فاطمة رأت الممكن قبل أوانه

أماني أبوسليم

سألت الطالبة الصغيرة في العام 1949: لماذا تلغون دروس العلوم من المنهج؟ جاءتها الإجابة من إدارة المدرسة البريطانية: سنستبدلها بالتدبير المنزلي والخياطة، لأن الفتاة السودانية غير مؤهلة ذهنياً لدراسة العلوم. كانت تلك الطالبة تدرس في المدرسة الثانوية الوحيدة للبنات في السودان آنذاك، مدرسة أم درمان الثانوية العليا للبنات.

لم تكتفِ بالتساؤل: ومن قال إنني لا أستطيع؟ بل كتبت مع الطالبات رسالة احتجاج إلى صحيفة، ثم قادت وزميلاتها إضراباً انتهى إلى تراجع إدارة المدرسة عن قرارها. كانت تلك الفتاة هي فاطمة أحمد إبراهيم، ومن هنا بدأت حكاية أكبر من درس العلوم.

كانت قد بدأت مبكراً في الكتابة عن المرأة، وحررت في المدرسة صحيفة حائطية اسمها (الرائدة)، وكتبت في الصحف باسم مستعار. ثم شاركت في تكوين رابطة للنساء المثقفات عام 1947، وبعدها بخمس سنوات، عام 1952، كانت بين النساء اللواتي أسسن الاتحاد النسائي السوداني.

هنا اتسعت الحكاية. لم تعد المسألة: هل تستطيع فتاة أن تدرس العلوم؟ بل أصبحت: هل تستطيع المرأة أن تكون صاحبة قضية؟. فالنساء اللواتي اجتمعن في الاتحاد طالبن بالتعليم ومحو الأمية والعمل والأجر المتساوي والتدريب، وبحق المرأة في التصويت والترشح والتمثيل في المؤسسات السياسية والإدارية، إلى جانب حقوق اجتماعية تتعلق بالزواج والعمل والأمومة. كان الهدف أن تصبح المرأة مواطنة كاملة: لها رأي، وصوت انتخابي، وقدرة على العمل، وحق في دخول المؤسسات التي تصنع القرارات المتعلقة بحياتها وحياة الآخرين.

كانت فاطمة تعرف أن المطالبة لا تكفي، وأن التغيير يحتاج إلى عمل. تولت رئاسة الاتحاد النسائي، وعملت على توسيع عضويته وفتح فروع له في الأقاليم، حتى لا يبقى نادياً للنساء المتعلمات في المدن. وترأست تحرير مجلة «صوت المرأة»، التي أصبحت من منابر الحركة النسائية ومقاومة الحكم العسكري.

كانت الصحيفة أداة، والاتحاد أداة، والإضراب أداة، والبرلمان سيصبح أداة أخرى. وهنا ربما تكمن إحدى أهم ميزات تجربتها: لم تنتظر منصة كبيرة كي تبدأ، بل استخدمت الأدوات المتاحة لها، واحدة بعد الأخرى. وكانت، في الوقت نفسه، حريصة على أن تبقى قريبة من البيئة التي تريد تغييرها.

تمسكت بالثوب السوداني، ولم ترَ أن المشاركة في الحياة العامة تتطلب التخلي عن التقاليد. درست مكانة المرأة في الإسلام، وحاججت بأن الدين لا يمنع المرأة من العمل والمشاركة العامة. في حديثها عن تجربتها قالت: “لا يمكنك أن تغير أي شيء في المجتمع ما لم تثق فيك الجماهير وتحترمك”. لم تكن تخشى المواجهة عندما يتعلق الأمر بحق واضح، لكنها لم تجعل الصدام غايتها. كانت تريد التغيير، وهناك فرق كبير بين الاثنين. كان في تجربتها ما يقول للمجتمع إن المرأة تستطيع أن تتعلم وتعمل وتشارك في العمل العام، من دون أن تتوقف عن كونها سودانية.

ثم جاءت اللحظة التي ستجعل اسمها يدخل كتب التاريخ. بعد ثورة أكتوبر 1964، حصلت المرأة السودانية على حق التصويت والترشح، وفي انتخابات 1965 انتُخبت فاطمة أحمد إبراهيم عضواً في البرلمان، لتصبح أول امرأة سودانية تصل إليه. حصلت على 5918 صوتاً، وجاءت في المركز الثالث بين الفائزين في دوائر الخريجين. ولم يكن البرلمان نهاية الطريق، بل أداة جديدة، فمن داخله استمرت المطالب المتعلقة بالعمل والأجر المتساوي والتدريب والترقي والمعاش وإجازة الولادة وغيرها من الحقوق.

لم تصنع فاطمة وحدها ما حققته المرأة السودانية. كانت حولها رفيقات وحركة نسائية كاملة، ونضالات سبقتها وأخرى جاءت بعدها. لكنها كانت واحدة من أولئك النساء اللواتي وسّعن حدود الممكن. في المدرسة قالت: “لا تحذفوا العلوم لأننا فتيات”. وفي الصحافة قالت: “للمرأة صوت”. وفي الاتحاد قالت: “للنساء مطالب تتجاوز البيت”. وفي البرلمان جلست في المكان الذي كانت المرأة، قبل سنوات قليلة، تُناقش أصلاً إن كان من حقها أن تدخله.

لا تُذكر فاطمة أحمد إبراهيم باعتبارها أول برلمانية فقط. الأولى في ماذا؟ في دخول البرلمان، نعم. لكن أثرها الأهم ربما كان في شيء أقل لمعاناً من لقب (الأولى): أن تجعل مشاركة المرأة في المجال العام وصناعة القرار، وهو ما كان يبدو مستحيلاً وقتها، أمراً يمكن تخيله، ثم المطالبة به، ثم ممارسته.

وهذه قيمة لا تنتهي بموت صاحبتها. فكل امرأة سودانية تدخل اجتماعاً لتقول رأيها، أو تطالب بحقها في العمل، أو تذهب إلى الجامعة، أو تجلس في مؤسسة عامة باعتبارها صاحبة قرار، تعيش في مجتمع اتسع بسبب نساء سبقنها إلى طرق لم تكن ممهدة. فاطمة واحدة منهن.

وربما أجمل ما يمكن أن يبقى منها ليس صورة المناضلة التي لا تتعب، ولا تمثال المرأة التي لم تَخَفْ يوماً، بل صورة تلك الفتاة الصغيرة في مدرسة أم درمان، تسمع أن العلوم ليست لها، فلا تصدق ما توقعه الآخرون منها، ثم تقول، ببساطة: لا.

لم تكن تعرف يومها كم باباً يمكن أن تفتحه هذه الكلمة.

لكننا نعرف الآن.

 

الذكرى التاسعة لرحيلها، 12 أغسطس 2017م.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *