الحرب تلتهم هوية وتاريخ السودان: الذاكرة الوطنية تحت الأنقاض

متاحف ووثائق تدمرها نيران الحرب.. 30 مليون وثيقة توثق تاريخ السودان مهددة بالخطر
الخرطوم: (ديسمبر)

 

بدخول الحرب عامها الرابع، بدأت تتكشف يوماً بعد يوم حصيلة الدمار الهائل الذي أصاب الذاكرة الوطنية للسودان ممثلة في متاحفه ودار وثائقه القومية ومكتباته. فمعظم هذه المؤسسات تقع في قلب الخرطوم في مناطق شهدت أعنف المعارك، فتعرضت للقصف المباشر والتخريب والنهب على مدى ما يقارب العامين في وقائع لا يستبعد المهتمون أن يكون بعضها ممنهجاً بهدف طمس تاريخ البلاد.

المتاحف والآثار: نهب منهجي يطمس هوية الأمة

في صدارة المؤسسات المتضررة يأتي متحف السودان القومي الواقع عند ملتقى النيلين بوسط الخرطوم، والذي يُعد أهم خزانة للحضارة السودانية عبر العصور. ويضم المتحف القومي السوداني نحو مئة ألف قطعة أثرية تمثل آلاف السنين من التراث السوداني؛ بدءاً من الإمبراطورية الكوشية والممالك النوبية القديمة، مروراً بالممالك المسيحية في علوة والمقرة وسوبا، وصولاً إلى السلطنات الإسلامية في سنار ودارفور.

ومن بين أبرز مقتنياته مومياوات يعود تاريخها إلى حوالي 2500 قبل الميلاد، وتُعد من أقدم المومياوات وأكثرها أهمية أثرية في العالم، إضافة إلى كنوز كوشية ملكية. أما مصير اللوحات الجدارية والرسومات الضخمة التي نُقلت من الكنائس القديمة والمعابد الأثرية خلال الحملة الدولية لإنقاذ آثار النوبة بين عامي 1960 و1980 فغير مؤكد، وتؤكد التقارير أنه لم يبق من مقتنيات المتحف إلا القليل جداً.

وفي يونيو 2023 وبعد وقت قصير من سيطرة مقاتلي قوات الدعم السريع على متحف الخرطوم، أثار خبراء سودانيون ودوليون في مجال التراث والمتاحف مخاوفهم علناً بشأن سلامة مقتنيات المتحف. حينها أُبلغ عن تدمير ثماني مومياوات على الأقل على يد جنود الدعم السريع، كما تعرضت أجزاء من المبنى لأضرار بالحريق. وتأكدت هذه المخاوف في عام 2024 عندما أظهرت صور الأقمار الصناعية شاحنات محملة بقطع أثرية تغادر المتحف. واتضح أن قوات الدعم السريع لم تكتف بالسيطرة على مبنى المتحف، بل كانت تنظم عمليات نهب بشكل نشط. ومع انسحابها من وسط الخرطوم في مارس الماضي أصبح حجم الخسارة الثقافية واضحاً بشكل مأساوي.

نهب أكثر من 60% من الكنوز التاريخية 

وقالت المديرة المكلفة للمتحف، غالية جار النبي، إن أكثر من 60% من هذه القطع نُهبت، من بينها مشغولات معدنية وذهبية ومجوهرات تعود لملوك وملكات نبتة فيما تعرض ما تبقى للتخريب، وحتى السجلات التي توثق هذه القطع لم تنجُ. وأوضحت أن الكنوز المنهوبة هُرّبت إلى أسواق إقليمية ودولية، وستُباع على الأرجح بأسعار زهيدة لا تتناسب مع قيمتها، مما يجعل استردادها شبه مستحيل في غياب توثيق دقيق لها. وأكدت أن هذه الاعتداءات لا تستهدف مقتنيات مادية فحسب، بل تستهدف هوية شعب وذاكرته الجمعية. ولفتت إلى أن فريقاً يضم خبراء آثار سودانيين ودوليين بالتعاون مع اليونسكو والإنتربول بدأ عملية بحث لاسترداد آلاف القطع المنهوبة، مشددة على ضرورة تكثيف التنسيق الدولي لإعادتها وترميم ما تبقى منها.

من متحف الخليفة إلى القصر الجمهوري: متاحف الخرطوم تحت القصف والنهب

ولم يكن متحف الخليفة عبد الله التعايشي في أم درمان بأفضل حالاً، حيث نُهبت مقتنياته التي توثق فترة الدولة المهدية وما قبلها، بما فيها مخطوطات نادرة وقطع معدنية وممتلكات شخصية لقادة تلك الحقبة، من بينها سيفا الأمير عثمان دقنة وعبد الرحمن النجومي؛ أبرز قادة الثورة المهدية (1881-1899) ضد الحكم التركي-المصري.

كما لم يُستثنَ متحف التاريخ الطبيعي بكلية العلوم بجامعة الخرطوم الذي ضم عينات حية ومحنطة لطيور وزواحف توثق التنوع البري في السودان، بعضها لأنواع نادرة ومهددة بالانقراض وكانت ذات قيمة بالغة للباحثين والطلاب. وامتدت الخسائر إلى متحف السودان الإثنوغرافي الذي يحفظ أدوات زراعية ومنزلية واحتفالية وأزياء تعبر عن تنوع المجموعات العرقية والثقافات في أقاليم السودان. وطال الخراب أيضاً متحف الجيولوجيا والمتحف الحربي والقصر الجمهوري، إلى جانب مؤسسات علمية ومراكز ثقافية ودور عبادة عديدة في وسط العاصمة.
ووصف أحد الكتّاب والمؤرخين ما حدث بأنه “حملة ممنهجة” استهدفت ذاكرة وطنية تمتد لسبعة آلاف عام سواء عن قصد أو بسبب الجهل بقيمتها، معتبراً ذلك “أكبر ألم للذاكرة الوطنية، وجريمة تتحمل مسؤوليتها قوات الدعم السريع”. واتفق المؤرخون أن ضياع هذه الآثار خسارة لأجيال قادمة، لأن الشعوب تعود بعد الحروب إلى ذاكرتها الجمعية المحفوظة في المتاحف، وأن تاريخ الأمم يُقرأ من خلال آثارها المادية لا من الروايات الشفوية فقط. وأشاروا إلى أن بعض القطع المدمرة يمكن إعادة تصميمها بتقنيات حديثة، لكنها ستبقى محاكاة بلا قيمة تاريخية حقيقية.

ومنذ سيطرة قوات الدعم السريع على وسط الخرطوم في بداية الحرب تواترت الاتهامات الدولية والمحلية لها باستخدام هذه المواقع كثكنات عسكرية وتخريبها إلى أن استعاد الجيش السيطرة على العاصمة في مايو 2025. ويؤكد الخبراء أن قوات الدعم السريع تتحمل مسؤولية مرحلة النهب الأخيرة للمتحف، إلا أن أنماطاً أوسع من الإجرام والإهمال من جانب كل من قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية عرّضت التراث الثقافي السوداني لخطر شديد منذ اندلاع الأعمال العدائية في أبريل 2023.

دار الوثائق القومية: تدهور ظروف التخزين يهدد ما تبقى من ذاكرة السودان

تضم دار الوثائق القومية أكثر من 30 مليون وثيقة جرى جمعها منذ عام 1505، وتشكل أرشيفاً ضخماً يوثق التاريخ السياسي والإداري والاجتماعي للسودان عبر قرون طويلة، ويُعد سجل الدولة وذاكرتها الإدارية والتاريخية، وتُعتبر بحق سجل الدولة الرسمي وذاكرتها الإدارية والتاريخية. وقد تعرض المبنى للقصف المباشر بسبب موقعه القريب من القيادة العامة للجيش الذي شهد عمليات عسكرية مكثفة. وأدى تحطم نوافذ المبنى إلى تعرض الوثائق والمخطوطات للأمطار والرياح والرطوبة، كما أن بعضها أُخرج عمداً من حاوياته وتناثر على الأرض، فتأثرت خصوصاً الصحف القديمة والمراسلات الرسمية النادرة.

وأكدت مديرة دار الوثائق القومية أن غالبية محتويات الدار نجت من الحرائق لكنها حذرت من أن استمرار وجودها داخل مبنى متضرر قد يؤدي إلى إتلاف الوثائق والمخطوطات القديمة. وتزداد المخاوف مع تدهور ظروف التخزين وتراكم الغبار وغياب البيئة الفنية المناسبة للحفظ، وهي عوامل قد تسرّع تلف الوثائق النادرة التي تحتاج إلى عناية دقيقة ودرجات حرارة ورطوبة محددة. وأضافت أن الأضرار لم تقتصر على الوثائق الورقية فقط، إذ إن الأرشيف الإلكتروني تعرض للفقدان ما يمثل خسارة كبيرة في مسار رقمنة الذاكرة السودانية.

ويؤكد رئيس الجمعية السودانية للمكتبات والمعلومات أن كثيراً من الوثائق والمواد المؤرشفة، بما فيها وثائق أجهزة الدولة، تضررت ليس فقط بفعل الحرب بل أيضاً بعوامل طبيعية مثل تسرب الأمطار من الأسقف وانتشار القوارض والفطريات. وأشار رئيس الجمعية إلى إمكانية استرجاع نسخ من الوثائق التالفة كلياً أو جزئياً من أصول موجودة في دور وثائق أخرى، معتبراً إنقاذ ما تبقى “مسؤولية وطنية عاجلة”. وبعد استعادة الجيش للعاصمة، أُطلقت لهذا الغرض مبادرة خاصة وجدت دعماً من جهات حكومية، كما تحرك مهتمون ومؤرخون لرصد أوضاع المتاحف والوثائق وتوثيقها بالفيديو والصوت، ونفذوا عمليات نظافة وإصحاح ورفع أنقاض ومخلفات متفجرة أعادت لدار الوثائق بعضاً من”وجهها المشرق”.

دار الوثائق القومية: تاريخ الدار يمتد لأكثر من قرن

وتعود جذور دار الوثائق القومية إلى عام 1916 حين كانت إدارة الوثائق الرسمية تتم عبر مكتب الحاكم العام للسودان. وفي عام 1965 صدر قانون دار الوثائق القومية الذي منحها صفة قومية واعتبارية مستقلة وأسندت إليها مسؤولية حفظ الوثائق الرسمية والأهلية والخاصة. واليوم تقف الدار أمام اختبار مصيري: إما إنقاذ ذاكرة السودان الممتدة لقرون أو تركها فريسة للتلف والنسيان.

تحرك دولي ومحاولات استرداد

وفي أواخر 2024 أصدرت اليونسكو نداءً يدعو إلى وقف اقتناء أو استيراد أو تصدير أي ممتلكات ثقافية سودانية، محذرة من أن أي بيع أو نقل غير مشروع لها يعني “اختفاء جزء من الهوية الثقافية السودانية وتقويض قدرة البلاد على التعافي”. وجاء هذا التحذير بعد تقارير وصور تشير إلى عرض قطع أثرية من المتحف القومي للبيع على الإنترنت بأسعار زهيدة.

ومن جانبها أعلنت وزارة الخارجية السودانية في أبريل 2025 أن الحكومة ستواصل العمل مع اليونسكو والإنتربول والمنظمات المعنية لاستعادة المسروقات ومحاسبة المسؤولين معتبرة ما جرى جريمة حرب بموجب المادة 8 من نظام روما الأساسي واتفاقية لاهاي 1954 لحماية الممتلكات الثقافية واتفاقية اليونسكو 1970 لمكافحة الاتجار بالممتلكات الثقافية. وأما الجمعية السودانية للمكتبات والمعلومات فبدأت حصر المؤسسات المتضررة بما فيها المكتبات الجامعية والعامة لإعداد تقرير مفصل بالصور يوضح حجم الأضرار وتقديمه لمنظمات دولية وإقليمية بحثاً عن دعم لإعادة الإعمار.

ثغرات قانونية تسهّل تهريب الآثار

ورغم غياب أرقام دقيقة تحصر إجمالي الخسائر، يتفق المهتمون على أن ما فقدته الخرطوم من متاحف ووثائق ومكتبات يمثل ثغرة عميقة في ذاكرة أمة عمرها آلاف السنين، وأن استعادتها -أو ما يمكن استعادته منها – تتطلب تكاتفاً بين الجهات المحلية والدولية المعنية بالتراث والثقافة في السودان.

وفي هذا السياق نشرت دورية “أخبار التراث الثقافي” المتخصصة تقريراً جاء فيه أنه ومنذ إقرار قانون الآثار السوداني رقم 2 لعام 1952 كان يعتبر حيازة الآثار والاتجار بها قانونياً لكنه اشترط الحصول على ترخيص من مفوض الآثار لبيع الآثار وتصديرها. ويحظر النص القانوني نفسه الإضرار بالمواقع الأثرية أو تدميرها، وكذلك التنقيب دون تصريح والفشل في الإبلاغ عن القطع المكتشفة. وأضافت المجلة أن الإتجار بأي قطع أثرية مسروقة من المجموعات السودانية أو حيازتها يُعتبر عملاً غير قانوني بموجب القوانين الحالية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي. ورغم أن التجار الأمريكيين والأوروبيين والمتاحف الأوروبية سجلوا سجلاً إيجابياً في تجنب التعامل مع قطع يحتمل أن تكون منهوبة أو مواد قادمة من مناطق النزاع، فإن سوق الشرق الأوسط يفتقر إلى الشفافية بشكل كبير، وقد يصبح الوجهة النهائية للقطع المنهوبة من السودان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *