق العقوبات وحظر السلاح ودعم الجهود الإنسانية والحقوقية والضغط على الأطراف الإقليمية المتورطة في تغذية الحرب. ومع ذلك، فإن تفعيل هذه الأدوات بجدية يمكن أن يغير كلفة استمرار الحرب ويحد من قدرة الأطراف على ارتكاب فظائع جديدة.

 

السودان كاختبار لمصداقية مبدأ مسؤولية الحماية

تكشف الأزمة السودانية عن مفارقة قاسية:

كل عناصر تطبيق مبدأ “مسؤولية الحماية” متوافرة – من طبيعة الجرائم إلى فشل الدولة – لكن الترجمة العملية ما تزال ضعيفة ومترددة. وهذا يطرح أسئلة أعمق حول مستقبل المبدأ نفسه:

  • هل سيظل R2P أداة انتقائية تُفعَّل عندما تتطابق المصلحة السياسية مع المعيار الأخلاقي، وتُهمَل عندما تتعارض مع حسابات القوة والتحالفات؟.
  • أم يمكن تطوير آليات تقلل من “ابتزاز الفيتو” في مجلس الأمن، وتمنح الجمعيات العامة والمنظمات الإقليمية دوراً أكبر عندما يفشل المجلس في التحرك؟.

إن السودان لا يختبر فقط نصوصR2P، بل يختبر صدقية الالتزام العالمي بحماية الإنسان بوصفه قيمة فوق حسابات النفوذ. فالإبقاء على الدعم السريع وغيره من التشكيلات المسلحة كقوى موازية للدولة – مع غض الطرف عن رعاتها الخارجيين – لا يهدد فقط وحدة السودان، بل يقوّض أي رؤية لأمن مستدام في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي بأسره.

وحتى لا تصبح “مسؤولية الحماية” مجرد وعد أخلاقي غير منجز، يحتاج المجتمع الدولي إلى:

  • إرادة سياسية لتجاوز شلل مجلس الأمن حيثما أمكن، وتقييد استخدام الفيتو في قضايا الفظائع الجماعية.
  • حزم حقيقي في فرض حظر السلاح وملاحقة الممولين الإقليميين والدوليين للحرب.
  • توسيع دائرة الفاعلين، بما في ذلك الاتحاد الأفريقي والإيقاد والجامعة العربية، في إدارة استجابة جماعية تتجاوز البيانات الرمزية.
  • دعم جاد وطويل الأمد للقوى المدنية السودانية التي تسعى إلى بناء دولة تستند إلى المواطنة وسيادة القانون، لا إلى موازين السلاح.

إن معاناة السودانيين لا تحتاج مزيداً من بيانات “القلق العميق”؛ بل تحتاج أفعالاً ملموسة، في الوقت المناسب وبطريقة حاسمة، تعيد الاعتبار لجوهر المبدأ: أن حماية الإنسان، عندما يفشل الداخل، تصبح مسؤولية مشتركة لا يجوز التخلي عنها. عندها فقط يمكن القول إن مبدأ “مسؤولية الحماية” لم يُولد عبثاً، وأن السودان لم يكن مجرد صفحة أخرى تُضاف إلى سجل الوعود المنكوثة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *