على اتساع البحر، ورغم رهبته، قد لا يراه بعضهم أكثر من فاصلٍ بين الحياة التي يعيشها، والحياة التي يتخيلها. ولهذا يقف شاب على شاطئ سبتة، يعرف أن احتمال الغرق ليس وهمًا، ومع ذلك يقرر العبور.
قد تبدو هذه محاولة للوصول إلى أوروبا، لكنها ربما تخفي سؤالًا أكبر من البحر نفسه: ما الذي يجعل إنسانًا يرى في احتمال الموت فرصة تستحق المحاولة؟
ولماذا تكون الوجهة، في الغالب، أوروبا أو أمريكا الشمالية؟ لماذا لا تتجه مثل هذه المغامرات إلى أماكن أخرى؟ هل لأنها أغنى؟ أم لأنها تحولت، في المخيلة الإنسانية، إلى رمز لحياة مختلفة؟
وربما لم تصنع هذه الصورة تجارب المهاجرين وحدها، بل صنعها أيضًا عالم أصبح مفتوحًا على شاشة صغيرة.
فاليوم يقارن الإنسان حياته بحياة آخرين في أقصى الأرض، ويرى كيف يتعلمون، ويعملون، ويعيشون. فهل غيّرت هذه المقارنات ما ينتظره الإنسان من المكان الذي ينتمي إليه؟.
وربما لا يكون البحر هو ما هزم خوف الإنسان، بل ما سبقه من شعور بأن ما ينتظره في وطنه لم يعد يكفي ليتمسك بالبقاء.
لكن ماذا يبحث هناك؟ هل يبحث عن المال؟ أم أن المال ليس سوى وسيلة لشيء آخر؟ هل يبحث عن فرصة يشعر معها أن الغد قد يكون أفضل من اليوم؟ وعن مجتمع يشعر فيه أن جهده، مهما كان بسيطًا، يمكن أن يغير مستقبله؟.
ربما لا يخاطر الإنسان لأنه يستخف بالموت، بل لأنه يمنح الحلم وزنًا أكبر من الخوف. فهو لا يعبر البحر لأنه يظن أن النجاة مضمونة، بل لأنه يرى أن البقاء لا يمنحه ما يكفي من الأمل. وكأن السؤال لم يعد: ما احتمال أن أصل؟ بل: ما احتمال أن تتغير حياتي إذا بقيت حيث أنا؟
هل تمنح تلك المجتمعات شيئًا يجعل حتى الأعمال
البسيطة تبدو بداية ممكنة؟ وهل تكمن الحياة الأفضل في طبيعة العمل، أم في الإحساس بأن الجهد يحظى بالاحترام، وأن القانون يحمي صاحبه، وأن المستقبل يظل مفتوحًا أمامه وأمام أبنائه؟.
ولعل السؤال ليس: لماذا يقبل الإنسان بعمل أقل مما كان يطمح إليه؟ بل: ما الذي يجعله يرى في هذا العمل خطوة أولى نحو الحياة التي يبحث عنها؟ وما الذي يجعل مستقبلًا يبدأ من عمل متواضع يبدو، في نظره، أكثر وعدًا من حاضر يحتفظ فيه بمكانته، لكنه لا يرى فيه أفقًا لما يحلم به؟
لكن، إذا كان هذا هو الحلم، فهل يجده كما تخيله؟ أم أن الضفة الأخرى تخفي أسئلتها هي أيضًا؟ هل يترك ضيق العيش ليجد سعة الحياة، أم يترك دفء العائلة ليواجه غربة لا تنتهي؟ وربما لا تكون الهجرة انتقالًا من البؤس إلى السعادة، بقدر ما تكون انتقالًا من مجموعة من التحديات إلى أخرى. فقد يجد فرصًا أوسع وخدمات أفضل، لكنه يكتشف أيضًا أن بعض ما تركه خلفه لا تعوضه وفرة الفرص ولا تعيده السنوات.
لكن، إذا كان مستعدًا لدفع كل هذه الأثمان، فماذا يخبرنا ذلك عن علاقته بوطنه؟ ألَا يكفي حب الوطن وحده ليختار الإنسان البقاء؟ أم أن الإنسان قد يحب المكان الذي ينتمي إليه، لكنه يعجز عن أن يبني فيه الحياة التي يحلم بها؟ وهل يمكن أن يكون قرار الرحيل تنازلًا عن القرب، لا عن الحب؟ وربما يقود ذلك إلى سؤال آخر: ماذا ينتظر الإنسان من وطنه؟ وهل يكفي الانتماء وحده، أم أن الانتماء يحتاج أيضًا إلى فرصة، وعدالة، وكرامة، ومستقبل يشعر الإنسان أنه يستطيع أن يراه بوضوح؟.
وقبل بضعة عقود فقط، هل كان هذا السؤال سيطرح أصلًا؟ كان معظم الناس يولدون ويعيشون ويموتون في المكان نفسه، وكانت الهجرة، في الغالب، استثناءً تفرضه التجارة أو الحرب أو طلب العلم. أما اليوم، فقد أصبح العالم أقرب، والمقارنة أسهل، والاختيار أوسع. فهل بقي الانتماء يحمل المعنى نفسه الذي كان يحمله آنذاك؟ هل تغير الإنسان؟ أم تغير العالم؟ أم أن ما تغير هو العلاقة بين الإنسان ووطنه؟
لكن ماذا يحدث بعد أن يعبر؟.
هل يجد فعلًا ما خاطر بحياته من أجله؟ وهل تبدو المكاسب، بعد سنوات، أكبر من الأثمان التي دفعها؟ وهل يعوض مجتمع أكثر استقرارًا غياب العائلة؟ وهل تكفي الفرص التي وجدها ليقول إن المغامرة كانت تستحق؟.
وربما لا توجد إجابة واحدة أصلاً، فبعضهم يرى أنه وجد الحياة التي كان يبحث عنها، بينما يكتشف آخرون أن الضفة الأخرى لم تكن نهاية الأسئلة، بل بدايتها.
ويبقى ثمن يصعب قياسه بالأرقام. فالوطن الذي غادره لم يكن مجرد مكان، بل أهلًا، وذكريات، ولهجة، وتاريخًا شخصيًا. فإذا كانت الحياة الجديدة قد منحته ما كان يحلم به، فهل كان الوطن يستحق كل هذا الفراق؟.
ولعل السؤال الذي بدأ عند البحر يبقى مفتوحًا حتى بعد الوصول إلى الضفة الأخرى:
ما الذي كان يستحق كل هذه المغامرة… الحياة التي وجدها، أم الحياة التي تركها وراءه؟.