نجلاء نورين
على حافة الهاوية التي يقف عليها السودان اليوم، لم يعد الصمت مقبولاً، ولم يعد التفرج على وطن يتمزق ترفاً يملكه أحد. إن ما يمر به بلدنا اليوم هو مفترق طرق تاريخي، تعبث فيه أيدي المليشيات، وتتدفق عبر حدوده أسلحة الدمار ليصبح السلاح مشاعاً بين الجميع، وسط تربص مخيف من قوى خارجية تدير الأزمة بريموت كنترول مصالحها، تدعم هذا الطرف أو ذاك، ليظل شلال الدم السوداني متدفقاً دون توقف.
في المقابل، يعيش المواطن السوداني المغلوب على أمره مأساة إنسانية غير مسبوقة؛ نازحاً في الداخل بلا مأوى، أو لاجئاً في دول الجوار التي ضاقت ذرعاً بالفارين من الجحيم، حيث بات السودانيون غير مرحَّب بهم في كل مكان، يدفعون ثمن خطيئة لم يقترفوها.
إن هذا الهوان الذي يعيشه الإنسان السوداني في المهاجر والمنافي هو النتيجة الحتمية لغياب الدولة وتلاشي هيبتها تحت أقدام المتقاتلين. فبينما ينشغل القادة بتبادل الأدوار والتحالفات السرية، يواجه المواطن البسيط مصيره معلقاً بين سياط الغربة المرة وتجاهل المجتمع الدولي، ليتحول شعب عُرف بعزة النفس والشهامة إلى مجرد أرقام في كشوفات الإغاثة الدولية، في واقع يدمي القلوب ويفضح عجز هذه السلطة.
وسط هذا الركام كله، تتجلى المصيبة الأكبر والابتلاء الأعظم الذي أصاب السودان: قيادة عسكرية وقوات مسلحة اختزلت الوطن في كرسي الحكم. عساكر يفتقرون إلى الرؤية والمؤهلات والقدرات السياسية، ولا يملكون في جعبتهم من حلول لمعضلات البلاد المعقدة إلا فوهات البنادق. إن هذا الإصرار الأعمى على الحلول العسكرية، رغم فشلها الذريع لعقود طويلة، هو الذي أوردنا موارد الهلاك، وهو الذي كلف البلاد انفصال جنوبها، وضياع أراضيها، وتفتت نسيجها الاجتماعي. ومع ذلك، لا يزال هؤلاء الجنرالات يؤمنون بأن البندقية هي المبتدأ والخبر، متناسين أنها ما زادت أزمات السودان إلا تعقيداً وخراباً.
لعل المشهد الأخير في القاهرة، ولقاءات الفريق شمس الدين كباشي مع مسعد بولس، يختزل حالة التخبط وغياب الاستراتيجية الوطنية. فبينما يخطو كباشي خطوة -تحت الضغط الدولي- نحو ترتيبات ما، يخرج رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان لينكر اللقاء أو يسرب عدم رضاه عن تلك الخطوة، في مسرحية سمجة تعكس بؤس الكابينة العسكرية وضيق أفقها. إنه الأسلوب ذاته القائم على المماطلة، وشراء الوقت، واللعب على حبال التناقضات، دون أدنى إحساس بحجم الكارثة الإنسانية والوجودية التي تحيط بالبلاد والعباد.
إن هذا السلوك الصبياني العقيم يثبت أن هؤلاء القادة يعيشون في برج عاجي، منفصلين تماماً عن واقع شعب يباد ويشرد كل يوم. وإن التناقض الصارخ بين جنرالات المركز هو تعبير دقيق عن عقلية تفتقر لأبسط أبجديات العمل المؤسسي وتعتمد على “الفهلوة السياسية” والمناورات الصغيرة. هؤلاء القادة لا يبحثون عن مخرج حقيقي ينهي معاناة الملايين، بل يفتشون في عواصم الإقليم عن أطواق نجاة شخصية وحصانات تضمن لهم البقاء في المشهد بعد أن أحرقوا الأخضر واليابس، غير عابئين بالثمن الباهظ الذي يدفعه الوطن من دمه وبقائه.
ما يؤلم حقاً في هذه المحنة هو غياب “الكبير”؛ غياب الحكماء والعقلاء السودانيين الذين كان يمكنهم كبح جماح هذا العبث ومحاصرة القرارات الارتجالية التي لا تورِّث إلا الدمار. والمؤسف أكثر، أن قطاعاً واسعاً من السودانيين باتوا يتفرجون على وطنهم وهو يضيع أمام أعينهم، منتظرين الحل من البرهان وكابينته البائسة، وهي كابينة أثبتت الأيام عقمها وانعدام قدرتها على اجتراح أي مخرج سياسي أو عسكري حقيقي.
وبدلاً من مواجهة الحقيقة، يواصل قادة الجيش بيع الوهم للشعب الصابر. فمنذ اندلاع الحرب، والجنرال ياسر العطا يخرج إلينا بوعود النصر القريب: “أسبوع أسبوعين” وتنتهي المعركة. ومرت الشهور والسنوات، ليعود الرجل قبل أكثر من شهر ليعلن من جديد بنبرة واثقة أن “النصر بات أقرب من حبل الوريد”!. لكن الواقع يكذبهم كل يوم؛ فلا النصر تحقق، ولا الحرب وضعت أوزارها، بل تبين للشعب أن حبل وريدهم أبعد من المدارات، وأن وعودهم مجرد مسكِّنات واهية لمدِّ عمر الحرب وحماية امتيازاتهم السلطوية.
إن السودان لن يتعافى ما دامت النخب العسكرية ترى في الدولة غنيمة، وما دامت البندقية هي الحاكم والمشرع في البلاد.
إن تجريب المجرب لعقود لم يورثنا إلا الدوران في حلقة مفرغة من الفقر والحروب الأهلية والتمزق، والرهان اليوم على ذات الكابينة العسكرية لإنتاج حل سحري هو محض وهم. لقد أثبتت التجربة التاريخية في السودان أن العقائد العسكرية المشبعة بحب السلطة لا يمكن أن تؤسس لدولة قانون، وأن التسويات الفوقية بين حاملي السلاح لن تصنع سلاماً، بل تؤجل الانفجار القادم وتشرعن الخراب.
آن الأوان أن يدرك الجميع أن المخرج لن يأتي من جنرالات أدمنوا الفشل، بل من وحدة القوى المدنية الحية، واستعادة الحكمة السودانية الغائبة، والضغط لإيقاف هذه الحرب العبثية فوراً، وقطع الطريق أمام التربص الخارجي وتدفق السلاح، لينقذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يختفي السودان الذي نعرفه من خارطة الوجود.