كيف انحط الإسلامويون في السودان بدور رجال الدين وجعلوهم محل سخرية

خالد أبو أحمد

 

في كل بلاد الدنيا وفي كل الأزمنة كان رجل الدين موضع إجلال الناس وتوقيرهم. هذا صحيح في الإسلام وفي المسيحية وفي اليهودية، وفي كل الطوائف والمذاهب. وليس مرجع ذلك إلى العمامة، ولا إلى المنصب بل إلى الدور نفسه.. هو من يجبر خواطر الناس في لحظات ضعفهم، وإليه يلجأون عندما يقع عليهم الظلم أو تشتد بهم الحاجة إلى سند معنوي لا يجدونه عند أحد. وهو من يتدخل بصوت الحكمة لإخماد الفتنة قبل أن تتسع، ومن يحثُّ على العفو ومقابلة الإساءة بالإحسان، ومن يذكّر الناس دائماً بأنهم متساوون في الإنسانية ولهم جميعاً الحق في العيش بأمان. على هذا نشأنا في السودان قبل أن تأتي هذه العصابة إلى سدة الحكم.

لم يكن ذلك كلاماً نظرياً، بل ممارسة يومية شهدت عليها القرون. المسيد في السودان كان أرضاً محايدة لا تنتهكها قبيلة ولا حكومة، ومن استجار به صار محمياً بعرف صارم لا يجرؤ أحد على خرقه. والخلوة كانت تجمع أبناء الشرق والغرب والشمال والجنوب في مكان واحد؛ يدرسون معاً، ويأكلون من قدح واحد، فتذوب العصبية القبلية في ذلك القدح قبل أن تذوب في أي خطاب سياسي جاء بعد ذلك بقرن.

من هنا ننظر للشيخ العبيد ود بدر الذي قاد أضخم مبادرة صلح في وسط السودان، وهي المعروفة بصلح (المسامير)، ووضع وثيقة التزمت بها القبائل سنوات طويلة. وفي مجاعة سنة ستة (1306هـ/1887م) تحولت الخلاوي والمسايد إلى مراكز إيواء تطعم الآلاف من الجائعين بلا سؤال عن قبيلة أحدهم أو جهته. ومشايخ كدباس في بربر فتحوا أبوابهم لكل خائف مستجير، وقادوا مبادرات متكررة لسداد الديات وديون المعسرين لإخراجهم من السجون وإعادتهم إلى أهليهم. والشيخ أزرق طيبة في الجزيرة انحاز إلى المزارعين والكادحين وصار مسيده منبراً يدافع عن حقوقهم أمام السلطات في مختلف العهود.

“أمام السلطات”.. هذه هي الكلمة التي يقوم عليها كل ما بعدها، كان الشيخ يقف بين الناس والحاكم لا خلف الحاكم، ومن هذا الموقع وحده كان يأتيه احترام الناس، الرجل الذي لا ينتظر من السلطان عطاءً ولا يخاف من بطشه، تُقبل شهادته ويُطمأن إلى كلمته، وهذا رأس المال الوحيد الذي كان يملكه شيخ فقير يسكن بيتاً من طين، وقد توارثه أهل السودان جيلاً بعد جيل، ولم يبدده أحد على مدى قرنين كاملين حتى جاء من بدده في ثلاثين عاماً.

 

النموذج الأول

 

ما فعله الإسلامويون منذ 1989 لم يكن انقلاباً على حكومة منتخبة فحسب، بل كان انقلاباً على موقع الشيخ. جرى إدخال المنبر إلى داخل جهاز الدولة، وصار له سلم وظيفي وميزانية وترقيات ومكاتب، وصار المتحدث باسم الدين يتلقى راتبه ممن كان من واجبه أن يراقبه ويسائله. وعندما يصير الأجر من يد الحاكم تصير الكلمة ملكاً له، لم يعد السؤال: ما حُكم الله في هذا الأمر، بل صار السؤال: ماذا تحتاج السلطة أن يُقال اليوم؟. وهذه هي اللحظة التي بدأ منها كل ما نراه الآن.

خذ نموذج الشيخ د.عبد الحي يوسف، فقد رافق النظام ثلاثة عقود كاملة ولم يصدر عنه موقف علني حاسم واحد من الانتهاكات التي جرت في تلك السنوات؛ في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وكانت الطائرات تقصف القرى سنة بعد سنة، وسقط الآلاف تحت القصف، لم يتحول ذلك يوماً لديه إلى موضوع خطبة. ولما قامت ثورة ديسمبر 2019 خرج من صمته الطويل ليقف ضدها وضد الحكومة المدنية التي جاءت بعدها. ولما فُضَّ الاعتصام بما فيه من دم وجاءت قرارات أكتوبر 2021 وجدت الإجراءات العسكرية من يسندها، وصار خطابه دائرا حول تحريم الخروج على الحاكم والدعوة إلى فض التظاهرات، أي أن الرجل لم يكن صامتاً على الإطلاق، كان صوته يعمل بانتظام، ولكن في اتجاه واحد.

ويقال دفاعاً عنه إن الكبت الأمني في تلك السنوات لم يكن يسمح لأحد بصوت، وهذه الحجة تنقلب عليه لا له. فالذين لم يكن مسموحاً لهم بصوت كانوا يُساقون إلى السجون وبيوت الأشباح وهم صامتون، ولم يشفع لهم صمتهم، أما هو فكان يملك منبر جمعة وقناة فضائية كاملة اسمها (طيبة) أُسست بمال ضخم يقول هو نفسه إنه جاءه من الرئيس المعزول. الرجل الذي مُنح الصوت وحده في زمن أُسكت فيه الجميع لا يعتذر عنه بالخوف، والمال الذي خرج من خزينة بلد ينهار اقتصاده ليؤسس قناة خارج حدوده يفسر لماذا سار الصوت في ذلك الاتجاه بالتحديد. ولهذا صار الرجل اليوم عند عموم السودانيين موضع سخرية ولم يعد أحد يستمع إليه بحثاً عن فتوى.

 

النموذج الثاني

 

الدكتور محمد الأمين إسماعيل سار في الطريق نفسه، موالاةً طويلة للنظام وصمتاً مطبقاً طوال سنوات القصف الجوي في دارفور والنوبة والنيل الأزرق، لم تخرج منه كلمة واحدة عن آلاف القتلى هناك. لكن الشيخ بكى في خطبة جمعة (يناير 2021) خصصها لنقد سياسة مدير المناهج بوزارة التربية والتعليم عمر القراي بسبب ما قيل إنه تغيير المناهج. وقد انتشر مقطع الفيديو انتشاراً واسعاً، وكانت الأسئلة تدور في أذهان الجميع: أين كانت دموعك عندما حدثت مجازر داخل البلاد وقال عنها (الرئيس) نفسه “قتلنا أهل دارفور لأتفه الأسباب”؟، ومن قبله قال د.مصطفى عثمان إسماعيل، القيادي الكبير في النظام، رداً على تقدير الأمم المتحدة ضحايا مجازر دارفور بثلاثمائة ألف قتيل، إنهم عشرة آلاف فقط..!.

هذا بعيداً عن مجزرة اعتصام القيادة العامة، وتصفية طلاب الخدمة الإلزامية في معسكر (العيلفون)، والشيخ محمد الأمين إسماعيل موجود ويؤم الناس في صلاة الجمعة ويحاضر لطلابه في الجامعة وفي المساجد، لكنه يبكي لأن رئيس إدارة المناهج فكر في تغيير المناهج التعليمية، بغضِّ النظر عن اختلافنا معه أو الاتفاق لكن الدم أولى بالبكاء والحزن..!.

ثم زاد الأمر بتصريحه أن المواطن أو الشعب السوداني هو من أشعل الحرب، وهو قول تحول في يومه إلى مادة للتندر في كل مجلس. الناس تعرف أن قرار الحرب اتخذته النخب العسكرية والسياسية الإسلاموية، ولم يُستشر فيه نازح واحد من الملايين الذين دفعوا ثمنه وحدهم. تحميل الضحية وزر ما جرى لها هو آخر ما يمكن أن يصدر عن رجل دين، ومن يقول هذا لا يحتاج خصومه إلى مجهود ليسخروا منه.

وثمة ما هو أعمق من الموقفين؛ الوعظ بالصبر لا يُسمع من رجل بعيد عما يدعو إليه، الناس تحتمل أن يذكّرها بالرضا والقناعة رجل فقير مثلها ولا تحتمل الكلام نفسه من رجل تعرف كيف يسكن وكيف يتنقل، والاستبداد في كل مكان يدرك هذا مبكراً، ويعرف أن الشخصية المؤثرة أنفع له ساكتة منها ناطقة، لأن الصمت أرخص ثمناً، ولا يترك أثراً يُحاسب عليه صاحبه لاحقاً. الرجل الذي يستمع إليه ألف مصلٍّ كل جمعة يساوي عند السلطة أكثر من جهاز أمن بأكمله، لأنه وحده القادر على أن يمنح الظلم صفة القَدر، وأن يحوّل جوع الناس إلى ابتلاء يُثابون عليه.

وبعد ثلاثين عاماً من هذا كله لم يعد المنبر في السودان مكاناً للوعظ، صار ساحة تُصفَّى فوقها حسابات سياسية بلغة الدين. وحين ينحدر المكان إلى هذا الحد يصبح مفتوحاً لمن هو أقدر على استعماله في وظيفته الجديدة.

 

النموذج الثالث

 

هو الشيخ محمد مصطفى عبد القادر، الرجل لا ينتمي تنظيمياً إلى الحركة الإسلاموية بل هو زعيم أنصار السنة المحمدية، غير أن خطابه أشد مناصرة للإسلامويين من خطاب شيوخهم أنفسهم. وهذه هي اللعبة في صورتها الأخيرة، الغطاء الديني يكون أنفع للسلطة كلما جاء من خارج تنظيمها، لأنه يبدو رأياً مستقلاً لا موقفاً حزبياً. رجل بلا بطاقة عضوية يدافع عنهم بحماسة أعلى من حماستهم، يقدم لهم ما لا يستطيع أيٌّ منهم أن يقدمه لنفسه.

وهو أوسع الثلاثة انتشاراً، وأكثرهم إثارة للسخرية في آن واحد، يلقي خطبه بطريقة مسرحية بالدارجة، ويقلد حركات خصومه ونبرات أصواتهم تقليداً كاريكاتيرياً يُضحك المصلين بصوت عالٍ داخل المسجد، ويستعمل من الألفاظ ما لا يليق بمكان ولا زمان، فضلاً عن أن يليق بمنبر جمعة، وقد ألصق به الناس لقب (شيخ التُفاف) من كثرة ترديده لفظة وحركة لا تُقبل حتى خارج السياق الديني، كما يردد عبارته المشهورة (تبّاً لك) مع حركة هي الأقرب للبصق في وجه الشخص، ومعركته الدائمة مع المتصوفة هي مادته الأساسية يعيدها كل أسبوع بينما البلد يحترق، وفي مقطع متداول يظهر في مركز الرشاد وحوله جنود مدججون بالسلاح، وهذا المشهد وحده يقول عن موقعه ما لا يقوله انتماؤه الفقهي.

إن نموذج محمد مصطفى عبدالقادر رسَّخ مع جهود أخرى كثيرة لغة العنف اللفظي. إن استخدام العبارات الحادة والسخرية من الآخر على المنابر يسهم في تطبيع لغة الإقصاء، هذا التراشق اللفظي يشحن النفوس ويمهِّد الأرضية الفكرية لنشوء جماعات أكثر تطرفاً وعنفاً مستقبلاً. وللأسف الشديد والمؤلم أن هناك من يقطع المسافات الطويلة ليصلي معه صلاة الجمعة من أجل الإضحاك، لا من أجل الرغبة في نيل الثواب، لذلك نرى المصلين يضحكون بأعلى أصواتهم وكأنهم في بيت مناسبة اجتماعية وليست صلاة جمعة تذكر في خطبها الكثير من الألفاظ النابية والبذيئة التي لا تشبه روح يوم الجمعة.

 

النفور عن الخطاب الديني..!

 

لكن الثمن لا يدفعه المسؤولون عنه وحدهم، فالضحك لا يفرّق بين شيخ وشيخ، وهو يصيب اليوم شيخ خلوة في قرية بعيدة لم يأخذ من أحد جنيهاً، ولم يفتِ لحاكم يوماً ولا يعرف طريق العاصمة أصلاً، صار هذا الرجل يخرج بين الناس فيرى في عيون الشباب نظرة لم يرها أبوه ولا جده من قبل. وهذه هي الجريمة الحقيقية للإسلامويين، فهم لم يفسدوا أنفسهم وحدهم، بل أتلفوا رصيداً اجتماعياً لم يصنعوه، رصيداً استغرق بناؤه قرنين من العمل الصامت في المسايد والخلاوي.

والأخطر من ذلك كله جيل كامل من السودانيين لم يعرف من الدين إلا وجهه الذي رآه على تلك المنابر، جيل شبَّ على مشهد شيخ يبرِّر القصف بصمته، وآخر يبكي متأخراً، وثالث يشتم على المنبر، ثم يُطلب منه بعد ذلك أن يحترم الخطاب الديني!. من ثمار هؤلاء أن ملايين الشباب انصرفوا عن كل ما يُقال من فوق المنبر، الذين رفعوا شعار حماية الدين من العلمنة هم من أنتجت بأيديهم أكبر موجة نفور عن الخطاب الديني في تاريخ السودان الحديث.

وفي ظل الظروف الحرجة والأزمات الوجودية التي يعيشها السودان اليوم، لم يعد الانقسام الفكري والديني مجرد خلاف نخبوي أو فقهي يدور داخل الغرف المغلقة، بل تحوّل إلى مِعول هدم يضرب بعنف أركان الاستقرار الاجتماعي ويقوض أمن البلاد القومي؛ ويتجلى أثر هذا الاستقطاب الحاد في عدة مسارات كارثية.

أول هذه المسارات هو تآكل “المشتركات الوطنية” وتعميق الاستقطاب؛ فبينما كان الدين تاريخياً عامل توحيد وسلام، تسبب تخلي الخطاب الديني الحديث عن التسامح وتبنيه للغة الحادة القائمة على “التكفير والتبديع” في تحويل الخلافات المجتمعية من تباينات سياسية أو فكرية طبيعية يمكن تفكيكها بالحوار، إلى صراعات عقائدية صفرية يرى فيها كل طرفٍ الآخرَ عدواً تجب إزاحته وإقصاؤه بالكامل.

هذا التراشق العنيف، وغياب الخطاب الديني الوسطي الجامع الذي يعلي من قيم المواطنة، أفسح المجال طردياً لبروز الهويات الضيقة والانتماءات القبلية والمناطقية، وهذا ما أرادته الطغمة الحاكمة في السودان لكي تلعب بهذه الأوراق المتمثلة في (القبلية) و(المناطقية)، الأمر الذي هدد بالفعل وحدة البلاد وسلامة أراضيها بشكل غير مسبوق.

 

افتقار الإسلامويين إلى الرصيد الأخلاقي

 

ولم يقف الحد عند هذا التشظي، بل امتد ليتسبب في شلل تام لآليات السلم الأهلي التقليدية مثل “الجودية والصلح”. فالتاريخ السوداني يزخر بمواقف رجالات الصوفية الكبار وشيوخ السجاجيد والمسايد الذين كانوا يتدخلون كأطراف محايدة، نزيهة وموثوقة، لحسم أعقد النزاعات وحقن الدماء، إلا أن حملات الطعن المستمرة في شرعيتهم، من قِبل الإسلامويين والسلفية الحركية، أدت إلى إضعاف هيبتهم الروحية والأدبية في عيون الأجيال الجديدة، مما حرم المجتمع من أقوى أدوات فض النزاعات الشعبية. والمأزق الأكبر هنا يكمن في غياب البديل؛ إذ تفتقر هذه التيارات الحركية والمؤدلجة إلى الرصيد الأخلاقي، والامتداد القبلي، أو القبول الاجتماعي الشامل الذي يؤهلها للعب دور المصلح المحايد بين المكونات السودانية المختلفة، مما يترك النزاعات مفتوحة على مصراعيها دون وسيط حكيم.

هذا الاحتقان لم ينعزل في مقار الأحزاب أو منابر المدن الكبرى، بل جرى نقله ونشره بنجاح إلى القرى والأحياء، بل وإلى داخل الأسرة الواحدة. وبفضل التدفق الهائل لمنصات التواصل الاجتماعي الرقمية، تغلغل هذا الانقسام الفكري ليحدث تفتيتاً حاداً في النسيج الأسري؛ حيث بات مألوفاً أن تشهد البيوت السودانية مشاحنات وصراعات مكتومة أو معلنة بين جيل الآباء المتمسك بالتدين الصوفي السمح والتقليدي، وجيل من الشباب المتأثر بالخطاب السلفي الحركي أو الإسلاموي المتشدد. ولم تنجُ المساجد والبلدات في الولايات المختلفة من هذا الأثر، إذ تحول بعضها من مراكز للوحدة والسكينة الروحية إلى ساحات للمشاحنات والمواجهات اللفظية التي تطورت في بعض الأحيان إلى اشتباكات جسدية، بسبب الصراع على إدارة المنابر وفرض وصاية شكلية على طريقة تدين الناس.

خلاصة القول إن سخرية السودانيين من هؤلاء المشايخ اليوم هي الدليل الأخير على خطل مشروع الإسلامويين من أساسه. فمن رفع شعار الدين كان الأجدر به أن يستعين بمكانة رجاله في رأب الصدع وتقوية النسيج الوطني والاجتماعي، أما وقد انتهى بهم الأمر إلى منابر يقصدها الناس للضحك لا للاتعاظ، فتلك شهادة على أنهم أخطأوا الطريق منذ أول خطوة، ومن أفسد أقدس ما في يده لا يُنتظَر منه صلاحٌ في سواه.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *