تقرير دولي: السودان في صدارة أشد أزمات الجوع عالمياً
المجاعة في السودان واقع وليس توقعاً
روما/ جنيف/ نيويورك: (ديسمبر)

حذّر تحالف دولي يضم الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ووكالات إنسانية، في تقرير نُشر الجمعة الماضي 1 مايو 2026، من أن انعدام الأمن الغذائي الحاد وسوء التغذية بلغا مستويات قياسية خلال العام الماضي، مع تركّز الأزمات بشكل غير مسبوق في عشر دول، على رأسها السودان وغزة وجنوب السودان. حيث تؤدي الأزمات المتداخلة، المتمثلة في النزاعات والأمراض ومحدودية الوصول إلى الخدمات، إلى تفاقم مستويات سوء التغذية لتصل إلى درجات قصوى، مما يزيد من خطر الوفاة.
وجاء في النسخة العاشرة من “التقرير العالمي عن الأزمات الغذائية Global Report on Food Crises (GRFC))” لعام 2026، الذي اطلعت (ديسمبر) على نسخة منه، واستناداً إلى بيانات من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والوكالات الإنسانية، أن نحو 266 مليون شخص في 47 دولة أو إقليماً يعانوا مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، وأن ثلثي المتضررين يعيشون في عشر دول فقط، بينها أفغانستان وبنغلاديش وجمهورية الكونغو الديمقراطية وميانمار ونيجيريا وباكستان وجنوب السودان والسودان وسوريا واليمن.
وقال غوتيريش: “هذا التقرير عبارة عن دعوة للعمل تحثُّ زعماء العالم على حشد الإرادة السياسية لزيادة الاستثمار بسرعة في المساعدات المنقذة للحياة، والعمل على إنهاء الصراعات التي تسبب الكثير من المعاناة للكثيرين”.
مأساة الجوع في السودان
خلص التقرير العالمي إلى أن ما يشهده السودان لا يمثل أزمة طارئة عابرة، بل هو جزء من نمط مزمن متراكم أفقد البلاد قدرتها على التعافي، إذ تتكدّس كل صدمة جديدة فوق ركام ما سبقها. وتشير بيانات التقرير إلى أن السودان يحتل موقعاً متقدماً في مأساة الجوع العالمية، فقد تأكدت المجاعة الرسمية في منطقتين، في شمال دارفور (الفاشر) وجنوب كردفان (كادوقلي)، فيما يتهدّد خطر المجاعة مناطق أخرى عديدة. ويعيش أكثر من نصف سكان السودان، أي 28.9 مليون شخص، اليوم في دائرة انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم أكثر من 10 ملايين يواجهون مستويات جوع شديدة أو كارثية.
ولكن ما يجعل أزمة السودان فريدة في قسوتها هو تحول الغذاء نفسه إلى سلاح في الحرب. فقد كشف تقرير مشترك صادر عن خمس منظمات إغاثة دولية (آكشن أغينست هانغر، كير إنترناشونال، مجلس اللاجئين النرويجي، اللجنة الدولية للإنقاذ، وميرسي كوربس)، أن انتهاكات القانون الإنساني الدولي “حوّلت سلسلة توريد الغذاء من المزارع إلى الأسواق والمنازل إلى عملية إنقاذ بالغة الخطورة تهدد حياة العاملين فيها والمستفيدين، على حد سواء”.
ويصف التقرير الميداني مشاهد يومية مؤلمة: “أسر في شمال دارفور وجنوب كردفان تعيش على وجبة واحدة في اليوم أو أقل، واضطرت بعض العائلات إلى أكل أوراق الشجر وعلف الحيوان للبقاء على قيد الحياة. وفي شهادة صادمة، قالت إحدى النساء في شمال دارفور: لم نعد نسأل: ماذا سنأكل، بل نسأل: من سيأكل؟”.
ولم تنهَر منظومة الغذاء بفعل القتال المباشر فقط، بل بتدمير ممنهج للبنية التحتية الزراعية. فالمزارعون قُتلوا، والحقول أُحرقت، والأسواق أغلقت تحت وطأة الهجمات. أما المطابخ المجتمعية التي كانت تشكل خط الدفاع الأخير ضد المجاعة، فقد أغلقت أو خفضت خدماتها إلى النصف مع تراجع التمويل الدولي.
ويرى مراقبون أن استخدام التجويع كسلاح حرب في السودان، والتقييد المتعمد للوصول الإنساني، واستهداف المدنيين، يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الإنساني الدولي. وتشير تقديرات بعثة تقصي الحقائق المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى أن ما يجري في السودان هو “حرب فظائع” ضد المدنيين، تشمل العنف الجنسي واستخدام الجوع كسلاح.
وفي هذا السياق، حذّر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان من انهيار إنساني غير مسبوق في مناطق واسعة من السودان في ظل استمرار النزاع المسلح وما يرافقه من حرمان متعمد من الغذاء وتدمير للأعيان المدنية الأساسية لبقاء السكان وقيود منهجية تعرقل تدفق المساعدات الإنسانية، بما يضع ملايين المدنيين أمام خطر الموت جوعاً، في ظل إخفاق دولي متواصل في وقف النزاع وضمان الوصول الإغاثي الآمن.
وقال المرصد في بيان صحافي في 24 أبريل إن أزمة انعدام الأمن الغذائي في السودان، مع دخول النزاع المسلح عامه الرابع، لم تعد مجرد نقص مؤقت في الإمدادات، بل تحولت إلى أزمة جوع مزمنة ومركّبة تقوِّض أسس بقاء مجتمعات كاملة، بعد أن استنفد السكان إلى حد كبير وسائل التكيف التي مكّنتهم سابقاً من الصمود.
وشدّد المرصد على أن التجويع المتعمَّد للمدنيين، متى استُخدم كأسلوب من أساليب الحرب في سياق نزاع مسّلح غير دولي، يشكل جريمة حرب تستوجب المساءلة الجنائية الفردية بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، مضيفاً “أن هذا النمط من الأفعال، متى نُفِّذ في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجَّه ضد السكان المدنيين، يُعتبر ضمن الجرائم ضد الإنسانية، ولا سيما جريمة الإبادة، متى اقترن بفرض متعمَّد لظروف معيشية يُقصد بها إهلاك جزء من السكان، بما في ذلك الحرمان من الوصول إلى الغذاء والدواء”.
الصراع.. المحرك الرئيسي
وأكد التقرير العالمي عن الأزمات الغذائية أن النزاعات المسلحة تبقى المحرِّك الأول لانعدام الأمن الغذائي الحاد، متبوعة بالظواهر المناخية الحادة والصدمات الاقتصادية. كما حذّر التقرير من أن النزوح القسري يفاقم الأزمة، إذ تم تهجير أكثر من 85 مليون شخص قسراً، ويواجه اللاجئون والنازحون داخلياً مستويات جوع أعلى بكثير من المجتمعات المضيفة.
وفي هذا السياق، قال المفوض السامي لشؤون اللاجئين برهم صالح: “إن النزوح القسري وانعدام الأمن الغذائي مرتبطان ارتباطاً وثيقاً، ويشكلان حلقة مفرغة تعزِّز الهشاشة والمعاناة. اليوم. ويعيش 86% من الأشخاص المجبرين على الفرار في بلدان تواجه أزمات غذائية. المساعدات الإنسانية تنقذ الأرواح، لكنها ليست كافية – فلا بد أن نستثمر في حلول تمكّن اللاجئين من الاعتماد على أنفسهم وإعادة بناء حياتهم بكرامة”.

أرقام صادمة للأطفال
وفي مؤشر مقلق آخر، كشف التقرير أن 35.5 مليون طفل في 23 دولة يعانون من سوء التغذية الحاد، بينهم نحو 10 ملايين يعانون من الهزال الشديد. وقالت المديرة التنفيذية لليونيسف كاثرين راسل: “يجب أن يكون وجود ملايين الأطفال على شفا المجاعة جرس إنذار للعالم. الأمر لا يتعلق بندرة الطعام، بل بنقص الإرادة السياسية لضمان حصول الأطفال في كل مكان على التغذية الأساسية والمياه الآمنة والخدمات الضرورية التي يعتمدون عليها للبقاء والنمو”.
توقعات قاتمة لعام 2026
مع استمرار الصراعات وتقلبات المناخ وعدم اليقين الاقتصادي العالمي، يتوقع التقرير أن تبقى الظروف الحرجة قائمة، أو تتفاقم في العديد من البلدان خلال العام الجاري. وحذّر من أن تصعيد الحرب في الشرق الأوسط يهدد بتفاقم الأزمات القائمة، خصوصاً مع اعتماد المنطقة على الواردات الغذائية وارتفاع تكاليف الطاقة والشحن، مما يؤثر مباشرة على القوة الشرائية للمجتمعات الضعيفة.
وبحسب التقرير، ثمة خمس مناطق في العالم يُتوقع أن تبلغ مرحلة الكارثة (المرحلة 5) خلال عام 2026، يتصدّرها السودان، ثم اليمن وجنوب السودان ونيجيريا وغزة. كما نبّه التقرير إلى أن اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز قد ترفع أسعار الأسمدة بشكل كبير. وفي هذا الشأن، قال رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية ألفارو لاريو: “هذه الصدمة الغذائية الحالية – مع ارتفاع أسعار الطاقة وكذلك ارتفاع الأسمدة -أعتقد أنه سيكون لها تأثير هائل من حيث الإنتاج”.
تراجع خطير في التمويل
ومن أبرز المخاوف التي أثارها التقرير العالمي الانخفاض الحاد في التمويل الإنساني وتمويل التنمية- الذي تراجع إلى مستويات لم تشهدها منذ عقد- مما يحد من قدرة الحكومات والجهات الإنسانية على الاستجابة الفعالة.
وقالت المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي سيندي ماكين: “للأسف، لم تزد الأمور إلا سوءاً. تضاعف الجوع الشديد. لدينا الخبرة والموارد والمعرفة لكسر حلقة الجوع، ومنع المجاعة، وإنقاذ عدد لا يحصى من الأرواح. ما هو مطلوب الآن هو جهد جماعي لإنهاء النزاعات وتوفير الموارد اللازمة لإحداث تغيير حقيقي”.
وقال المفوض الأوروبي للشراكات الدولية جوزيف سيكيلا: “لعشرة أعوام، ظل التقرير العالمي حول الأزمات الغذائية هو المرجع العالمي. في زمن تزايد الأزمات وانتشار المعلومات المضللة، وأصبح هذا التحليل المشترك أكثر أهمية من أي وقت مضى غالباً. وقد ساعد الاتحاد الأوروبي في بناء منفعة عامة عالمية حيوية: معلومات موثوقة ترشد العمل، وتنقذ الأرواح، وتخلق أنظمة غذائية أكثر قدرة على الصمود”.

دعوات للتحول الإستراتيجي
وقال نيلس آنين، وزير الدولة في الوزارة الاتحادية للتعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية: “يُظهر التقرير العالمي لهذا العام أن انعدام الأمن الغذائي الحاد لا يزال مرتفعاً بشكل مستمر ومقلق. نحن بحاجة إلى عمل قوي وجماعي ومنسق يجسِّر بين المساعدات الإنسانية والتعاون الإنمائي طويل الأمد”.
أما وزيرة التنمية البريطانية جيني تشابمان فقالت: “نحن نعيش في عالم يزداد فيه انعدام الأمن، حيث تدفع النزاعات وتغير المناخ والصدمات الاقتصادية أزمة الجوع العالمية. في عام 2025، واجه أكثر من 39 مليون إنسان مستويات طارئة من انعدام الأمن الغذائي – وهو ما يقارب ثلاثة أضعاف مستوى عام 2016. يجب ألا نصبح غير مبالين بالأثر المفجع للجوع وسوء التغذية. إن مكافحة الجوع تتطلب منا العمل في شراكة وجمع مواردنا وخبراتنا لمعالجة الأسباب الجذرية”.
من جانبه، قال شو دونغيو، المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو): “يجب علينا أن ننتقل من رد الفعل المتأخر إلى العمل المبكر، ومن الاعتماد حصراً على المساعدات الغذائية إلى حماية الإنتاج الغذائي المحلي، لأن هذه هي السبيل لتقليص الاحتياجات وإنقاذ الأرواح وبناء القدرة على الصمود بمرور الوقت”.
وأضاف ألفارو لاريو، رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية: “يُظهر لنا التقرير أن انعدام الأمن الغذائي الحاد ناجم عن تقاطع النزاعات والصدمات الاقتصادية والتغيرات المناخية القصوى. الاستثمار في المياه والزراعة المقاوِمة للمناخ والتمويل الريفي والوصول إلى الأسواق غالباً ما يكون السبيل الأكثر فعالية لمنع تصاعد الاحتياجات الطارئة”.
أما المدير الإداري لمجموعة البنك الدولي باسكال دونوهوي، فقال: “تتشكل أزمات الغذاء بفعل مخاطر متداخلة – الصراعات وتقلب الأسعار العالمية وتغير المناخ. تؤثر هذه الأزمات على الأكثر ضعفاً أولاً وبأشد الطرق. لهذا فإن الاستعداد أمر بالغ الأهمية. من خلال بيانات أفضل وأدوات أكثر ذكاءً وتحرك مبكر يمكننا بناء القدرة على الصمود التي تحمي الناس وتحافظ على مكاسب التنمية”.
واختتم هيلدر دا كوستا، الأمين العام لمجموعة السبع+، قائلاً: “إن آثار أزمات الغذاء في البلدان المتأثرة بالنزاع تدوم على المدى الطويل. ويتطلب ذلك استجابة أقوى بل تحولاً إستراتيجياً في كيفية فهمنا ومعالجتنا لأزمات الغذاء. إننا ندعو إلى الانتقال إلى الاعتماد على الذات من خلال الاستثمار في النظم الغذائية المحلية وإزالة الحواجز الهيكلية والسياسية أمام الحصول على الغذاء، ومواءمة الجهود الإنسانية والتنموية وجهود السلام في إستراتيجية واحدة متماسكة”.
وخلص التقرير العالمي إلى أن أزمات الغذاء والتغذية لم تعد صدمات مؤقتة بل أصبحت مستمرة ومتوقعة، وتتركز بشكل متزايد في سياقات طويلة الأمد. ويدعو التحالف الدولي إلى زيادة الاستثمار في نظم زراعية قادرة على الصمود، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وضمان الوصول الإنساني الآمن والتمسك بالقانون الإنساني الدولي، محذراً من أن غياب البيانات الموثوقة لا يعني تحسناً حقيقياً على الأرض.
حول الشبكة العالمية لمكافحة الأزمات الغذائية
يُعد التقرير العالمي لأزمات الغذاء المرجع الأبرز دولياً في رصد وتقييم أزمات الجوع، وتصدره “الشبكة العالمية لمكافحة أزمات الغذاء” وهي تحالف دولي يضم الأمم المتحدة -الاتحاد الأوروبي- وزارة التعاون الإنمائي الألمانية – وزارة الخارجية والتنمية الدولية البريطانية – حكومة إيرلندا- مجموعة السبع+ (g7+)- وزارة الزراعة والغذاء والريف البرازيلية -ومنظمات دولية كبرى، بينها منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) -برنامج الأغذية العالمي -البنك الدولي -اليونيسف -مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ووكالات حكومية وغير حكومية تعمل معاً لمعالجة الأزمات الغذائية. ويشارك المركز المشترك للبحوث التابع للمفوضية الأوروبية في تحليل البيانات.