أماني أبو سليم
حين نعيد فتح “الثلاثية” أو نمر على “زقاق المدق” نجد أننا نعيد معايشة زمن كامل بتفاصيله الصغيرة. للرواية، إلى جانب الحكي، قدرة على حفظ زمن كامل، من خلال تفاصيله الصغيرة أكثر من عرض أحداثه الكبرى مثلاً أسرة تتبدل كما في “بين القصرين”، شاب يكتشف معنىً جديداً كما فعل كمال عبد الجواد، وامرأة تبحث عن حياة مختلفة كما فعلت زهرة في “ميرامار”.
هذا ما فعله نجيب محفوظ، وأحد أهم إضافاته أنه جعل الرواية سجلًا حيًا للتحولات الاجتماعية في مصر. على امتداد أكثر من نصف قرن، جعل الحياة اليومية مادة للرواية، والتقط التحولات الكبرى من خلال حياة الناس العاديين، فصارت أعماله صورة متحركة للمجتمع المصري وهو يتغير من جيل إلى آخر.
رحل نجيب محفوظ في 30 أغسطس 2006 بعد أن منح مصر، والعالم، خمسين عاماً من الكتابة عنها. في الذكرى العشرين لرحيله، ربما تكون فرصة مناسِبة لأن نتوقف عند ما تركه لفن الرواية.
قبل محفوظ، كان للرواية العربية تاريخ طويل من التجريب والتأسيس. في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تشكلت الرواية الحديثة تحت تأثير الترجمة والرواية التاريخية والصحافة والتراث، وكانت بعض الروايات تمزج بين فن الحكي والمقال والتأمل الفكري. ثم تطورت مع محفوظ إلى استكشاف الإنسان من خلال تقلباته: خوفه، طموحه، ضعفه، تناقضاته، وأثر المجتمع والأحداث فيه.
لم يكن محفوظ مجرد امتداد للرواد، وإنما حلقة انتقال أساسية بين الرواية العربية في مرحلة تأسيسها والرواية العربية الحديثة. انظر إلى “أولاد حارتنا”: هنا لم تعد الرواية تحكي فرداً، بل شبكة كاملة من الشخصيات والعلاقات، حتى تصبح الحارة نفسها بطلة العمل. وفي “الثلاثية”، حرر محفوظ الشخصية من كونها تمثل فكرة، كما شخصية السيد أحمد عبد الجواد الذي بالإضافة لتمثيله الرجل الشرقي كفكرة، فقد كان شخصية روائية لها رغبات ومخاوف ومصالح وأوهام وتناقضات، نفهمها حتى حين لا نتفق معه.
ومع تعدد الأصوات ووجهات النظر في رواية مثل “ميرامار”، لم يعد صوت الكاتب هو الصوت الوحيد الذي يفسر ويحكم، بل ترك للشخصيات أن تتحدث، وللقارئ أن يبني تصوره الخاص.
المكان والزمان يمثلان عند محفوظ أكثر من خلفية للأحداث. الحارة في “أولاد حارتنا”، البيت في “بين القصرين”، المقهى في “زقاق المدق”، العوامة في “ثرثرة فوق النيل”، والقاهرة في كل أعماله تقريباً، كلها تتحول عنده إلى عناصر فاعلة في بناء الرواية، وأحياناً إلى رموز لمعانٍ أكبر وأشمل.
ومن أهم ما يميز محفوظ الروائي تلك اللغة البسيطة التي لم يجتهد لتزيينها، بل تركها واضحة وقريبة، لكنها قادرة على حمل الشخصيات والأفكار والرموز. هكذا انتقل بالرواية من الحكاية إلى بناء عالم روائي مميز، ومن الشخصيات النمطية إلى الشخصيات المركبة، ومن وصف الحال إلى معايشته من خلال شخصيات حية نكاد نراها من لحم ودم.
بدأ محفوظ مشروعه الروائي في الثلاثينيات من القرن الماضي، وامتد نصف قرن، نشر خلالها خمساً وثلاثين رواية، حسب دار نشر الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وهو رقم يجعله من أغزر الروائيين العرب إنتاجاً في القرن العشرين. كان يجرب أداةً ثم يضيف أخرى، فكتب الرواية التاريخية في بداياته في الثلاثينات حتى منتصف الأربعينيات مثل “رادوبيس”، ثم الواقعية مثل “خان الخليلي” و”الثلاثية” من منتصف الأربعينيات حتى نهاية الخمسينيات، لينتقل إلى الأسطورة والرمز والفلسفة بعدها في “أولاد حارتنا” و”الحرافيش”. في كل ذلك كان يختبر سؤالاً واحداً بأشكال مختلفة:
إلى أي مدى يمكن للرواية أن تمسك بحياة الإنسان دواخله وخارجه؟.
كتب محفوظ عن مصر والمجتمع المصري كعوالم لرواياته، وفي نفس الوقت جعلهما مادة لاختبار إمكانات فن الرواية. إبداع الروائي حين يجعل التفاصيل الصغيرة تتسع للمعاني الكبيرة، تفصيل صغير لشخص عادي في حارة أو قرية، نُقل بصدق، قد يعبر عن الإنسان في أي مكان.
وربما هذا ما أضافه نجيب محفوظ لفن الرواية: أن حوّلها من حكاية تُروى إلى عالمٍ يُعاش، تصنعه تفاصيل صغيرة وعادية، لتعكس صورة أكبر لعوالم تُحَس ولا تُرى.