الحق في الحماية والأمن الشخصي.. عندما يصبح الخوف جزءًا من الحياة اليومية
صفاء الزين
لا يستطيع الإنسان أن يعيش حياة كريمة في غياب الأمان. فالأمن الشخصي يمثل أحد الشروط الأساسية التي تقوم عليها حياة الإنسان وحريته وقدرته على ممارسة حقوقه الأخرى. وحين يشعر الإنسان أن حياته معرضة للخطر، أو أن جسده يمكن أن يكون هدفًا للعنف، أو أن حريته يمكن أن تُسلب دون حماية قانونية، فإن الخوف يصبح جزءًا من حياته اليومية، وتتراجع قدرته على العمل والتعلم والتنقل والمشاركة في المجتمع.
ولهذا يرتبط الحق في الحماية والأمن الشخصي بجوهر الكرامة الإنسانية. فالإنسان يحتاج إلى حماية حياته وسلامته الجسدية والنفسية، ويحتاج كذلك إلى حماية حريته من الاعتقال التعسفي، والاختفاء القسري، والتعذيب، والتهديد، والإكراه، والعنف. وتؤكد منظومة حقوق الإنسان أن الدولة مسؤولة عن توفير هذه الحماية من خلال القانون والمؤسسات، وأن أي تقييد للحرية أو استخدام للقوة يجب أن يخضع لضوابط قانونية واضحة تضمن عدم التعسف وتحمي الإنسان من الانتهاكات.
الأمن الشخصي حق إنساني لا امتياز
الحق في الأمن الشخصي لا يرتبط بمكانة الإنسان الاجتماعية أو السياسية، ولا يتغير بتغير موقعه الجغرافي أو موقفه من السلطة، فهو حق لكل إنسان، في زمن السلم كما في زمن الحرب. وتكمن أهميته في أنه يضع حدودًا واضحة أمام استخدام القوة، ويمنح الإنسان حماية قانونية في مواجهة أي جهة تحاول إخضاعه بالعنف أو التهديد.
وعندما تصبح الحماية مرتبطة بالانتماء أو النفوذ أو القدرة على الوصول إلى السلاح، يتحول الأمن من حق عام إلى امتياز تحصل عليه فئات محددة، وهنا تتراجع فكرة المواطنة المتساوية، ويبدأ المجتمع في الانقسام بين من يملك القدرة على حماية نفسه ومن يجد نفسه مكشوفًا أمام الخطر.
ولهذا فإن بناء الدولة يبدأ من ضمان أن يشعر المواطن بأن حياته وحريته وكرامته محمية بالقانون، وأن المؤسسات التي تمتلك القوة تعمل لحمايته وفق قواعد واضحة، وليس لإخضاعه أو معاقبته خارج القانون.
الحرب السودانية وتحول المواطن إلى باحث عن الحماية
منذ انقلاب أكتوبر 2021م وحتى اندلاع الحرب في بلادنا فجر الخامس عشر من أبريل 2023م، وجد ملايين المدنيين أنفسهم أمام واقع أمني بالغ القسوة. فقد امتدت العمليات العسكرية إلى المدن والمناطق السكنية، واضطر السكان إلى مغادرة منازلهم تحت ضغط الخوف، ووجد كثيرون أنفسهم أمام خيارات محدودة بين البقاء في مناطق معرضة للخطر أو النزوح إلى أماكن لا يعرفون مدى قدرتها على توفير الأمان.
وفي مناطق عديدة أصبح المواطن يتحرك بحسابات الخطر: هل الطريق آمن؟ هل يمكن عبور نقطة التفتيش؟ هل يمكن العودة إلى المنزل؟ هل يحمل الشخص أوراقًا أو معلومات قد تعرضه للاستجواب أو الاعتقال؟ هل موقعه الجغرافي يمكن أن يجعله موضع اشتباه؟.
هذه الأسئلة تكشف عمق الأزمة، لأن المواطن الذي يعيش بهذه الطريقة لا يعيش حياة طبيعية، فهو يخطط لحركته وفق احتمالات الخطر، ويعيد حساب علاقاته ومواقفه وكلماته، وقد يضطر إلى الصمت خوفًا من العواقب.
عندما تصبح الحماية نفسها موضع سؤال
من أكثر الأسئلة إلحاحًا في النزاعات المسلحة: من يحمي المدني عندما تضعف مؤسسات الحماية أو تصبح بعض المؤسسات جزءًا من الصراع؟
في الدولة المستقرة، يفترض أن يلجأ المواطن إلى الشرطة والقضاء ومؤسسات الدولة عندما يتعرض للخطر، أما في ظروف الحرب، فقد تتراجع قدرة هذه المؤسسات على أداء وظائفها، أو تتعطل في بعض المناطق، أو يفقد المواطن الثقة في قدرتها على حمايته.
وهنا تظهر واحدة من أخطر نتائج الحرب: انتقال مسؤولية الحماية من المؤسسة العامة إلى الفرد أو الأسرة أو المجتمع المحلي، وقد يدفع ذلك بعض المجتمعات إلى تشكيل ترتيبات أمنية محلية، أو الاعتماد على الحماية العائلية والمجتمعية، أو البحث عن جهة مسلحة توفر قدرًا من الأمان.
وهذا الوضع يحمل مخاطر كبيرة، لأن المجتمع الذي يبحث فيه كل فرد عن جهة تحميه يمكن أن يتحول تدريجيًا إلى مجتمع تحكمه موازين القوة بدلًا من سيادة القانون.
الأمن لا يعني عسكرة المجتمع
من الضروري التمييز بين أمن الإنسان والأمن العسكري. فالأمن الحقيقي لا يقاس بعدد الأسلحة أو حجم القوات، وإنما بقدرة الدولة على حماية الإنسان وضمان حقوقه.
قد تمتلك الدولة مؤسسات عسكرية وأمنية قوية، ومع ذلك يشعر المواطن بالخوف إذا غابت العدالة، أو انتشر الإفلات من العقاب، أو أصبح استخدام القوة خارج القانون أمرًا مألوفًا.
ولهذا فإن إعادة بناء الأمن في السودان بعد الحرب تحتاج إلى رؤية تتجاوز زيادة القوة المسلحة. المطلوب بناء مؤسسات مهنية تخضع للقانون والمساءلة، وتعمل وفق مفهوم واضح للأمن يجعل حماية المواطن غايتها الأساسية.
الخوف كسلاح في الحرب
للحرب أدوات ظاهرة تتمثل في السلاح والقصف والعمليات العسكرية، وهناك أدوات أخرى تعمل داخل النفس البشرية، يأتي الخوف في مقدمتها.
فالخوف يمكن أن يدفع الإنسان إلى مغادرة منزله، وترك عمله، وإخفاء رأيه، وقطع علاقاته، والامتناع عن المشاركة العامة، وقد يكون الهدف من نشر الخوف أوسع من إلحاق الأذى بفرد محدد، فقد يتحول الخوف إلى وسيلة لإخضاع مجتمع كامل.
وعندما يشعر السكان بأن مجرد وجودهم في منطقة معينة قد يعرضهم للخطر، أو أن انتماءهم الجغرافي يمكن أن يصبح سببًا للاشتباه، فإن الخوف يتحول إلى قوة تدفع الناس إلى النزوح والصمت والعزلة. ولهذا فإن معالجة آثار الحرب تحتاج إلى مواجهة الخوف نفسه، وليس فقط آثار العنف المادي.
النساء والأطفال والفئات الأكثر تعرضًا للخطر
لا تتوزع مخاطر الحرب بصورة متساوية، فالنساء، والأطفال، وكبار السن، والأشخاص ذوو الإعاقة، يواجهون تحديات إضافية في البيئات التي تضعف فيها الحماية.
وتواجه النساء مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، والاستغلال، والابتزاز، خاصة في مناطق النزوح ومراكز الإيواء والمناطق التي تفتقر إلى المؤسسات الأمنية والخدمات الأساسية. كما تتحمل النساء أعباء إضافية مرتبطة برعاية الأطفال وكبار السن والمرضى، في ظروف اقتصادية وإنسانية شديدة الصعوبة.
أما الأطفال، فيدفعون ثمن الحرب بصورة تمتد إلى مستقبلهم. فالخوف، والنزوح، وفقدان أفراد الأسرة، والانقطاع عن التعليم، كلها عوامل تؤثر في نموهم النفسي والاجتماعي. ولهذا فإن أي منظومة وطنية للحماية تحتاج إلى سياسات متخصصة تراعي اختلاف احتياجات الفئات المختلفة، وتضع حماية الأكثر عرضة للخطر في مقدمة الأولويات.
النزوح لا ينهي الخطر
قد يبدو النزوح في لحظته الأولى وسيلة للهروب من الخطر، لكنه لا يعني بالضرورة الوصول إلى الأمان. فكثير من النازحين يعيشون في بيئات تفتقر إلى الحماية والخدمات، ويواجهون مخاطر جديدة مرتبطة بالاكتظاظ، ونقص الغذاء والمياه، وضعف الرعاية الصحية، والاستغلال والعنف.
وهنا تظهر أهمية مفهوم الحماية المتكاملة، فالإنسان يحتاج إلى مكان آمن، وإلى الغذاء والماء والعلاج، وإلى حماية قانونية، وإلى القدرة على الحركة، وإلى ضمانات تمنع استغلال ضعفه.
ومن ثم فإن حماية النازحين يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من الاستجابة للحرب، كما يجب أن ترتبط مستقبلًا بحقهم في العودة الآمنة والطوعية والكريمة، أو اختيار مكان آخر للعيش وفق إرادتهم وحقوقهم.
التوثيق جزء من الحماية
لا يمكن بناء حماية مستدامة دون معرفة ما حدث. فتوثيق حالات القتل، والاختفاء، والاعتقال، والتعذيب، والعنف، والتهجير، يمثل خطوة أساسية لحماية حقوق الضحايا.
التوثيق يحفظ الأدلة، ويمنع ضياع الوقائع، ويساعد في بناء ملفات العدالة، ويمنح الضحايا مساحة لإثبات ما تعرضوا له، كما أن وجود سجل موثوق للانتهاكات يساعد الدولة مستقبلًا في وضع سياسات تمنع تكرارها.
ولهذا تحتاج مرحلة الحرب وما بعدها إلى دعم المؤسسات الحقوقية، والصحفيين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، مع توفير الحماية لهم حتى يتمكنوا من أداء دورهم دون خوف أو تهديد.
لا حماية مستدامة دون عدالة
تظل الحماية ناقصة إذا ظل مرتكبو الانتهاكات بعيدين عن المساءلة. فالضحايا يحتاجون إلى معرفة الحقيقة، ويحتاجون إلى العدالة، ويحتاجون إلى ضمانات تمنع تكرار ما تعرضوا له.
فالإفلات من العقاب يرسل رسالة خطيرة إلى المجتمع مفادها أن القوة يمكن أن تتجاوز القانون، ومع مرور الوقت، يؤدي ذلك إلى تراجع الثقة في المؤسسات، ويشجع على استمرار العنف، ويخلق بيئة تسمح بتكرار الانتهاكات. ومن هنا ترتبط الحماية بالعدالة الانتقالية ارتباطًا وثيقًا، فالمساءلة، وجبر الضرر، وكشف الحقيقة، والإصلاح المؤسسي، وضمان عدم التكرار، تمثل عناصر أساسية لبناء بيئة يشعر فيها المواطن بالأمان.
مسؤولية الدولة بعد الحرب
ستواجه الدولة السودانية بعد الحرب مهمة شديدة التعقيد تتمثل في إعادة بناء مؤسسات الحماية على أسس جديدة، وستحتاج الشرطة والأجهزة العدلية والمؤسسات الأمنية إلى إصلاحات عميقة تضمن المهنية، واحترام القانون، والمساءلة، والرقابة المدنية.
كما تحتاج الدولة إلى بناء منظومة للإنذار المبكر والاستجابة السريعة للأزمات، وتعزيز حماية النساء والأطفال، ودعم المجتمعات المحلية، وتوفير آليات فعالة لتلقي الشكاوى والتحقيق في الانتهاكات.
ولا يمكن أن تنجح هذه العملية دون مراجعة العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فالمطلوب بناء علاقة تقوم على الثقة، يشعر فيها المواطن أن اللجوء إلى الدولة يوفر له الحماية بدلًا من أن يضاعف خوفه.
الحماية أساس السلام
السلام الحقيقي يبدأ عندما يشعر الإنسان أن حياته أصبحت أكثر أمانًا، فوقف إطلاق النار يمثل خطوة ضرورية، لكنه يحتاج إلى منظومة أوسع تضمن حماية المدنيين، وعودة النازحين، واستعادة المؤسسات، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
فالطفل يحتاج إلى الأمن حتى يعود إلى المدرسة، والمرأة تحتاج إلى الأمن حتى تتحرك وتعمل وتشارك في الحياة العامة، والأسرة تحتاج إلى الأمن حتى تعود إلى منزلها، والمجتمع يحتاج إلى الأمن حتى يستعيد علاقاته وثقته وقدرته على الإنتاج. ولهذا فإن الأمن الشخصي لا ينبغي أن يُنظر إليه كملف أمني منفصل، وإنما كجزء من مشروع بناء الدولة والسلام والتنمية.
ختامًا: أي دولة نريد بعد الحرب؟
هذا السؤال يضع قضية الحماية في قلب مستقبل السودان، هل نريد دولة يشعر المواطن فيها بالخوف من مؤسسات القوة؟ أم نريد دولة تصبح فيها مؤسسات القوة أدوات لحماية المواطن وتطبيق القانون؟.
إن بناء الدولة الحديثة يبدأ من إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمواطن، فالقوة في الدولة يجب أن تكون مقيدة بالقانون، والمؤسسات الأمنية يجب أن تعمل لحماية المجتمع، والعدالة يجب أن تكون متاحة للجميع، والمواطن يجب أن يشعر بأن كرامته مصونة مهما كان موقعه أو رأيه أو انتماؤه الجغرافي.
الحماية في معناها الأعمق هي أن يعرف الإنسان أن هناك قانونًا يحميه، ومؤسسات تستجيب عندما يتعرض للخطر، وقضاءً يستطيع اللجوء إليه، ومجتمعًا يرفض العنف والإفلات من العقاب.
لقد كشفت الحرب في السودان أن غياب الحماية يضاعف كل الأزمات الأخرى، فالإنسان الذي لا يشعر بالأمان يصعب عليه أن يتعلم أو يعمل أو يخطط لمستقبله، والأسرة التي تعيش تحت الخوف لا تستطيع بناء استقرار طويل الأمد، والمجتمع الذي تحكمه المخاوف يصعب عليه استعادة الثقة.
لذلك فإن الحق في الحماية والأمن الشخصي يجب أن يكون في قلب أي مشروع سوداني للسلام وإعادة بناء الدولة، فالحماية ليست امتيازًا تمنحه القوة، ولا مكافأة يحصل عليها من يملك النفوذ، إنها حق أصيل لكل إنسان.
وفي السودان، الذي نطمح إلى بنائه، ينبغي أن يصبح الأمن حقًا متساويًا لكل مواطن، وأن تصبح حماية الحياة والكرامة والحرية مسؤولية مؤسسية لا تخضع للانتماء أو الموقع أو الظروف السياسية.
فالدولة التي تحمي مواطنيها تستعيد معناها، والمجتمع الذي يشعر بالأمان يستطيع أن يتعافى، والسلام الذي يمنح الإنسان الطمأنينة يصبح قادرًا على الاستمرار.
لا للحرب.. نعم للأمن، نعم لحماية الإنسان، ونعم لدولة يكون فيها القانون هو الحصن الأول للمواطن، وتصبح فيها سلامته وكرامته وحقه في الحياة الآمنة أساسًا لبناء السودان الجديد.