وليد عنبوور
العهد المظلم: لاهوت القرون الوسطى في الفضاء السوداني
إن المنصة التي يقف عليها بعض دعاة الحشد الآيديولوجي في الراهن السوداني المأزوم ليست مجرد منابر للوعظ الديني المعزول عن حركة الصراع الاجتماعي والاقتصادي، إذ تمثل امتداداً عضوياً وهيكلياً لتلك البنية الشمولية التي أسسها نظام الثلاثين من يونيو 1989، والذي عمل طوال ثلاثة عقود على دمج المصحف بالبندقية بغرض احتكار السلطة وتبرير التهميش التاريخي ومصادرة الإرادة الوطنية الشعبية. حيث يعيد التاريخ نفسه اليوم بصورة تراجيدية مقترباً في تفاصيله ومحمولاته المعرفية من الحقبة المظلمة للقرون الوسطى في أوروبا، حينما كانت الكنيسة تتحالف مع الإقطاع لتبرير الطاعون والفقر والحروب باعتبارها غضباً إلهياً ناتجاً عن خطايا الأقنان والفقراء، لإعفاء الملوك والأباطرة من مسؤولية الفشل الجنائي والسياسي في إدارة الممالك وتأمين معاش الناس. وهو عينه السلوك المعرفي الذي يمارسه الشيخ محمد الأمين إسماعيل حينما يتجرأ على اتهام الشعب السوداني بأنه السبب المباشر في اندلاع حرب 15 أبريل ليبرئ بجرة قلم آيديولوجية كافة الأطراف العسكرية والنخب المركزية التي خططت ونفذت وأشعلت هذه المحرقة اللعينة لحماية امتيازاتها الطبقية والسياسية، محولاً الجريمة السياسية المنظمة إلى خطيئة أخلاقية فردية تقع على عاتق النازحين واللاجئين والمستضعفين الذين سُحقت حيواتهم تحت قذائف الصراع وفقدوا ممتلكاتهم وبيوتهم، ودفعوا ثمن أطماع نخب سياسية وعسكرية لا ترى في المواطن سوى وقود لمعاركها الصفرية.
هندسة المحرقة: التغلغل الآيديولوجي وتواطؤ الجنرال
إن الحقيقة التاريخية والسياسية الشاخصة، التي يحاول هذا الخطاب الشعبوي طمسها وتغييبها خلف عباءة الفتاوى الاستعاطفية، هي أن الحركة الإسلامية السودانية وتنظيمها الآيديولوجي هما الصانع الحقيقي والسبب المباشر لاندلاع هذه الحرب الكارثية عبر التغلغل الممنهج الطويل والمستمر لمليشياتهم وكوادرهم وعضويتهم العقائدية داخل أجهزة الدولة الحيوية والمؤسسة العسكرية الرسمية. هذا التغلغل الذي وجد بيئة خصبة وتواطؤاً مشهوداً وصريحاً من رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش الجنرال عبد الفتاح البرهان الذي فتح لهم الأبواب الخلفية للعودة إلى مفاصل القرار الأمني والسياسي، بعد أن أزاحتهم ثورة ديسمبر المجيدة، مما جعل الجيش مطية لأجندة تنظيم حزبي ضيق يسعى للعودة إلى السلطة فوق جماجم المواطنين وعبر تدمير البنية التحتية للبلاد، وهو الأمر الذي يفسر سلوك قادة هذا النظام البائد خلال فترة الاتفاق الإطاري، حيث كانوا يمهدون بوضوح وعلانية لاشتعال الحرب ويطلقون التهديدات بحرق البلاد وإدخالها في نفق الفوضى الشاملة إذا تم المضيُّ قدماً في مسار التحول المدني الديمقراطي الذي كان سيفضي حتماً إلى تفكيك دولة التمكين ومحاسبة الفاسدين والمجرمين.
تفكيك النسيج: جهاز أمن القبائل وإدارة الفتنة
إن استراتيجية تدمير الدولة السودانية وإشعال الفتنة لم تكن وليدة لحظة اندلاع الحرب، لكنها بدأت بشكل ممنهج منذ أن انتصرت الثورة الشعبية العظيمة وعزل الجماهير لرأس النظام البشير، حيث سارعت قيادات الحركة الإسلامية عبر ما يُعرف بجهاز أمن القبائل إلى العمل على تمزيق الوحدة الاجتماعية وتفتيت النسيج الأهلي، من خلال إشعال النزاعات بين المكونات الاجتماعية واستغلال وشراء ذمم شخصيات عشائرية وواجهات إدارية أهلية مستعدة لرهن إرادة مجتمعاتها مقابل فتات النفوذ والسلطة.
هذا التوظيف الخبيث للقبيلة والجهوية تم التخطيط له داخل غرف الأمن الشعبي وكتائب الظل بهدف صناعة حاضنة اجتماعية مصطنعة ومضادة للثورة المدنية، وقادرة على محاصرة المدن وإغلاق الموانئ الحيوية وشل حركة الاقتصاد، لإظهار الحكومة الانتقالية بمظهر العاجز، مما مهد الطريق لاحقاً لانقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر، ثم الانزلاق الشامل نحو محرقة الخامس عشر من أبريل التي أرادوها معركة نهائية لاستعادة ملكهم المفقود ولو تطلب ذلك إبادة الشعب وتفتيت جغرافية الوطن.
صكوك الانتهازية: من البزة العسكرية إلى تخوين السلام
إن هذا التحول البنيوي في مواقف هؤلاء الدعاة والذين سارعوا في بدايات الحرب إلى ارتداء البزة العسكرية والتباري في حشد المشاعر الشعبوية لدعم الآلة الحربية تحت لافتة الكرامة الوطنية والدفاع عن بيضة الدين، كشف عن انتهازية معرفية وسياسية بالغة الخطورة عندما لاحت في الأفق بوادر مفاوضات السلام والتسوية السياسية في السنة الأولى للحرب، إذ انقلب هذا الخطاب فوراً نحو التحريض العنيف وضخ دماء التخوين ضد قيادة الجيش وضد الجنرال البرهان نفسه، لإدراك هذه التيارات الآيديولوجية أن استدامة الحرب هي شرط وجودها الوحيد، وأن أي أفق لوقف إطلاق النار والعودة إلى مسار مدني ديمقراطي سيعني بالضرورة تفكيك امتيازاتهم وإقصاء خطابهم الإقصائي الذي لا يعيش إلا على جثث الضحايا وأشلاء الوطن، تماماً كما فعل صكوك الغفران ورجال الدين في أوروبا الذين كانوا يرتعدون خوفاً من أي حركة تنويرية يمكن أن تحرمهم من نفوذهم المطلق وتكشف زيف ادعاءاتهم بحماية الهوية والدين، والذين كانوا يتحالفون مع أمراء الحرب الإقطاعيين، ويحثون الفلاحين الجائعين على التوجه إلى جبهات القتال للموت دفاعاً عن عروش الملوك وأملاك الكنيسة تحت شعار الحروب المقدسة.
شيطنة المدنية: الابتزاز الأخلاقي في مواجهة الحقوق الهيكلية
إن آليات الابتزاز الأخلاقي التي يمارسها الشيخ محمد الأمين إسماعيل تلتقي تماماً مع الأطروحات الكنسية في العصور الوسطى والتي كانت تفسر تفشي الأوبئة كالموت الأسود وهزائم الجيوش بأنها علامات على سخط السماء بسبب عدم الانصياع لرجال الدين ودفع العشور والضرائب المفروضة، وهي الوسيلة المعرفية التي توظفها التنظيمات الشمولية لتعطيل العقل النقدي وتغييب الوعي بالصراع الطبقي والسياسي والاقتصادي الحقيقي الذي يدور حول الموارد والتحكم في موانئ البلاد وممراتها الاستراتيجية وتجارة الذهب وصناعة القرار الوطني، حيث يُراد للمواطن السوداني اليوم أن يصدق أن تدمير الخرطوم وتهجير الملايين في دارفور وكردوفان والجزيرة وسنار وشمال السودان هو نتاج لذنوبه الشخصية وتقصيره في الواجبات التعبدية. وهي مغالطة كبرى تهدف إلى التغطية على جرائم كتائب الحركة الإسلامية وقيادات الجيش المتواطئة التي فتحت مخازن السلاح وسهلت تحرك المليشيات، وتركت العاصمة والمدن الكبرى نهباً للدمار والخراب دون أي حماية أمنية أو استراتيجية دفاعية حقيقية.
إن ما نراه اليوم من محاولات محمومة لاستغلال العواطف الدينية الجياشة واستخدام خطاب الاستعاطف والتخويف الأخلاقي يمثل استنساخاً حرفياً لآليات الشيطنة التي وُجهت ضد الحكومة الانتقالية المدنية بعد ثورة ديسمبر المجيدة، حيث وظفت هذه المنابر الشعبوية لتهيئة العقول ضد أي تحول ديمقراطي حقيقي عبر إيهام الجماهير بأن مؤسسات الدولة المدنية تستهدف عقيدتهم وهوية البلاد وتعمل على علمنة المجتمع وتفكيك قيمه الموروثة، وهي تتناسى أن هذا الابتزاز العاطفي هو الوجبة المفضلة لكل الأنظمة الشمولية التي عجزت عن تقديم برنامج تنموي أو نموذج يستوعب التنوع السوداني خارج الإطار المشوهة لنظام البشير، هذا النظام الذي أورث البلاد ديوناً طائلة وحروباً أهلية مزقت ولايات جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور، وأدت في نهاية المطاف إلى انفصال جنوب السودان الحبيب نتيجة للتعنت الآيديولوجي والرفض المستمر للاعتراف بحقوق المواطنة المتساوية والتوزيع العادل للسلطة والثروة بين المركز والأقاليم المهمشة.
نحو أفق التأسيس: تحرير الدين واسترداد الفضاء الوطني
إن مواجهة هذا الخطاب وتعرية منطلقاته الفكرية والسياسية تعتبر ضرورة وجودية ومهمة معرفية حتمية لكل المثقفين والكتاب الوطنيين الشرفاء الذين يدركون خطورة استمرار هذا التضليل الآيديولوجي على مستقبل وحدة السودان واستقراره، فالأمر لا يتعلق بمعركة ضد الدين الإسلامي الحنيف وقيمه السامية التي تدعو إلى السلام والعدالة وحقن الدماء وحماية المستضعفين ونصرة المظلوم، إنما هي معركة ضرورية ومحورية لتحرير الدين من براثن التوظيف السياسي والنفعي الحزبي الذي شوه مقاصده السامية وحوله إلى أداة لشرعنة الحروب وتبرير الفساد ولوم الضحايا. هذا التحرير هو الخطوة الأولى نحو بناء فضاء عام معافىً يقوم على احترام التعددية الدينية والثقافية والاجتماعية التي تميز السودان، ويؤسس لوعي وطني ديمقراطي جديد يرى في السلام الشامل العادل والتحول المدني والمواطنة المتساوية المخرج التاريخي والوحيد من هذه المحرقة المستمرة.
إن إنتاج هذا الوعي البديل يتطلب تفكيك البنية الاستعمارية الداخلية للخطاب الآيديولوجي السائد، والذي عمل طوال عقود التمكين على صياغة عقول السودانيين وفق نموذج أحادي إقصائي يرفض الآخر ويعتبر الهوامش السودانية مجرد أطراف تابعة للمركز المسيطر، الذي أنتج كل هذه الحروب والصراعات المتفجرة، وتسبب في عجز النخب الحاكمة عن بناء دولة وطنية مستقرة بعد الاستقلال.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه ثورة ديسمبر المجيدة اليوم هو القدرة على التمسك بأهدافها في الحرية والسلام والعدالة ومقاومة كل محاولات الردة الآيديولوجية والعسكرية، والعمل على صياغة مشروع وطني نهضوي جديد يتجاوز أخطاء الماضي ويؤسس لبناء نموذج جيش مهني قومي واحد يلتزم بواجباته الدستورية ويبتعد تماماً عن السياسة والتنافس الحزبي الضيق، لتنتهي إلى الأبد حقبة استخدام المنابر كخنادق للحرب، وتعود إلى دورها الحقيقي في نشر قيم التسامح والمحبة والسلام بين جميع أبناء الوطن الواحد.
غير أن تفكيك هذه المنظومة الخطابية يقتضي الإقرار بأن المؤسسة العسكرية السودانية لم تكن ضحية متلقية للاختراق الآيديولوجي، وهي تحملت مسؤوليتها التاريخية كشريك أصيل في الحكم، راكمت خلاله طموحها السلطوي ومصالحها الاقتصادية المتشعبة التي تجسدت في سيطرتها على قطاعات حيوية من الاقتصاد الوطني، وتحكمها في شبكات التجارة والخدمات والعقود الحكومية، وهذا ما يفسر تماهي قطاعات واسعة من العسكر مع هذا الخطاب الشعبوي انسجاماً مع مصالحهم الذاتية في الحفاظ على النفوذ والامتياز المهدد بالتحول الديمقراطي، حيث لا يمكن اختزال هذا التماهي في مجرد التزام آيديولوجي أو ضغط تنظيمي خارجي، بل تعبير عن خوف مؤسسي عميق من فقدان المكاسب المادية المتراكمة طوال عقود التمكين.
إن فعالية هذا الخطاب لا تستند إلى بنيته الآيديولوجية وحدها، لكنها تستمد قوتها من دوافع قبلية ومناطقية وإثنية عميقة تجعل قطاعات من المجتمع تتماهى معه بحثاً عن الأمان الوجودي في زمن انهيار الدولة وتفكك الولاءات الوطنية، حيث يتحول الانتماء الأولي الضيق إلى طوق نجاة، وإلى أداة تعبئة توظفها النخب القديمة لإعادة إنتاج هيمنتها. هذه الدينامية المعقدة تفضح القصور التحليلي في أي مقاربة تكتفي بتفنيد الأسس المعرفية لهذه المنظومة من خارج سياقاتها الاجتماعية.
فالمجتمعات التي فقدت ثقتها في الدولة المركزية وأمنها الاقتصادي لا تتعامل مع الأفكار كأبنية مجردة قابلة للتفنيد المنطقي، وهي تستجيب للصوت الذي يخاطب حاجتها الملموسة للحماية والانتماء. هكذا يُصنع الجوع، في اللحظة التي يتحول فيها الخبز إلى أداة سياسية والانتماء إلى سلعة انتخابية. يُستهلك هذا الصوت في بيئة تتفشى فيها الأمية السياسية وتغيب فيها المؤسسات المدنية القادرة على تقديم تأويلات وطنية بديلة، مما يحول المساحات التي هجرتها الدولة إلى فراغات يملؤها خطاب الكراهية والتخوين.
غير أن إدراك هذه التعقيدات لا يعني امتلاك وصفة جاهزة، وهو يفرض تواضعاً معرفياً أمام مأساة تتشابك فيها الذاكرة الجمعية الجريحة بالحسابات السياسية الضيقة باليأس الوجودي الذي يفتت الإرادة. وهنا تكمن الطفرة النوعية المطلوبة: الانتقال من تشريح الجثة الخطابية إلى استنهاض جسد وطني جديد، عبر استعادة المؤسسات التعليمية والإعلامية والمجتمعية كفضاءات لإنتاج وعي نقدي يجرؤ على مساءلة المسلّمات، ويفكك احتكار الحقيقة، ويعيد وصل الدين بالأخلاق العامة لا بالتوظيف السياسي. متذكراً أن أوروبا لم تخرج من عصورها المظلمة بتفنيد لاهوت الكنيسة، إلا حين قامت باختراع المطبعة التي كسرت احتكار التأويل، وبناء الجامعات التي أنتجت نخباً جديدة، وتشييد الأسواق التي خلقت مصالح بديلة عن مصالح الإقطاع. وهذا مما يعلمنا أن تفكيك الخطاب مسألة بنى اجتماعية واقتصادية موازية قبل أن تكون مسألة حجاج فكري. هذه المعركة على الوعي في صميمها، وعلى من يملك حق تسمية الأشياء: من يسمي الحرب جهاداً، والضحية مذنباً، والوطن غنيمة، مقابل من يسمي الأشياء بأسمائها فيعيد للكلمات قدرتها على فضح العالم وتحريره.
إن استرداد اللغة من قبضة هذا الخطاب هو استرداد للقدرة على تخيل واقع آخر، لأن الذي يتحكم في الكلمات يتحكم في حدود ما يمكن التفكير فيه، وما لا يمكن التفكير فيه لا يمكن تغييره، مما يحتم على مشروع التحرير الوطني أن يخوض معركته على جبهة تفكيك الخطاب وجبهة بناء البدائل الاقتصادية والسياسية الملموسة التي تنتزع الجماهير من قبضته، تعيد تعريف الجماعة السياسية خارج ثنائية المركز المهيمن والهامش المستباح، وخارج الرهان القاتل على الهويات الأولية كملاذ أخير في وجه الانهيار الشامل للدولة والمجتمع.