الأزمة السودانية وآفاق الخروج منها

 

نحو حوار مدني حقيقي

عبدالباقي مختار (بقة)

 

 

الحوار الحقيقي عادة لا يتم بين أصحاب الفكر الواحد، بل على العكس تماماً، يمضي وينمو بين أصحاب الاختلاف الفكري واختلاف وجهات النظر. في وضعنا الحالي؛ وضع السودان الراهن، يظل الحوار بين أو مع من نتفق معهم لا يتجاوز التأكيد على المعرفة، وهذا ما حدث ويظل يحدث في تحالفات المدنيين، الحرية والتغيير ما قبل الحرب وحتى الآن، تحالف تقدم ومن ثم صمود، مما فاقم من الأزمة وساهم في دفعها نحو الانفجار.

بينما الحوار بين وجهات النظر والرؤى المختلفة يساهم في إنتاج المعرفة، طالما أن الهدف منه ليس الانتصار للرأي، بل لصناعة أرضية مشتركة، وإعادة تعريف المصلحة الوطنية بعيداً عن لغة السلاح، وهذا ما يجب أن يكون هدفاً لأي حوار في سياق الوضع السوداني الراهن، أو سياق الأزمة الحالية.

وهنا تبرز قضية الحركة الإسلامية «الكيزان» والتيارات السياسية المختلفة. فهذه الكيانات، مهما كان موقفها، تظل في جوهرها جهات سياسية تحمل آيديولوجيات قابلة للنقاش والتفكيك والمراجعة. ومن هنا، فإن محاورتها كقوى مدنية هو الأجدى والأعمق، لأنها تتيح مساحة للجدل الفكري والسياسي داخل الإطار المدني، بعيداً عن جمود المؤسسة العسكرية الذي لا يحتمل الاختلاف ولا يقبل التعدد، مهما كان شكله أو هدفه.

وثبت فعلاً، وعبر التجربة الطويلة، أن الحوار مع المؤسسة العسكرية، بطبيعتها وبنيتها التي قامت عليها والتي نعلمها جميعاً منذ الاستقلال، لم ولن يُجدي؛ لكن الحوار مع التيارات المدنية، مهما بلغت درجة خلافك معها، يبقى حواراً بين أطراف سياسية تستند إلى مرجعيات فكرية وبرامج قابلة للمناقشة، مما يجعله أكثر مرونة، وله القدرة على بناء مخرجات سلمية وسليمة للأزمات.

فالحوار المتكرر مع المؤسسة العسكرية ليس مجرد حلقة مفرغة فقط، بل أصبح نمطاً سياسياً ثابتاً في تاريخنا السياسي، وتكرّر بنفس الوتيرة منذ الاستقلال وحتى اليوم بأشكال متعددة، لذا علينا أن نسأل القوى المدنية السؤال التالي:

ما النتائج التي توصلنا إليها من هذا الحوار المتكرر مع المؤسسة العسكرية؟ وكم مرة سيتم إعادة تدوير ذات السيناريو؟.

 

عند كل المراحل التي مضت، يظهر الجيش بثوب المنحاز لخيارات الجماهير والحامي لمقدرات الثورة مؤقتاً، وما إن تحين الفرصة حتى يتحول أو ينقلب إلى الوصي الحريص على الوطن من العملاء، مستغلاً الفترات الانتقالية لتمديد قبضته، وتغيير جلده السياسي كل سنتين أو ثلاث، ليعود بعدها إلى الحكم مستنداً إلى وعود لم تتحقق، أو أزمات هو من يغذِّيها أحياناً. وهنا يبرز السؤال الأعمق: هل هذه الدورة هي نتيجة ضعف في الإرادة المدنية، أم أنها لعبة متقنة تهدف لإبقاء المدنيين في موقع المتهم الدائم بالفشل، بينما يظل الجيش الطرف الأقوى في معادلة السلطة، متحكماً في توقيت التغيير وليس مضمونه؟.

في النهاية، وضح جلياً أن التحالف المدني العريض أو الجبهة المدنية العريضة هو البديل الاستراتيجي. ولذلك يصبح الأجدى والأكثر فاعلية هو الجلوس مع كل القوى المدنية دون استثناء، على طاولة واحدة تعكس التنوع الحقيقي للمشهد السياسي، بهدف تشكيل جبهة مدنية عريضة وقادرة على عزل المؤسسة العسكرية عن التدخل في العمل السياسي، سياسياً وشعبياً.

فالتجربة أثبتت أن عزل أي طرف مدني، مهما كانت خلافاتنا معه، لا يضعفه فقط، بل يمنح الجيش فرصة ذهبية للتحالف معه، واستخدامه كغطاء شرعي لتعزيز وجوده في السلطة، وكأن الجيش هو «الحكم» بين الفرقاء، وليس طرفاً ينازع الأطراف الأخرى.

هذا السيناريو تكرر بوضوح مع الحزب الشيوعي حين تم تهميشه في منتصف ستينيات القرن الماضي، فانقلب الموقف ليكون الحزب ورقة بيد المؤسسة العسكرية لإضفاء شرعية شكلية على مرحلة معينة. واليوم، ومع تراكم الإخفاقات، نرى أن جزءاً كبيراً من قوى الحركة الإسلامية، «الكيزان»، خاصة تلك المرتبطة بتيارات شعبية كمجموعات «المؤتمر الشعبي»، أصبحت أكثر استعداداً للحوار الجاد، ليس لأنهم تخلوا عن مواقفهم، بل لأنهم أدركوا أن العزلة السياسية لن تؤدي إلا إلى تعزيز هيمنة الجيش على الجميع، وأن الخيار الاستراتيجي اليوم هو بناء تجمع مدني ببرنامج الهدف منه عزل السلاح عن السياسة والقضاء على عسكرة الحياة المدنية، بتوافق مدني يحمي الجميع من لعبة تقسيم المدنيين التي يتقنها العسكر.

 

ويجب علينا أن نضع نصب أعيننا أن جوهر الحل ونقطة الانطلاق الحقيقية لأي تغيير جذري يجب أن تمر من خلال الآتي:

  • خلق جبهة مدنية واسعة لا تستثني أحداً من القوى الوطنية الحقيقية، تمتد من اليسار إلى الوسط، ومن القوى التقليدية إلى الحركات الشبابية والجمعيات المهنية، بحيث تكون هذه الجبهة ثقلاً سياسياً وشعبياً لا تستطيع المؤسسة العسكرية أن تتجاوزه أو تهمشه، وتتحول من مجرد تحالف انتخابي إلى كتلة ضغط قادرة على فرض إرادة الشعب على الأرض.
  • نزع القدسية عن المؤسسة العسكرية، وهذه هي المعركة الفكرية الأصعب، لأنها تتطلب كسر الصورة النمطية والشعارات التي رسخت لعقود بأنها هي حامي حمى الوطن والوطنية والأكثر حرصاً على الوطن، وتصنيف المدنيين الذين يعارضون حكمها خونة وعملاء للخارج. كما يجب كشف هذه الأسطورة وتفكيكها، وتجريد المؤسسة العسكرية من هالتها المقدسة، وإعادة تعريف دورها الطبيعي كأداة دفاعية بحتة، وليست وصية على الحياة السياسية ولا حكماً بين الفرقاء، وذلك من خلال منهج نقدي، وخطاب إعلامي شجاع يكشف كل الأخطاء التي ارتكبتها وقادتنا لهذه اللحظة، على أن يصاحب هذا النقد توعية عامة تصل إلى مدخل كل منزل سوداني.
  • تحميل المؤسسة العسكرية المسؤولية التاريخية ليس بدافع الانتقام أو التصفية، بل بدافع مراجعة الحقائق التاريخية والمحاسبة الموضوعية. فتاريخ المؤسسة العسكرية لم يكن طرفاً محايداً في المشهد السياسي كما يتم الترويج له، بل كان شريكاً أساسياً، بل على العكس تماماً، لقد كان في كثير من الأحيان هو الفاعل الأول في كل أزمة، وكل انقلاب، وكل تعطيل للتجربة الديمقراطية، وكل إفقاد للثقة بين الشعب ونخبه. وهذه المساءلة العلنية، المدعومة بمراجعة لكل التجارب السابقة ومصحوبة بتحليل سياسي عميق، تكون بداية لتطهير المؤسسة العسكرية من أحلام السلطة والاعتداء والهيمنة على الفضاء السياسي، ولنجعل من ذلك شرطاً أساسياً لأي مصالحة وطنية حقيقية، لأننا لا نستطيع أن نبني وطناً جديداً على أنقاض وهمٍ قديم.

 

هذه الخطوات الثلاث معاً هي بداية الحلول، وليس نهايتها، لأن الحل لا يكتمل إلا بتحويل هذه الجبهة إلى قوة سياسية منتخبة، وبإعادة هيكلة العلاقة بين ما هو مدني وما هو عسكري دستورياً، وبناء دولة القانون التي تكون فيها المؤسسة العسكرية خادمة للشعب، لا سيدة عليه.

 

سؤال آخر لمراجعة دور المدنيين:

لماذا تبقى المؤسسة العسكرية في السلطة؟

واضح تماماً أن الرؤى الذاتية الضيقة، وضعف التكوين الحزبي، وقِصَر النفَس السياسي، وغياب الحياة الديمقراطية داخل التنظيمات السياسية، وعدم الصبر على بناء تحالفات استراتيجية طويلة الأمد، كل هذه العوامل مجتمعة هي الزاد الحقيقي الذي تتغذى عليه المؤسسة العسكرية، وهي الوقود الذي يبقيها في دائرة السلطة كلما تشرذم المدنيون وتناحروا على مناصب وهمية أو أولويات هامشية.

وعموماً، أكثر تنظيمين آيديولوجيين اقتات عليهما الجيش للوصول إلى السلطة وتكريس هيمنته هما الحزب الشيوعي السوداني والإخوان المسلمون «الكيزان»، لكن بطريقتين مختلفتين تماماً:

الحزب الشيوعي، رغم نضاله التاريخي ووجوده المبكر، إلا أنه دفع ثمناً باهظاً لعزلته السياسية في مراحل حاسمة. والشيوعيون اليوم يملكون قناعة راسخة، مستندة إلى تجربتهم المريرة في انقلاب مايو 1969، مفادها أن السلاح في السياسة لا يقدم حلولاً، بل يعمِّق الأزمات ويغرق البلاد في دوامة عنف لا تنتهي، وهذه القناعة جعلتهم أكثر حرصاً على الحلول السلمية، إلا أنها في المقابل جعلته أحياناً متردداً في المشاركة في التحالفات الواسعة التي تتطلب مجازفات سياسية.

أما تجربة الحركة الإسلامية «الكيزان» فهي مختلفة، فقد وصلت إلى السلطة أكثر من مرة عبر التحالف مع الجيش، لكنها في كل مرة كانت تكتشف أن الجيش هو المستفيد الأكبر، وأنها مجرد غطاء شرعي مؤقت. وبحسب ما صرّح به حسن الترابي نفسه، وكثير من مفكري الحركة المعتدلين اليوم، فإن تجربة الإخوان في الحكم أضرّت بالحزب أولاً قبل أن تضر بالوطن بشكل عام، لأنها جعلته رهينة للمؤسسة العسكرية، وبالتالي فقد بوصلة مشروعه الاجتماعي الأصلي، وتحول إلى حارس لأجندة لا تخدم قواعده ولا تخدم الوطن.

كما أن طبيعة التحالفات الحالية مع الجيش، خاصة فيما يحدث الآن من حرب مدمرة، ومن وقوف بعض الأطراف مع الجيش، فهي في جوهرها ليست انحيازاً آيديولوجياً، ولا دفاعاً عن وطن، بل هي محاولة ممن ساندوا المؤسسة العسكرية في الفترة الماضية، أولئك الذين راهنوا على ظهوره واستفادوا من وجوده، لحماية أنفسهم ومصالحهم الضيقة، خوفاً من محاسبة تاريخية أو من فقدان امتيازاتهم المكتسبة على ظهر معاناة الشعب.

وهذه الظاهرة تحتاج إلى قراءة نقدية عميقة، لأنها تكشف أن التحالف مع الجيش ليس برنامجاً سياسياً، بل هو صفقة مؤقتة تنتهي بانتهاء الحاجة، ويظل الجيش وحده هو الرابح الأكبر في كل الأحوال.

في النهاية، إن المخرج من الأزمة السودانية الراهنة لا يمر عبر بوابة الحوار مع المؤسسة العسكرية، بل عبر توحيد الصف المدني، ونزع القدسية عن الجيش، وتحميله المسؤولية التاريخية، وبناء جبهة وطنية عريضة تفرض إرادة الشعب وتعيد تعريف المصلحة الوطنية بعيداً عن لغة السلاح والانقلابات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *