بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق تحذر من تأجيج شبكات الدعم الخارجي للنزاع وتفاقم الأذى الذي يلحق بالمدنيين

جنيف: (ديسمبر)

 

 

قدمت بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان يوم الاثنين الماضي تقريرها الثالث إلى مجلس حقوق الإنسان، بعنوان “تأجيج النزاع في السودان: الأسلحة والمقاتلون وشبكات الدعم الخارجي”، محذرة من أن الحرب لم تعد تُدار داخل الحدود السودانية وحدها، بل أصبحت تعتمد على شبكات عابرة للحدود توفر السلاح والتكنولوجيا والمقاتلين والتمويل واللوجستيات لطرفي النزاع بدرجات متفاوتة. ويعرض التقرير صورة قاتمة لتأثير هذا الدعم في مسار الحرب، إذ يرى أن تدفق الأسلحة وتجنيد الأفراد الأجانب مكّنا القوات المتحاربة من تطوير قدراتها العسكرية وتنفيذ عمليات أبعد نطاقاً وأكثر تدميراً، بينما ظل المدنيون يتحملون الكلفة الأكبر. ولا تقتصر النتائج على ارتفاع أعداد الضحايا، بل تشمل تدمير المستشفيات والمدارس والأسواق ومرافق المياه والكهرباء والوقود وتعطيل الخدمات الأساسية وتوسيع دائرة النزوح وانعدام الأمن الغذائي.

وقال رئيس البعثة، الخبير الأممي محمد شاندي عثمان في إحاطته للمجلس، إن ما وثقته البعثة “لا يقتصر على انتهاكات تقع داخل حدود السودان، بل يتعلق أيضاً بحرب تُدار جزئياً من خارج السودان، عبر شبكات دعم خارجي معقدة تمتد عبر عدة قارات”. وأوضح أن هذه الشبكات لا تقتصر على شحنات السلاح، وإنما تشمل الطائرات المسيرة والتكنولوجيا العسكرية والخبراء والتدريب والتمويل والدعم اللوجستي، في منظومة تربط بين “مصالح وأسلحة ورجال وأموال قادمة من خارج السودان”. وجاء في تقرير البعثة أن استمرار هذا الدعم يستدعي تدقيقاً دولياً مكثفاً خصوصاً عندما يساهم في عمليات تنطوي على انتهاكات خطيرة وجرائم دولية.

وخلصت البعثة إلى أن تدفقات السلاح والتكنولوجيا أسهمت في توسيع العمليات القتالية وإطالة أمد الحرب، داعية الدول إلى تفكيك شبكات الإمداد غير المشروعة وتنفيذ حظر الأسلحة المفروض على دارفور والنظر في توسيعه ليشمل كامل السودان.

 

الطائرات المسيرة تعيد رسم ساحات القتال

 

يبرز الاستخدام المتزايد للطائرات المسيرة بعيدة المدى باعتباره أحد أخطر التحولات في الحرب. وقالت البعثة إن هذه الطائرات “أعادت تعريف ساحات القتال”، إذ أتاحت للقوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ضرب أهداف بعيدة عن خطوط المواجهة، ونقل الخطر إلى مناطق مدنية كانت تعتبر أكثر أمناً نسبياً.

وحددت البعثة نتيجتين مترابطتين: أولاهما أن الطائرات المسيرة بعيدة المدى أعادت تشكيل طبيعة المعارك وحدودها الجغرافية، وثانيتهما أن هذه القدرات لم تظهر من تلقاء نفسها، بل استندت إلى دعم خارجي شمل “الأسلحة والتكنولوجيا واللوجستيات والتدريب والأفراد”. وأكد رئيس البعثة أن ارتفاع القدرات التقنية لم يوفر حماية أكبر للمدنيين، بل أتاح للطرفين ضرب البنية التحتية من مسافات بعيدة مع تقليل مخاطر المواجهة المباشرة على القوات المهاجمة.

ووثق تقرير البعثة سلسلة من الهجمات التي قال إنها تكشف الآثار الإنسانية للحرب بالطائرات المسيرة. ففي كالوقي بولاية جنوب كردفان، نُسبت إلى قوات الدعم السريع هجمات متتابعة استهدفت روضة أطفال أثناء حفل مدرسي ثم فرق الإنقاذ التي وصلت إلى المكان ثم سيارة كانت تنقل المصابين إلى المستشفى. وأسفر التسلسل، وفق التقرير، عن مقتل 114 شخصاً بينهم نحو 60 طفلاً.

وقال رئيس البعثة إن ما حدث في كالوقي لا يمكن تبريره بلغة العمليات العسكرية، مشيراً إلى أن الهجمات طالت الأطفال ثم من حاولوا إنقاذهم وإسعافهم. واعتبر أن هذا النمط قد يرقى إلى جرائم حرب، مع التأكيد على أن التقييم القانوني النهائي يتطلب فحصاً شاملاً للأدلة والظروف المحيطة بكل واقعة.

وفي مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، وثقت البعثة ضربات متكررة بالطائرات المسيرة بين مايو وأغسطس 2026، قالت إنها ألحقت أضراراً متراكمة بالكهرباء والوقود والبنية التحتية الأساسية. وأدى ذلك إلى تعقيد حصول السكان على المياه والرعاية الصحية والنقل، في مدينة تعاني أصلاً من ضغط شديد وحصار جزئي.

أما في مدينة الضعين، عاصمة ولاية شرق دارفور، فنسب التقرير إلى القوات المسلحة السودانية ضربة أصابت مستشفى تعليمياً رئيسياً. وقال إن الهجوم أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 70 شخصاً، وأُخرج المستشفى من الخدمة وحُرِم أكثر من مليوني شخص من خدمات صحية أساسية في منطقة تضرر نظامها الصحي بشدة بسبب الحرب ونقص الموارد.

 

شبكات دعم عابرة للحدود

 

لا يكتفي تقرير البعثة بتوثيق الهجمات، بل يتتبع مسارات السلاح والمقاتلين والتمويل التي تسمح باستمرارها. وقالت البعثة إن شبكةً عابرة للحدود وفّرت لقوات الدعم السريع أسلحة وطائرات مسيّرة ومعدات ولوجستيات وأفراداً، وإن الشبكة مرتبطة بجهات في الإمارات وتشاد وجنوب شرق ليبيا وبونتلاند في الصومال.

كما أفادت البعثة بأنها وثقت مشاركة ما يصل إلى ألفي متعاقد عسكري كولومبي سابق في تشغيل الطائرات المسيرة القتالية والمدفعية والأسلحة المتطورة إلى جانب وحدات من قوات الدعم السريع في دارفور وكردفان. وأضافت إن ما ظهر للبعثة ليس عمليات فردية معزولة، بل “سلاسل إمداد وسلاسل تدريب وسلاسل أموال، وسلاسل مقاتلين مرتزقة” تمتد عبر عدة بلدان استُخدمت لتيسير إيصال الأفراد والتدريب والأسلحة والإمدادات اللوجستية إلى قوات الدعم السريع داخل السودان.

وقالت الخبيرة الأممية منى رشماوي، عضو البعثة، إن الشبكات العابرة للحدود زودت قوات الدعم السريع بالأفراد الأجانب والتدريب والأسلحة والإمدادات اللوجستية، وإن هذا الدعم أسهم في عملياتها في مخيم زمزم ثم خلال السيطرة على الفاشر، حيث وثقت البعثة انتهاكات جسيمة وجرائم دولية، بما في ذلك سلوك يحمل سمات الإبادة الجماعية.

وفي المقابل، أوضح التقرير أن التحقيق في الدعم الخارجي للقوات المسلحة السودانية لا يزال في مراحله الأولى، لكنه خلص إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن القوات المسلحة استخدمت طائرات مسيّرة موردة من الخارج في عمليات ألحقت أضراراً بالمدنيين والأعيان المدنية. وتشدد البعثة بذلك على ضرورة التحقيق في الدعم المقدم إلى الطرفين، وإن كانت تفاصيل الشبكات المرتبطة بقوات الدعم السريع أكثر توثيقاً في التقرير الحالي.

 

انتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب

 

خلصت البعثة إلى وجود “أسباب معقولة للاعتقاد” بأن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ارتكبتا انتهاكات خطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني قد ترقى إلى جرائم حرب. وأكد التقرير أن تعمد توجيه الهجمات ضد المدنيين والأعيان المدنية يشكل جريمة حرب، وأن أنماط الهجمات الموثقة تكشف تجاهلاً مقلقاً لمبدأي التمييز والتناسب.

ودعت البعثة الدول إلى وقف الدعم العسكري الذي يغذي الانتهاكات والتحقيق في الأفراد والكيانات التي تعمل من أراضيها أو عبرها وإنفاذ حظر الأسلحة وحماية الشهود وحفظ الأدلة. كما شددت على أن المساءلة يجب أن تشمل كامل سلسلة المسؤولية، من المخططين والممولين والموردين إلى المنفذين، وأن يحصل الناجون على المساعدة وسبل الانتصاف والتعويض.

وقالت الخبيرة جوي نجوزي إيزيلو، عضو البعثة، إن المساءلة لا ينبغي أن تقتصر على من يضغطون على زر الإطلاق أو يقودون الطائرات المسيرة، بل يجب أن تمتد إلى من يأمرون بالجرائم أو يمولونها أو يوفرون لها السلاح والإمدادات أو يسهلون ارتكابها. وأضافت أن حماية المدنيين تتطلب النظر ليس فقط إلى ساحات القتال، بل أيضاً إلى غرف الاجتماعات والبنوك ومخازن الأسلحة خارج السودان.

 

مسؤولية الدول وحماية الضحايا

 

هذا وقد أكدت البعثة أن مسؤولية حماية المدنيين لا تقع على عاتق أطراف القتال وحدها، بل تشمل أيضاً الدول التي تنطلق منها عمليات نقل السلاح أو تمر عبر أراضيها شبكات المقاتلين والتمويل. وترى أن على هذه الدول اتخاذ إجراءات معقولة لمنع الانتهاكات عندما يكون خطر استخدامها متوقعاً، والتحقيق في الأفراد والكيانات التي تعمل ضمن ولاياتها، والتعاون مع آليات الأمم المتحدة والجهات القضائية المختصة. ويكتسب هذا الالتزام أهمية خاصة في ظل اتساع نطاق الهجمات الجوية، لأن نقل الطائرات المسيرة أو مكوناتها والتدريب على تشغيلها قد يغير ميزان القوة ويجعل المدنيين عرضة للخطر في مناطق بعيدة عن الجبهات.

وشددت البعثة كذلك على أن حفظ الأدلة بات مهمة عاجلة، إذ إن استمرار القتال والنزوح والتهديدات التي يتعرض لها الشهود والصحفيون والمحامون يهدد بإخفاء كثير من الوقائع. ولهذا تطالب بتوفير حماية فعلية للضحايا والشهود، وضمان وصولهم إلى المعلومات وسبل الانتصاف، وعدم استخدام المساعدات أو مسارات التفاوض غطاءً لتعطيل التحقيقات. وبالنسبة إلى ملايين السودانيين الذين فقدوا منازلهم أو مصادر دخلهم أو إمكانية الوصول إلى العلاج والتعليم، فإن المساءلة ليست مطلباً قانونياً مجرداً، بل جزء من استعادة الثقة وإرساء شروط سلام قابل للاستمرار.

 

مداولات مجلس حقوق الإنسان

 

عكست مداخلات الدول خلال مناقشة التقرير انقساماً بين من يرى أن استمرار البعثة شرط أساسي للتوثيق والمساءلة، ومن يحذر من آليات دولية لا تحظى بموافقة الحكومة السودانية.

وحذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك من استمرار تدهور الوضع مع دخول الحرب عامها الرابع، مشيراً إلى أن أطراف النزاع تواصل مهاجمة الأسواق والمستشفيات ومحطات الوقود وغيرها من المرافق المدنية. ودعا إلى وقف فوري لإطلاق النار وإنهاء التدخلات الخارجية والعودة إلى حكم مدني شامل.

وأعلن الاتحاد الأوروبي ودول الشمال والبلطيق وألمانيا وسويسرا وآيرلندا وهولندا واليابان وأستراليا دعمهم استمرار عمل البعثة وتجديد ولايتها. وقالت السويد، باسم دول الشمال والبلطيق، إن “تجديد ولاية البعثة وإتاحة وصولها إلى السودان يظلان أمراً أساسياً”. وأكد الاتحاد الأوروبي أن التقارير المستقلة ضرورية للحماية والمساءلة، فيما شددت المملكة المتحدة على أن عمل البعثة يمهد للعدالة ويجب أن يستمر. كما دعمت ألمانيا مشروع القرار البريطاني الخاص بتمديد الولاية، بينما قالت سويسرا إن التجديد ضروري حتى تتمكن البعثة من استكمال توثيق الانتهاكات ومواجهة الإفلات من العقاب.

وفي المقابل، أعربت الصين وروسيا عن تحفظات بشأن الولاية. وأكد المندوب الصيني أن البعثة أُنشئت “من دون موافقة الحكومة السودانية منذ البداية”، داعياً إلى عدم توسيع ولايتها مع تجاهل اعتراض الخرطوم واحترام السيادة الوطنية. وركزت مصر وتركيا وقطر والأردن وليبيا وعدد من الدول العربية والأفريقية على وحدة السودان وسيادته والحل السياسي والوساطة الإقليمية، من دون إعلان صريح في النص المقدم عن تأييد التجديد أو رفضه. وقالت تركيا إن إضعاف مؤسسات الدولة لن يقود إلى السلام وإن الحوار والدبلوماسية هما السبيل الأكثر فاعلية لإنهاء النزاع.

أما رئيسة وفد السودان فهاجمت التقرير ومنهجية البعثة، ووصفت الحرب بأنها “حرب بالوكالة”، معتبرة أن الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع، ولا سيما من الإمارات، هو السبب الرئيسي في استمرار القتال وانتشاره. وقالت إن السودان يرفض آليات خارجية تحل محل المؤسسات الوطنية، ودافعت عن لجنة التحقيق الوطنية، مشيرة إلى تسجيل عشرات الآلاف من الشكاوى وفتح تحقيقات في قضايا الاغتصاب والاختفاء القسري والقتل. كما رأت أن وجود آليات أممية أخرى تعمل بموافقة الحكومة يجعل إنشاء آلية إضافية أمراً غير ضروري.

 

مطالب المجتمع المدني

 

بدورها، ضغطت منظمات حقوقية ومنصات مجتمع مدني في الجلسة من أجل تمديد أقوى وأطول للولاية. ودعا ائتلاف السودان إلى استمرار التحقيقات وتوثيق الانتهاكات وحفظ الأدلة وتحديد المسؤولين، وطالب بأن تتعامل البعثة والمجلس بالجدية نفسها مع جميع الدول والكيانات التي تقدم دعماً خارجياً لأي طرف من دون انتقائية.

كما وجه تحالف يضم 63 منظمة مجتمع مدني، بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، رسالة مشتركة إلى المجلس تطالب بـ”تمديد ولاية البعثة لعامين كاملين، بدلاً من التجديد السنوي الذي يحد من قدرتها على التخطيط واستقطاب الخبراء والاحتفاظ بالموظفين وإجراء تحقيقات طويلة ومعقدة”. وطالبت هذه المنظمات بـ”تعزيز قدرات البعثة على جمع الأدلة وحفظها وتحديد المسؤولين عن انتهاكات طرفي الحرب والتحقيق في دور الأطراف الخارجية التي تغذي النزاع”، مؤكدة أن “التقاعس عن دعم البعثة يعني عملياً منح مزيد من الوقت للإفلات من العقاب”.

هذا، ومن المتوقع أن يصوت مجلس حقوق الإنسان خلال دورته الحالية على مشروع القرار الخاص بتجديد ولاية البعثة. ويرى المراقبون أن التصويت سيكون اختباراً دقيقاً للتوازن بين خطاب السيادة الوطنية الذي تتمسك به الخرطوم وحلفاؤها، من جهة، وبين مطالب العدالة الدولية ومكافحة الإفلات من العقاب التي يرفعها ضحايا الانتهاكات وحلفاؤهم، من جهة أخرى. فإما أن تتحول التحذيرات المتكررة من شبكات الدعم الخارجي واستخدام الطائرات المسيرة ضد المدنيين إلى إجراءات ملموسة توقف تدفق السلاح والمرتزقة وتكرس المساءلة على امتداد سلسلة المسؤولية، وإما أن تبقى مجرد بيانات تُضاف إلى سجل طويل من النداءات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *