زيارة البرهان “سوق الرتج”: التضليل والتغبيش في الخطاب الرسمي

بقلم: وليد عنبوور

لا تكتمل قراءة المشهد في شرق السودان بعد المقال السابق حول أزمة جبل العيقاد، دون تفكيك الحلقة الأكثر دلالة في مسلسل إدارة الأزمة عبر الخطاب الرسمي والمتمثلة في زيارة البرهان إلى “سوق الرتج”. فبينما لم تزل جريمة جبل العيقاد حية ومؤلمة والرماد لم يبرد فوق خيام المعدنين، خرج الرجل في مشهد بدا ظاهره تفقداً للأحوال؛ ويمكن قراءة الزيارة بوصفها تتجاوز الزيارة الميدانية التقليدية حاملة رسائل تثير تساؤلات حول تعامل السلطة مع السيادة والثروة والحدود، كما يمكن النظر إليها جزءاً من خطاب يعكس إدارة الأزمة أكثر مما يعكس استجابة لتداعياتها. وتُشرّح أبعاد التضليل والمناورة التي شهدها سوق الرتج عبر خمسة محاور تكشف كلما تعمقنا أن ما جرى يتجاوز خطاباً عادياً، إذ تبدو هذه المحاور حلقات متصلة تبدأ بالتعامل مع الأرض وتنتهي بكيفية إدارة الثروة.

 

أولاً: الأثر المترتب على الخطاب في ملف السيادة الجغرافية

 

أسهم خطاب البرهان في تغبيش الوعي الجمعي حين طالب المنقبين بـ”احترام الحدود وعدم تجاوزها”. فظاهر العبارة نصح أبوي وحرص على السلامة، غير أن مضمونها يثير تساؤلات حول ما إذا كان هذا الخطاب يؤدي فعلياً إلى تحول في التعاطي مع السيادة. فحين يطلب القائد العام من مواطنيه “احترام” حدود أمر واقع فرضته قو

ة أجنبية، فإن ما ينتج عن خطابه هو منح قدر من القبول بالأمر الواقع الذي تفرضه السيطرة المصرية على مثلث حلايب والمناطق المحيطة به، ومنها جبل العيقاد. تغدو الكلمات قابلة لأن تُقرأ بوصفها تمنح ذلك الواقع بعداً سياسياً يتجاوز حدود التوصية الأمنية.

 

ويتعزز هذا الانطباع حين أعلن البرهان “تقدير واحترام السودان الكامل لدول الجوار في الشمال والشرق”، داعياً إلى “عدم التحرك نحو الحدود لإثارة أي مشكلات”. تنقل العبارات مركز الاهتمام من قضية السيادة إلى تجنُّب الاحتكاك، فيبدو الطرف المسيطر على الأرض موضع احترام سياسي، بينما يظهر التمسك بالحقوق التاريخية وكأنه المشكلة. تكمن أهمية هذا التحول في تعارضه مع الإرث الدستوري والتاريخي الذي يؤكد سودانية هذه المناطق، ومع وعود البرهان السابقة برفع العلم السوداني في حلايب. لم يتغير الواقع الميداني، ولم يتغير الموقف القانوني، لكن الزيارة تدفع نحو قراءة ترى في الخطاب مؤشرات إلى قبول عملي بالأمر الواقع أكثر من كونه تمسكاً بالموقف التقليدي.

 

ثانياً: تحول السردية نحو تحميل الضحية مسؤولية القصف

 

انطوى الخطاب الرسمي على ما يؤدي إلى تضليل أعمق حين حوّل النقاش من “خرق للسيادة واستهداف مواطنين سودانيين بالقصف الجوي” إلى “خطأ مسلكي ارتكبه المعدنون بتجاوز الحدود”. ويتضح هذا التوجه بمقارنته بما كتبه المستشار السياسي لرئيس مجلس السيادة أمجد فريد قبيل الزيارة، عندما اختزل الاعتداء وسقوط الضحايا في “حادثة حدودية بين سلطات مصرية ومعدنين سودانيين”، داعياً إلى معالجتها عبر القنوات الدبلوماسية بين “دولتين شقيقتين”، مع توجيه انتقادات للخصوم واتهامهم بازدواجية المعايير.

 

يكشف هذا التسلسل عن انسجام ظاهري في عرض الحدث، يخفي تحته اختلافاً في مستويات الخطاب ووظائفه. دعا المستشار إلى ممارسة “منطق الدولة والمسؤولية الوطنية” وتأطير الأزمة دبلوماسياً، بينما ركز البرهان في سوق الرتج على المقاربة الأمنية والإدارية، واضعاً حكومته في موضع المتابع لما أسماه “ما أثير بشأن ضرب معدنين سودانيين عقب تخطيهم الحدود”.

وبهذه الصياغة يتحول القصف إلى مسألة مرتبطة بتجاوز الحدود، وتصبح كلمة “عقب” عنصراً يعيد ترتيب تسلسل الأحداث في ذهن المتلقي، فيظهر تجاوز الحدود الفعل الأساسي والقصف نتيجة لاحقة. ويقود هذا التباين إلى قراءة ترى أن الاهتمام انصرف إلى إدارة تداعيات الحادثة أكثر من التركيز على خرق السيادة والاعتداء على المواطنين، مما يثير تساؤلات حول طبيعة الرسالة التي أرادت السلطة إيصالها للرأي العام.

 

ثالثاً: تحويل النزاع إلى مبرر لتوسيع العسكرة

 

تحت لافتة فرض الأمن ومكافحة التهريب وحماية المواطنين من النزاعات الأهلية يسوق الخطاب الرسمي مبرراته للتدخل، غير أن قراءة تطور الأحداث تشير إلى أن الصراع بين المكونات الاجتماعية أصبح يوفر مبرراً لتوسيع الحضور العسكري في “سوق الرتج”، في وقت تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى معالجات اجتماعية وتنموية. وضمن هذه القراءة يتحول النزاع من مشكلة تستدعي حلولاً مدنية إلى مدخل يبرر استمرار المقاربة الأمنية.

ويتعزز هذا الانطباع بإصدار البرهان “تفويض الأجهزة الأمنية والسلطات المحلية بحكومة البحر الأحمر لمراقبة سوق الرتج بمحلية حلايب لمدة 3 أشهر”، محذراً من أنه سيتم “فرتقة السوق حال ثبوت وجود أي مظهر فوضى أو تهرب من الضريبة”. تبتعد الجمل والكلمات عن لغة مدنية للحلول وتتجه نحو خطاب يقوم على التهديد والعقاب الجماعي، فيصبح السوق ساحة لإجراءات أمنية مباشرة، ويتحول التاجر إلى موضع اشتباه دائم.

وفي مفارقة تعكس عمق الازدواجية يتحوّل الجيش الذي يتولى رسمياً مهمة مكافحة التهريب و”فرتقة” أسواق المتهربين، إلى طرف في معادلة التهريب ذاتها بما يملكه من سيطرة ميدانية على مواقع الإنتاج وطرق التصدير. هذا التموضع المزدوج يفرغ الحديث عن “منع التفلتات” من مضمونه الرقابي ويحوّله إلى أداة لإحكام القبضة على الموارد وإقصاء الفاعلين المحليين من حلقات التجارة، لا إلى إجراء يضبط إيقاع الاقتصاد الحدودي.

ويمكن فهم هذا التوجه بوصفه توسعاً في أدوار المؤسسة العسكرية لتشمل الإدارة الاقتصادية والرقابة على النشاط التجاري في منطقة تمثل عقدة مهمة في شرق السودان؛ وحين يصبح الجيش معنياً بإدارة الأسواق وجباية الإيرادات تتراجع الأولويات التنموية لصالح المقاربة الأمنية، في مسار يعيد إلى الأذهان تجارب سودانية سابقة استُخدمت فيها الانقسامات الأهلية لتبرير الحضور العسكري، وكانت نتائجها اتساع التهميش واستمرار هشاشة الاستقرار. الجديد في هذه النسخة من المقاربة هو سعيها إلى توظيف الإنهاك الاقتصادي وغياب التنمية لترسيخ القبول المؤقت بالعسكرة باعتبارها الخيار الأكثر قدرة على فرض الاستقرار. وهنا يبرز خطر تحول المكونات الأهلية، من أصحاب مصلحة في السيادة والثروة، إلى أدوات ضمن معادلات أمنية تخدم أولويات المركز أكثر مما تعالج جذور الأزمة.

 

رابعاً: شعار “التقنين وحماية البيئة” وانعكاسه على الجباية

 

حملت وعود البرهان بتنظيم قطاع التعدين الأهلي ومحاربة العشوائية خطاباً ظاهره دعوة إلى الإصلاح والتحديث، غير أن القراءة السياسية لمضمونه تثير تساؤلات حول ما إذا كان الأثر المترتب هو إعادة تنظيم القطاع لصالح المجتمعات المحلية، أم إعادة إخضاعه لسلطة المركز بأدوات إدارية ومالية جديدة؟. تكتسب هذه التساؤلات أهميتها من أن مصطلح “العشوائي” الوارد في حديث البرهان: “لن يسمح بانتشار التعدين العشوائي” يظل واسع الدلالة، بحيث يمكن أن يصبح كل نشاط تعدين خارج منظومة السلطة مصنَّفاً باعتباره غير مشروع، وكل ذهب لا يمر عبر قنواتها الرسمية قابلاً للوصف بالتهريب.

ويتجاوز التناقض حدود اللغة إلى الممارسة ذاتها. فبينما يستعطف الخطاب الرسمي المكونات المحلية بآثار التعدين الضارة على البيئة ويحذر من انتشاره، يمارس الجيش هذا النشاط بنفسه ويمنح حلفاءه في الحرب مربعات للتنقيب ضمن مناطق سيطرته. هذا التباين بين ما يُحذّر منه في حق الأهالي وما يُباح للجيش وحلفائه، يحوّل “محاربة العشوائية” من شعار تنظيمي إلى أداة لإعادة توزيع الموارد لصالح المركز العسكري وشبكاته، ويُفرغ دعوة البرهان من أي مصداقية تنموية.

ويعزز هذه القراءة ما أُثير حول الاتفاقية المزمع توقيعها مع شركة صينية للتنقيب عن النحاس في البحر الأحمر لمدة ثلاثين عاماً، وما صاحبها من انتقادات تتعلق بحصة السودان وآلية احتساب العوائد. وبغض النظر عن مدى دقة هذه الانتقادات، فإنها تعكس تصاعد المخاوف من استمرار إدارة الموارد الإستراتيجية بعيداً عن رقابة المجتمعات المحلية ومشاركتها الفعلية، بما يعيد إنتاج العلاقة التقليدية بين المركز والأطراف، ويجعل ثروات الشرق جزءاً من معادلات تُدار خارج الإقليم أكثر مما تُدار من داخله.

واللغة المستخدمة بمفردات مثل “التقنين” و”حماية البيئة” تحمل طمأنينة، لكن سكان المنطقة يعيشون منذ عقود واقعاً يتسم بضعف البنية التحتية وغياب الخدمات الأساسية، مما يجعل أي حديث عن التنظيم مرهوناً بمدى انعكاسه على التنمية المحلية، لا على الإيرادات العامة وحدها.

يمثل سوق الرتج وقطاع التعدين الأهلي المصدر الأساسي للنشاط الاقتصادي في تلك المنطقة، وأي توسع في إخضاعه للمقاربات الأمنية أو المالية قد ينعكس مباشرة على معايش السكان. وجزء مهم من الذهب يجد طريقه إلى الأسواق العالمية عبر شبكات محلية وإقليمية ودولية، ويبقى المعدِّن الأهلي الحلقة الأضعف في هذه السلسلة، مما يثير تساؤلات حول مدى قدرة سياسات “التقنين” على تحقيق العدالة الاقتصادية، أو ما إذا كانت ستنتهي إلى تعزيز موارد المركز دون إحداث تحول تنموي حقيقي في المناطق المنتجة، فيستمر خروج الذهب ويظل الفقر مقيماً في الشرق.

 

خامساً: تغليب التوازنات العسكرية على الحقوق التاريخية

 

يثير الخطاب الذي طُرح في سوق الرتج تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت التوازنات العسكرية الراهنة قد دفعت السلطة إلى تبني قدر من البراغماتية في إدارة ملف الحدود، يؤدي إلى تأجيل التمسك العملي بالحقوق السيادية لصالح اعتبارات ترتبط بالتحالفات الإقليمية المؤثرة في الحرب. وتطرح هذه المعطيات احتمال وجود مقايضة غير معلنة تقوم على تقديم تنازلات حدودية مقابل الحفاظ على الدعم اللوجستي والسياسي من الحليف الشمالي، وهي فرضية تستند إلى مؤشرات أكثر مما تستند إلى إعلان رسمي أو دليل مباشر.

وتكتسب الفرضية وجاهتها عند قراءة تصريحات البرهان خاصة قوله: “الهدف الأساسي في المرحلة الحالية هو محاربة العدو، مما يتطلب تكاتف الجهود لصد أي عدوان خارجي”، من غير أن يسمّي الجهة التي قصفت منطقة جبل العيقاد. ويترك هذا الصمت مساحة واسعة للتأويل، إذ تتجه أولوية الخطاب نحو إدارة المعركة الداخلية، ويتراجع ملف الاعتداء على الحدود، مما قد يُفهم على أنه إعادة ترتيب لأولويات الدولة في هذه المرحلة.

قد يجادل البعض بأن الدولة في حالة حرب، وأن إدارة ملف الحدود تتطلب براغماتية مؤقتة لتأمين الدعم اللوجستي من الحليف الشمالي. وحتى إذا سُلِّم بوجود هذه المعضلة فالسؤال المطروح هو: ما حدود هذه البراغماتية؟ وهل يمكن لإستراتيجية تؤجل المطالبة العملية بالحقوق السيادية والثروات الحدودية أن تؤسس لاستقرار مستدام بعد الحرب؟. إن استمرار هذا المسار قد يفضي إلى تراكم آثار سياسية واجتماعية يصعب احتواؤها لاحقاً، ويجعل معالجة ملف الحدود أكثر تعقيداً في مرحلة ما بعد النزاع.

وإذا صحت هذه القراءة، فإن حلايب وجبل العيقاد وسوق الرتج تتحول إلى أوراق ضمن حسابات سياسية وإقليمية أوسع، تؤدي إلى تراجع أولوية المطالبة العملية بالحقوق الحدودية، وتثير مخاوف من أن يدفع شرق السودان ثمن توازنات المركز وتحالفاته، فيما تظل الحقوق التاريخية مؤجلة إلى ظروف قد لا تأتي قريباً.

 

ما قاله البرهان وما لم يقله

 

تجاوزت زيارة البرهان لسوق الرتج فكرة الزيارة التفقدية لتصبح استكمالاً للمشهد الذي بدأ بقصف جبل العيقاد، حيث تفرض القوة الخارجية أمراً واقعاً على الأرض؛ ويقدم الخطاب الرسمي قراءة للأحداث تدعو المواطنين إلى “احترام” الحدود التي اخترقتها طائرات الآخرين تزامناً مع تمرير اتفاقيات استثمارية طويلة الأمد تُقسّم فيها ثروات الإقليم بمعزل عن إرادة أهله.

ويعكس هذا النمط في إدارة الأزمات الطرفية استمرار مقاربة يغيب فيها التحقيق الجاد والإجراء التنموي الفاعل، مقابل حضور الحلول الأمنية والإدارية التي قد تفضي إلى تآكل سبل العيش واتساع التهميش في المناطق الحدودية. تغدو الدولة حاضرة عندما يتعلق الأمر بإدارة الثروة وجباية الذهب والنحاس، ويتراجع حضورها عندما يتعلق الأمر بحماية الإنسان وصون السيادة.

ويتمثل الأثر التضليلي لهذا الخطاب، بحسب هذه القراءة، في إعادة ترتيب الوقائع وتغيير زوايا النظر إليها، بحيث يظهر المعتدي في صورة جار ينبغي تجنب الاحتكاك معه، وتتحول الضحية إلى طرف يُحمَّل المسؤولية، وتُقدَّم الثروة باعتبارها مورداً يخضع لمزيد من المركزية والجباية والاتفاقيات الفوقية. ويصبح “سوق الرتج” نموذجاً لطريقة إدارة السلطة للأزمات في زمن الانهيار، عبر خطاب يجمع بين الدعوة إلى احترام الحدود والتوسع في المقاربة الأمنية، وتعزيز السيطرة على الموارد.

يبقى ما قاله البرهان في سوق الرتج مهماً لفهم الرسالة المعلنة، غير أن ما لم يقله يظل في نظر كثير من المراقبين مفتاحاً لقراءة أعمق للمشهد. وفي المسافة بين الخطاب الرسمي والوقائع التي سبقته تتشكل الأسئلة التي لا تزال تبحث عن إجابات، وفي مقدمتها سؤال السيادة وحدودها، ومسؤولية الدولة تجاه مواطنيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *