إدارة الموت أم صناعة الكرامة؟ كيف أعادت الحرب في الخرطوم تعريف السياسة والهوية؟

معتصم محمد “أبستراك”

باحث وناشط مدني

 

ليست كل الحروب مجرد صراع على الأرض أو السلطة. فبعضها يعيد تشكيل أو تعليب الطريقة التي يفكر بها الناس في الحياة والموت، ويغير معنى الوطن والكرامة والسياسة نفسها. وهذا ما حدث منذ ما قبل وبعد اندلاع حرب 15 أبريل 2023م، حيث تجاوزت الحرب كونها مواجهة عسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لتصبح معركة على تعريف الدولة وإعادة إنتاج السلطة وصياغة وعي جديد بالمواطنة والهوية.

في خضم هذا الصراع لم يعد الموت مجرد نتيجة مأساوية للحرب، بل أصبح جزءاً من الخطاب السياسي. فالكرامة، وهي في أصلها قيمة إنسانية ترتبط بحماية الإنسان وحقوقه، تحولت إلى شعار تعبوي تُستدعى أو تغذَّى لتبرير استمرار القتال، حتى بدا وكأن قيمة الوطن تقاس بعدد من يموتون دفاعاً عنه، أكثر مما تقاس بعدد من يعيشون فيه بأمن وحرية وكرامة.

هذه المفارقة تستحق التأمل، فالدول تُبنى بحماية حياة مواطنيها، لا بتحويلهم إلى وقود دائم للصراعات وتغذية العنف. وعندما يصبح الموت مصدراً للشرعية السياسية فإن السياسة نفسها تكون قد فقدت معناها القيمي.

لفهم هذه الظاهرة يقدم الفيلسوف الكاميروني أشيل مبيمبي مفهوماً في كتاب “السياسات النكرووية أو سياسات الموت”، حيث يصف الكيفية التي تمارس بها السلطة نفوذها، ليس فقط عبر إدارة حياة الناس بل أيضاً عبر تحديد من يعيش ومن يُترك للموت. ففي حالات الحروب الممتدة لا يصبح الموت نتيجة عرضية بل يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج السلطة وإعادة تشكيل المجتمع. بالتالي أرى أن هذا المفهوم يفتح باباً مهماً لفهم كيف يمكن للحرب أن تعيد صياغة اللغة السياسية. فعندما يصبح الموت في سبيل قضية وطنية أعلى قيمة من الحياة نفسها تتراجع الأسئلة الجوهرية: كيف تنتهي الحرب؟ ومن يدفع ثمنها؟ ومن المستفيد من استمرارها؟ وما مستقبل الدولة بعد كل هذا الخراب؟.

غير أن الحرب السودانية لا يمكن اختزالها في خطاب سياسي أو إعلامي فقط، لأنها تعكس أزمة بنيوية أعمق تتعلق بطبيعة الدولة منذ الاستقلال. فقد ظلت العلاقة بين المركز والأقاليم قائمة على اختلالات مزمنة في توزيع السلطة والثروة والتمثيل السياسي، وهو ما تناوله الدكتور أبكر آدم إسماعيل في تحليلاته لجدلية المركز والهامش، حيث يرى أن جذور الأزمة السودانية تكمن في دولة عجزت عن استيعاب تنوعها وأخفقت في بناء مواطنة متساوية. ومن هنا يمكن اعتبار أن الحرب الحالية امتداداً لأزمة تاريخية بنيوية تتعلق بطبيعة الدولة، أكثر من كونها حدثاً استثنائياً، فكلما تعثرت السياسة عاد السلاح ليملأ الفراغ، وكلما غابت المؤسسات حضرت القوة باعتبارها الوسيلة الوحيدة لحسم الخلافات.

