شيماء تاج السر، المحامية
عندما تتحول رحلة الهروب من الموت إلى رحلة بحث يومية عن لقمة العيش تظل النساء السودانيات يدفعن الثمن الأغلى.
بعد ثلاث سنوات من اندلاع الحرب في السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023 لم تعد معاناة النساء تقاس فقط بما فقدنه من منازل أو مصادر رزق، بل بما تراكم في دواخلهن من جروح غير مرئية؛ جروح النفس والذاكرة والخوف المستمر. وفي خضمِّ واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم تقف المرأة السودانية شاهدة على الألم، لكنها أيضاً حاملة لقصة استثنائية من الصمود والقدرة على الاستمرار.
أودت الحرب المستمرة بحياة الكثيرين من بنات وأبناء الوطن منذ اندلاعها، فيما يحتاج ملايين السودانيين إلى مساعدات إنسانية. وتحولت المرأة السودانية إلى هدف سهل للانتهاكات الجسيمة التي بلغت حد القتل والاغتصاب والاستعباد الجنسي والاعتقالات والتهجير القسري. وبينما تحاول ملايين النساء الفرار من جحيم الحرب يواجهن في رحلة الغربة والتهجير مخاطر جديدة لا تقل فداحة.
إليكم قصص ثلاث نساء سودانيات جمعت بينهن المأساة في بلد المهجر مصر، ورغم اختلاف ظروف رحيلهن اجتمعن على قدر واحد من المعاناة وقدرة استثنائية على الصمود حتى الرمق الأخير.
هدى إسماعيل.. أم حملت همّ ابنها على ظهرها
كانت بتخاف على ولدها من قسوة الشغل ومشقته، وقررت تشيل الحمل كله على ظهرها عشان تحميه، وما كانت عارفة إنو طريق رجعتها من الشغل حيشتت شملهم ويكون آخر المشوار.
رحلت هدى إسماعيل، تلك السيدة الأربعينية التي حملت على عاتقها مسؤولية إعالة ابنها الوحيد البالغ من العمر 14 عاماً، بعد أن فرت به من رحم الحرب في السودان إلى أرض مصر، بحثاً عن أمان لم تجده إلا في عناء العمل ومكابدته.
هدى إسماعيل، التي تبلغ من العمر حوالي 49 عاماً، كانت تعمل في مدينة السادس من أكتوبر. كانت تعمل تحت أشعة الشمس الحارقة وتكد الساعات الطوال فقط لتوفر لقمة العيش لابنها الصغير، وتحافظ على كرامته بعيداً عن سوق العمل القاسي في سن مبكرة.
كانت هدى تأمل، مثل كل أم، أن يكمل ابنها تعليمه وألّا يعيش ما عاشته من مشقة. كانت تحمله على قلبها وتحمي ظهره، لكن القدر كان له رأي آخر. في طريق العودة من العمل، وعلى طريق الضبعة بمدينة السادس من أكتوبر في محافظة الجيزة، انقلبت سيارة الميكروباص التي كانت تقل هدى وزميلاتها. لقيت هدى إسماعيل مصرعها فوراً إلى جانب زميلتها عفاف آدم، بينما أصيبت 7 عاملات أخريات يحملن الجنسية السودانية.
تلقت غرفة عمليات نجدة الجيزة بلاغاً بوقوع الحادث ووجود وفيات ومصابات، لتنتقل على الفور الأجهزة الأمنية وسيارات الإسعاف إلى الموقع. باشرت النيابة العامة التحقيقات وأمرت بنقل جثماني السيدتين إلى المشرحة وانتداب الطب الشرعي لتحديد أسباب الوفاة.
تُرك ابن هدى البالغ من العمر 14 عاماً وحيداً في مصر بعد أن فقد كل شيء؛ وطنه وأمه ومصدر الأمان الوحيد في حياته. سؤال واحد يظل معلقاً: من سيرعى هذا الصبي بعد أن ضحت أمه بحياتها من أجله؟.
صفاء إبراهيم الطيب.. رحلة قطار نحو المجهول
في واقعة أخرى هزت المشاعر وأثارت تعاطفاً واسعاً في مصر والسودان فارقت صفاء إبراهيم الطيب الحياة في حادث مأساوي بمحطة القطار بمحافظة أسيوط تاركةً خلفها 5 أطفال دون حضن أم في قسوة هذه الحياة.
صفاء الأم السودانية، التي فرت من جحيم الحرب في السودان حاملةً أطفالها الخمسة على أمل الوصول إلى أقارب لهم في منطقة فيصل بمحافظة الجيزة، غادرت السودان إلى مصر ووصلت إلى أسوان قبل أن تستقل القطار برفقة أطفالها في رحلة شاقة نحو القاهرة.
لكن الرحلة التي كانت تحمل في طياتها أمل اللقاء والأمان تحولت إلى مأساة حين فارقت الأم الحياة في الحادث ليجد أطفالها الخمسة أنفسهم في محطة القطار وحدهم، بينما لا يزال والدهم علي محمد علي جامع في السودان.
الأطفال الخمسة: مختار، محمد، عمر، تالين ومؤتمن، فقدوا أوراقهم الثبوتية داخل القطار وفقدوا أمهم التي كانت كل شيء في حياتهم. نشر متطوعون صور الأطفال ومعلوماتهم، وأكدوا أن الهدف من المناشدة هو الوصول إلى أسرتهم، وتتواصل الجهود الانسانية بمبادرة الشاب المصري صلاح في أسيوط والجيزة للوصول إلى أقارب الأطفال في ظل مناشدات بضرورة الإسراع في لم شملهم بوالدهم أو بخالاتهم المقيمات في منطقة فيصل.
في مشهد مؤلم آخر تحدثت منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي عن أطفال سودانيين في محطة قطار أمهم توفيت في حادث قطار في لحظة إنقاذها لابنتها الصغيرة في المحطة. أم ضحت بحياتها لتنقذ طفلتها لكن من سينقذ هؤلاء الأطفال بعد رحيلها؟.
أسماء عبدالقيوم منصور.. جحيم النار في مول حدائق الأهرام
في حريق مروع التهم مولاً تجارياً بمنطقة حدائق الأهرام في محافظة الجيزة كانت السودانية أسماء عبدالقيوم منصور، وهي أم لثلاثة أطفال، بين الضحايا الذين لقوا مصرعهم.
اندلع الحريق في المول التجاري المكون من 6 طوابق بشارع الجيش في البوابة الرابعة بمنطقة حدائق الأهرام في تمام الساعة الرابعة والنصف عصراً، أسفر الحريق عن وفاة 3 أشخاص من بينهم السيدة السودانية وإصابة 9 آخرين ما بين اختناق وحروق متفرقة بالجسد وجروح مختلفة.
انتشلت قوات الحماية المدنية 3 جثامين لضحايا الحريق من تحت الرماد والركام، وبينت التحريات الأولية أن الحريق اندلع داخل العقار نتيجة تماس كهربائي يُشتبه في حدوثه بجهاز تكييف بأحد المحلات التجارية.
أسماء عبدالقيوم، مثل هدى وصفاء، كانت امرأة سودانية فرت من الحرب بحثاً عن حياة كريمة لأطفالها. عملت وكافحت وتحملت الغربة والبعد عن الأهل والأحبة فقط لتوفر لأطفالها الثلاثة لقمة العيش والأمان، لكن النار التي التهمت المول التهمت معها أحلامها وأحلام أطفالها .
تركت أسماء ثلاثة أطفال يتامى في مصر بعد أن فقدوا أمهم التي كانت سندهم الوحيد في بلد الغربة، يتامى فقدوا وطناً وأماً في آنٍ واحد.
معاناة مضاعفة في ظل النزوح واللجوء
ما يروى عن هؤلاء النساء ليس سوى غيض من فيض من معاناة تعيشها ملايين النساء السودانيات النازحات واللاجئات. تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 4.3 مليون امرأة وفتاة نازحات داخل السودان فيما يحتاج 17.1 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية.
وتشهد مصر توافد أعداد كبيرة من السودانيين منذ اندلاع الحرب، وغالباً ما تسافر الأسر منفردة عبر القطار أو الحافلات بين المحافظات بحثاً عن الاستقرار، ويقدر أن العدد الأكبر من السودانيين من النساء والأطفال.
بالنسبة للنساء النازحات تتضاعف المعاناة. فالحياة في ظروف النزوح تعني انعدام الخصوصية وضعف الحماية وضغوطاً يومية لتأمين الاحتياجات الأساسية. تتحمل النساء عبء رعاية الأسر وحماية الأطفال وإيجاد سبل للبقاء في ظل غياب شبه كامل للدعم النفسي المتخصص. هذه المسؤوليات الثقيلة مقرونة بالتجارب الصادمة تؤدي إلى تآكل تدريجي للصحة النفسية، مما ينعكس أيضاً على الصحة الجسدية.
وتكشف دراسة أممية أن 76% من النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 25 و49 عاماً أبلغن عن شعورهن بعدم الأمان في مخيمات النزوح وخارجها في الأسواق ونقاط المياه ومناطق جمع الحطب والطرق والشوارع.
صمود أسطوري في وجه الانكسار
ورغم هذا الواقع القاسي لا يمكن اختزال قصة النساء في السودان في الألم فقط. فهناك جانب آخر أكثر قوة وإلهاماً هو جانب المقاومة اليومية والقدرة على إعادة بناء الحياة من تحت الركام. في دور الإيواء في المجتمعات المضيفة، وحتى في قلب المناطق المتأثرة بالنزاع، تنهض النساء بدور ريادي في قيادة المبادرات المجتمعية، فينشئن مساحات آمنة وينسجن شبكات للدعم النفسي والاجتماعي.
وتؤكد التقارير الدولية والمحلية مكابدة النساء في السودان صعوبات جسيمة خلال الحرب. فآلاف منهن واجهن انتهاكات مريعة لكنهن واصلن النضال من أجل البقاء، وقد تحولت المرأة السودانية وسط الحرب من ضحية للأزمة إلى قوة تقود الصمود والإغاثة والاقتصاد.
وتقول إحدى الناشطات السودانيات “لقد أثبتت المرأة السودانية خلال الحرب قوتها وصمودها الاستثنائي، فهي تعمل مع الآخرين يومياً لإطعام آلاف الأشخاص، وتدير مراكز الإيواء وتقود جهود الإغاثة”.
وفي مصر تواصل النساء السودانيات النضال يومياً من أجل البقاء بكرامة رغم كل الصعوبات التي تجبرهن على تقديم تنازلات كبيرة. قصص هدى وصفاء وأسماء ليست سوى نموذج لمئات الآلاف من النساء اللواتي يسعين للبقاء رغم كل شيء.
بين النار والموت.. حكاية صمود لا تنتهي
ثلاث نساء، وثلاث قصص، وثلاث مآسٍ جمعتهن الحرب وفرقتهن المنايا؛ هدى التي ضحت بحياتها لحماية ابنها من قسوة العمل، وصفاء التي تركت أطفالها الخمسة يتامى في محطة قطار بعيدة، وأسماء التي التهمتها النار وهي تكافح من أجل أطفالها الثلاثة.
قصصهن ليست مجرد أخبار عابرة، بل هي مرآة تعكس معاناة ملايين النساء السودانيات اللواتي يحملن على أكتافهن وطناً تهدم وأطفالاً يحتاجون إلى الرعاية وأحلاماً تتهاوى تحت وطأة الحرب والنزوح. ففي الوقت الذي تستمر فيه الحرب في السودان وتتسع رقعة النزوح وتتفاقم الأزمات الإنسانية تظل النساء السودانيات يدفعن الثمن الأغلى، بين فقدان الأهل والتهجير القسري وعناء العمل ومخاطر الطريق، ويظل صمودهن أسطورياً وإرادتهن في الحياة أقوى من كل المحن.
ورغم كل هذه المعاناة تثبت المرأة السودانية كل يوم أنها ليست مجرد ضحية للحرب، بل هي رمز للصمود والأمل وقوة لا تلين في وجه أقسى الظروف. إنها تحمل وطنها على كتفيها وتبني من ركام الدمار حياة جديدة، وتعلم أطفالها أن الحياة تستحق النضال.
فهل آن الأوان لأن يسمع العالم صرخات هؤلاء النساء؟ وهل سيتحرك المجتمع الدولي لوقف هذه الحرب التي تلتهم كل شيء في طريقها؟. الأسئلة تبقى معلقة بينما تواصل النساء السودانيات رحلتهن اليومية من أجل البقاء حاملات على أكتافهن وطناً يتشظى وأحلاماً لا تموت.
رحم الله الفقيدات هدى إسماعيل وعفاف آدم وصفاء إبراهيم الطيب وأسماء عبدالقيوم منصور وجميع ضحايا الحرب والنزوح.