خاص – (ديسمبر)
كشفت مصادر مطلعة ببنك النيلين للتنمية الصناعية عن أن إدارة البنك دونت بلاغات في مواجهة عدد من المتعثرين من عملاء البنك، بعد أن استنفدت كافة السبل في الحصول على أموال مرابحات وقروض حصلوا عليها بحجة الاستثمار. وقال مصدر إن “مجموع الأموال التي تم تدوينها في البلاغ بلغت (73) ترليون جنيه سوداني من أصل مديونية تتجاوز (360) ترليون جنيه”، مشيرا إلى أن أخطاء إدارية تسببت في حجم التعثر الكبير، الأمر الذي يضع قيادات حالية في البنك ومديرين سابقين تحت المساءلة القانونية.
وقالت مصادر متطابقة إن إدارة البنك الجديدة بقيادة المدير أبوعبيدة صالح جيب الله شرعت في اتخاذ إجراءات تقاضٍ بعيداً عن الإدارة القانونية في رئاسة البنك التي تُتَّهم بالتقاعس عن فتح البلاغات والتورط في التفريط في حقوق البنك، بعد أن حصل عملاء على قروض دون اتباع الشروط والإجراءات السليمة، الأمر الذي دفع مدير الإدارة القانونية في البنك إلى إصدار بيان (حصلت ديسمبر على نسخة منه) متهماً فيه الإدارة الجديدة بتجاوزه وإسناد العمل القانوني إلى موظفين غير متخصصين. إلا أن الإدارة كان ردها أنها تعمل مع الإدارة القانونية في البحر الأحمر بعد أن تبين لها تفريط الإدارة القانونية في إبرام عقود الاستثمار والتماهي مع الإدارات السابقة، وقال المصدر “الإدارة وجدت قروضاً ضخمة بدون ضمانات حقيقية ومبالغ كبيرة يصعب استردادها”.
ونظراً لمحدودية المبلغ المعني بالبلاغات والذي يصل إلى 73 ترليون جنيه سوداني، وضخامة المديونية المتبقية التي تبلغ 360 ترليون جنيه سوداني، طرحت قيادات عليا داخل البنك تساؤلات حول الجهات التي لم تتم ملاحقتها قضائياً، وعن المعايير الشخصية التي يُتَّهم المديرُ العام بتبنيها في فتح البلاغات بشكل انتقائي.
وقالت المصادر في وقت سابق لـ(ديسمبر) إن شخصيات نافذة في شركات مرتبطة بالجيش، إضافة إلى رجال أعمال مقربين منه، حصلوا على قروض واستثمارات لم تُسترد، مشيرة إلى أن هذه الممارسات بدأت بعد سيطرة الجيش على السلطة في 25 أكتوبر 2021.
وأضافت المصادر أن منظومة الصناعات الدفاعية كثفت، منذ إدراجها على قائمة العقوبات الأمريكية في يناير 2025، جهودها لإخفاء أموالها في استثمارات آمنة تمهيداً لتصفيتها، وأنها استخدمت فرع بنك النيلين في أبوظبي في معاملات وصفت بأنها عالية المخاطر.
وبحسب المعلومات المتوفرة لـ(ديسمبر) فإن مخالفات كبيرة حدثت في استثمارات بنك النيلين، الأمر الذي كان له أثر سلبي على موقف البنك المالي، وأن حجم التعثر ارتفع بعد اندلاع الحرب 2023 بسبب سياسات خاطئة اتبعتها الإدارة في عهد المدير عثمان آدم ورئيسة مجلس الإدارة حميدة محمد صالح.
وكشفت تسجيلات صوتية في مجموعات واتساب، حصلت عليها (ديسمبر)، عن حملة تقودها الإدارة الجديدة تتهم فيها عدة جهات في الإدارة التنفيذية ومجلس الإدارة السابقين بالتفريط في أموال البنك، ومن المتوقع محاسبة موظفين حاليين في الخدمة وآخرين سابقين على مخالفات إدارية حصلوا من خلالها على أموال ومكاسب شخصية.
اشتراك الإدارة السابقة
وتشير تقارير من إدارة الاستثمار إلى أن أكبر العمليات المتعثرة كانت طرفاً فيها إدارة البنك السابقة في فترة عثمان آدم، على الرغم من أنها تمت في إدارة الاستثمار بتوجيهات مكتوبة وشفوية منه وبعلم مجلس الإدارة الذي تم تغيير رئاسته، والتي كانت تشغلها مدير إدارة التقنية السابقة ببنك السودان حميدة محمد صالح وتولاها اللواء بحري معاش إسماعيل أبوشوك. كما كشفت إدارة الاستثمار أن عمليات التعثر تشمل معظم فروع البنك، لكنها تتركز في ثلاثة فروع هي: فرع الرياض، العمارات والسجانة. وبحسب المصادر ربما تُدوَّن بلاغات في حق مَن حصلوا على أموال بطرق غير قانونية من الموظفين السابقين.
مخالفات الإدارة القانونية
كشفت التسجيلات الصوتية المتبادلة في مجموعات واتساب خاصة بإدارة البنك عن أن هناك اتهامات بتقصير كبير موجهة للإدارة القانونية ونجم عنها حصول عملاء على أموال مرابحات واستثمارات ضخمة دون ضمانات. وأشارت مصادر إلى أن المدير السابق عثمان آدم حصل على أموال معاش غير مستحقة بعد أن حصل على فتوى من الإدارة القانونية التي يرأسها التجاني الشريف هارون، كما حصل أعضاء مجلس الإدارة في فترة حميدة محمد صالح على أموال بغير حق. إلا أن المشكلة الأكبر في موافقة الإدارة القانونية على ضمانات من شركات تأمين لمرابحات كبيرة ترفض المصادر عن كشف الجهات التي حصلت عليها في الوقت الحالي.
وبعد أن تولت آمنة ميرغني منصب محافظ بنك السودان المركزي خلفاً لبرعي الصديق شكلت لجنة تفتيش لمراجعة الأوضاع في بنك النيلين، خاصة ما يتعلق بـ”حصائل الصادر والاستثمارات المتعثرة في البنك”، وذلك بسبب تجاوز الاحتياطي القانوني للنيلين في البنك المركزي سقفه، إلى جانب صعوبات تواجه عملاء البنك في سحب مبالغ كافية من حساباتهم عبر التطبيقات البنكية. لكن لم تنجح اللجنة، بحسب المصادر، في مهمتها خاصة في ظل التغيير المستمر لمديري البنك. وقال مصدر من بنك السودان إن “الشكوى من بنك النيلين متكررة، وهناك مؤشرات على تجاوزات”. وأشار المصدر إلى أن محافظ البنك المركزي السابق برعي الصديق لم يكن جاداً في التحقق مما يثار عن بنك النيلين، وأضاف “كانت ثقة برعي في عثمان آدم كبيرة”. وحمَّل المصدر الإدارة القانونية مسؤولية بطء الإجراءات المحاسبية وإفشال مهمة لجنة بنك السودان المركزي بسبب عدم التعاون، الأمر الذي دفع الإدارة الجديدة إلى تجاوز إدارة التجاني هارون.
وأشار عضو مجلس إدارة سابق في بنك النيلين إلى أن سيطرة الجيش على بنك السودان منذ انقلاب 25 أكتوبر انعكس سلباً على النيلين، وقال “بعد انقلاب 25 أكتوبر سيطر الجيش على بنك السودان، وتأثر بنك النيلين بذلك، بسبب تصرفات مديري إدارات ساهموا في تدهور البنك بتمرير معاملات غير سليمة”، وأضاف “بنك النيلين بنك حكومي بالكامل”.
وكانت (ديسمبر) انفردت بالكشف عن تحركات في الجيش لتفكيك منظومة الصناعات الدفاعية بعد أن تم حظرها من قبل الإدارة الأمريكية. وقالت مصادر متطابقة إن المنظومة شرعت فعلياً في شراء عقارات داخل السودان، إلا أن جزءاً مقدراً من أموالها تستثمره في شراكات مع شركات خارج السودان في تركيا وموريتانيا ومصر، إضافة إلى آذربيجان وبيلاروسيا وأوكرانيا عن طريق رجال أعمال.
وسحب عدد من رجال الأعمال أموالهم من بنك النيلين وبالذات الودائع الدولارية، وعانى البنك شحاً في النقد بالعملة المحلية والأجنبية، الأمر الذي استدعى تدخل رئيس الوزراء المعين كامل إدريس، إلى جانب توقف تطبيقاته المصرفية.
وسبق أن شملت العقوبات الأمريكية رجل الإعمال السوداني الأصل الذي يحمل الجنسية الأوكرانية محمد عبد الله خلف الله. ويذكر أن قرار محمد عبدالله أدرج في قرار واحد مع قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان. وقالت المصادر إن خلف الله استخدم أموال منظومة الصناعات وفتح حسابات وأسس شركات في هونغ كونغ ودول أخرى.
وأكدت المصادر أن رجال أعمال مقربين من قادة الجيش حصلوا على أموال ضخمة من بنك النيلين، خاصة مستوردي المواد البترولية ومن بينهم عبد الله سهل وهشام السوباط ومحمد إبراهيم العليقي وعمر النمير صاحب شركات “فيض النعم” في السودان والإمارات ومصر.
حملة قادمة
قالت المصادر إن الحملة الحالية التي تقوم بها الإدارة لاسترداد الأموال المتعثرة ركزت على أشخاص وجهات بعينها وتجاوزت آخرين، إلا أنهم أشاروا إلى أن الإدارة بررت ذلك بأنها مستمرة ولكنها سوف تعمل على إدراج مخالفين على دفعات. ومن المقرر أن تشمل الحملة بنك النيلين أبوظبي الذي شهد تجاوزات مالية كبيرة في الفترة الماضية، دفعت السلطات الإماراتية إلى تشكيل لجان تحقيق وإرسال خطابات إنذار إلى إدارة النيلين أبوظبي. ومن المتوقع أن تكشف الحملة الحالية والحملات القادمة عن أسماء رجال أعمال وشركات كبرى حصلت على أموال ضخمة من بنك النيلين بعد الحرب وفشلت في إعادتها، إلى جانب مخالفات توريد حصائل الصادر.