وتتوافق هذه القراءة مع ما طرحه أليكس دي وال في تحليله لمفهوم “السوق السياسي”، حيث يرى أن السلطة في عدد من دول القرن الأفريقي تدار عبر شبكات الولاء والتحالفات والمصالح أكثر من إدارتها عبر مؤسسات مستقرة. ويصف نظام الحكم الذي تدار فيه السياسة كعمل تجاري؛ حيث تعامل الولاءات، التحالفات، والحماية كسلع يتم شراؤها وبيعها. وفي مثل هذا السياق تصبح الحرب وسيلة لإعادة ترتيب النفوذ وإعادة توزيع الموارد وإعادة إنتاج النخب السياسية، لا مجرد استجابة لتهديد أمني.

ولعل هذا ما يفسر أن كثيرًا من الحروب تنتهي باتفاقيات مؤقتة بينما تبقى أسبابها الحقيقية دون معالجة لتعود من جديد بأشكال مختلفة

ولم يكن منصور خالد بعيدًا عن هذا التشخيص عندما وصف أزمة السودان بأنها أزمة نخب قبل أن تكون أزمة مجتمع في كتاب “النخبة السودانية وإدمان الفشل”. حيث يذهب إلى أن المأزق السوداني نتج عن عجز النخب المتعاقبة عن بناء مشروع وطني جامع وانشغالها بالصراع على السلطة أكثر من انشغالها ببناء الدولة، لذلك ظلت الحروب تتكرر بينما تتكرر معها الأخطاء ذاتها، وكأن البلاد تدور في الحلقة نفسها منذ عقود.

ويضيف فرانسيس دينق بعداً آخر للنقاش في كتاب “صراع الرؤى ونزاع الهويات بالسودان”، حيث يرى أن السودان لم ينجح في بناء هوية وطنية تتجاوز الانتماءات الأولية. فحين تغيب المواطنة بوصفها أساساً للانتماء تصبح الهويات الإثنية والجهوية أكثر قدرة على التعبئة، ويتحول التنوع الذي يمكن أن يكون مصدراً للقوة إلى وقود للصراع.

وإذا أضفنا إلى ذلك البيئة الإقليمية المضطربة في القرن الأفريقي ومنطقة الساحل، حيث تتداخل النزاعات الداخلية مع التنافس الإقليمي والدولي، يصبح واضحاً أن السودان لا يخوض حربه في فراغ، بل داخل شبكة معقدة من المصالح والتحالفات تجعل إنهاء الحرب أكثر صعوبة، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن الحل العسكري وحده لن يكون كافياً لإخراج البلاد من أزمتها.

إن أخطر ما أنتجته هذه الحرب ليس فقط الدمار أو النزوح أو الانهيار الاقتصادي، بل تطبيع فكرة العنف بوصفها وسيلة مشروعة للعمل السياسي. فحين تتحول الحرب إلى حالة دائمة ويتحول الموت إلى خطاب تعبوي تصبح السياسة نفسها أسيرة منطق القوة وتفقد قدرتها على إنتاج السلام.

إن الكرامة ليست نقيض السلام، وليست مرادفاً للحرب، فالكرامة الحقيقية تعني أن يعيش الإنسان آمناً في وطنه، وأن يجد مدرسة لأطفاله، ومستشفى يعالجه، وقضاء ينصفه، ودولة تحمي حقوقه دون تمييز. أما تحويل الكرامة إلى شعار يبرر استمرار الحرب فإنه يفرغها من معناها الإنساني، ويجعلها أداة في صراع سياسي مفتوح.

اليوم يقف السودان أمام خيار تاريخي: فإما أن تستمر السياسة في الدوران داخل دائرة الحرب وإدارة الموت، وإما أن تعاد السياسة إلى معناها الأصلي بوصفها فناً لإدارة الحياة وحماية الإنسان وبناء المستقبل.

إن السلام لا يبدأ فقط بإسكات البنادق، بل يبدأ عندما يصبح الإنسان لا السلطة هو القيمة العليا في الدولة وعندها فقط تستعيد الكرامة معناها الحقيقي، لا باعتبارها شعاراً يرفع في زمن الحرب، بل حقاً يعيشه المواطن في زمن السلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *