لـ(ديسمبر) كلمة

 

تأكيد المؤكد

 

حسناً فعل وفد مجلس السلم والأمن الأفريقي خلال زيارته للخرطوم بداية الأسبوع بأن أعاد ضبط الموقف الأفريقي على الموقف الصحيح، بعد محاولات متكررة من قوى إقليمية ومن داخل قيادة مفوضية الاتحاد الأفريقي لتجيير هذا الموقف لصالح حكومة قائد الجيش، الفريق عبد الفتاح البرهان.

وبدا واضحاً أن الزيارة التي خطَّطت لها وزارة الخارجية السودانية مع حلفائها الإقليميين لتمثل بداية للاعتراف بمشروعية حكومة الجيش، انطلاقاً من زيارة الخرطوم التي رتبتها الرئاسة الجزائرية لمجلس السلم والأمن الأفريقي، قد فشلت بعد أن نجح الوفد الكبير المرافق للسفير الجزائري في تثبيت عدد من النقاط الرئيسية في حواراته مع قيادات الخرطوم.

النقطة المحورية في الإيجاز الصحفي الذي قدمه رئيس الوفد في نهاية الزيارة تمثلت في التشديد على عدم وجود حل عسكري للأزمة، وأن الطريق الوحيد للخروج من الأزمة يمر عبر وقف الحرب والحوار والمصالحة الوطنية والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة، وهو ما يتناقض مع التصريحات المتكررة لقائد الجيش بأن الخيار هو الحسم العسكري. وقد عبّر الوفد عن قلقه إزاء استمرار النزاع المسلح والخسائر الكبيرة في الأرواح والدمار الذي طال البنى التحتية والأزمة الإنسانية التي ترتبت على هذا الوضع.

دعا الوفد إلى هدنة إنسانية تمهد الطريق لوقف شامل لإطلاق النار، وبما يسمح بتهيئة الظروف المناسبة لإطلاق حوار سوداني بقيادة سودانية يعالج الأسباب العميقة للنزاع وصولاً لحل سلمي توافقي ومستدام، وهو ما يمكن تفسيره على أنه إعادة تموضع فيما يتعلق بالحوار السوداني بعد الخلافات التي ترتبت على التحركات الأخيرة للخماسية.

حدد وفد مجلس السلم والأمن الأفريقي بوضوح الهدف النهائي لجهوده والمتمثلة في مرافقة الشعب السوداني في تطلعاته المشروعة لاستعادة السلم والاستقرار والتنمية وإرساء الحكم المدني، الأمر الذي يناقض طموحات قائد الجيش في الدعوة لحوار يستهدف “شرعنة” سلطته وبقائه على قمتها لسنوات قادمة عبر “حوار وثبة” جديد.

إذن أعاد وفد مجلس السلم والأمن الأفريقي تحديد الأولويات مثلما رسمتها “خارطة طريق الرباعية”، وأغلقت الطريق أمام محاولات قائد الجيش للبحث عن مخارج هروب من التزاماته عبر العودة للحديث عن أن وقف الحرب يمر عبر تنفيذ بنود اتفاق جدة.

وينسى البرهان وأجهزته الأمنية، التي تروج “لاتفاق جدة”، أن الهدف من هذا الاتفاق هو “تحقيق وقف إطلاق نار قصير الأمد، لتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية الطارئة واستعادة الخدمات الأساسية”، وأنه لا يمثل حلاً مستداماً للأزمة. كما أن الأوضاع السياسية والأمنية والعسكرية على الأرض تغيرت كثيراً ما يتطلب أخذها في الاعتبار.

ويتجاهل البرهان أن “اتفاق جدة” يدرج “إعلان جدة” (الالتزام بحماية المدنيين في السودان) كمرجع ما يعني مثلاً الالتزام بأن الإعلان “لن يؤثر على أي وضع قانوني أو أمني أو سياسي للأطراف الموقعة عليه”، فهل يريد البرهان العودة بالأوضاع إلى ما كانت عليه قبل 15 أبريل 2023؟.

مهما حاول قائد الجيش “المراوغة”، إلا أن هامش المناورة المتاح أمامه يتقلص، ليس فقط لأن هذه الحرب لا يمكن أن تحسم عسكريا فقط، ولكن لأن الأوضاع المعيشية والخدمية وصلت إلى مستوى من التردي يجعل من الصعب معالجتها بالمسكنات.

الطريق واحد هو وقف الحرب بالاستناد إلى خارطة طريق الرباعية، ومن ثم السماح بإيصال المساعدات الإنسانية وعودة النازحين واللاجئين، ثم إطلاق الحوار الوطني بهدف واضح وصريح هو استعادة الانتقال المدني الديمقراطي.

لا للحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *