القاهرة: (ديسمبر)
احتشد عشرات السودانيين مساء يوم الأحد الماضي بمقر صالون الإبداع بالعاصمة المصرية القاهرة لحضور فعالية تدشين كتاب “جمهورية الوقاويق.. الإسلامويون وتدمير الدولة السودانية”، آخر إصدارات الكاتب الصحفي الأستاذ فتحي الضو، من خلال تقديم وجهات نظر فيما يتصل بدور الجبهة الإسلامية القومية في وصول السودان إلى حالته الراهنة وتقييم تجربة الثورة المهدية.
ورحّب مدير الندوة الصحفي شوقي عبدالعظيم بالمشاركين والحضور، وقال الكاتب فتحي الضو في الكلمة الاستهلالية إنه يشكر الحاضرين، وإنه يرغب في الاستماع إلى الآراء والمداخلات والملاحظات.
اتفاق واختلاف
من جانبها، اعتبرت المناقِشة الأولى للكتاب، دكتورة أماني الطويل، أن إصدار السودانيين لكتب تتناول توثيق الأحداث الأخيرة، بما في ذلك كتاب عضو مجلس السيادة بروف صديق تاور، يعد “أمراً إيجابياً، وتحوّلاً في المنهج المتبع من السودانيين باللجوء للثقافة الشفاهية وإنتاج توثيق مكتوب”. مبينة أن كتاب “جمهورية الوقاويق” عالج ما جرى في السودان من خلال محتواه القائم على جزءين، تناول أولهما الوقائع التي سبقت الحرب خلال حكم نظام عمر البشير، ثم سقوطه والمرحلة الانتقالية، بما في ذلك الجزء الخاص بانقلاب 25 أكتوبر 2021م.
واعتبرت أن الجانب الذي تناول موضوع الاتصالات والعلاقات مع إسرائيل “يعد، حسب وجهة نظرها، أحد أهم الموضوعات في الكتاب… لكون هذه العلاقة والصلة تأتي ضمن الاستراتيجية الإسرائيلية الهادفة لتفتيت الدول الموجودة في محيطها”، طبقاً لقولها.
وأشارت لاعتماد الكتاب على تقديم الرواية والسردية للمرتبطين والمعايشين للأحداث اليوم، وعدم الالتزام الصارم بالتوثيق الدقيق والمرجعي للأحداث والوقائع الواردة فيه، كتواريخ إجراء مقابلات تمت الإشارة إليها في الكتاب، “وهو ما سيجعل من الصعب بعد فترات زمنية متطاولة قد تمتد لمائة عام من التوثيق والتدقيق حول هذه المعلومات”.
وأبدت الطويل خلافها مع النقطة المركزية التي استند عليها الأستاذ فتحي الضو بتحميل الجبهة الإسلامية القومية مسؤولية الخراب والدمار الذي حدث بالسودان، مستدلة بعدم استقرار الأوضاع في السودان، لكنها استدركت بالقول: “الجبهة الإسلامية صحيح قد تكون من خلال سياساتها ومنهجها قد فاقمت الأوضاع، لكن بشكل عام الأوضاع في السودان قبل انقلابها لم تكن على أحسن حال، بغياب الانصهار الوطني وتفشي القبلية والجهوية والأمية وغيرها من العوامل، ولذلك مع تقديري للموقف الفكري للأستاذ فتحي، لكنني كباحثة عند النظر للوقائع لا أربط النتائج بمتغير واحد وإنما لمجموعة من الأسباب المتصلة”، طبقاً لقولها.
دور “الكيزان” ودفاع عن “المهدية“
اعتبر القيادي بحزب الأمة القومي المهندس إمام الحلو، في نقاشه للكتاب، أن تنظيم الفعالية يعد أمراً مشجعاً بأن السودان لم يضِع، حيث لا يزال أهله يحرصون على مناقشة القضايا، سواء بالكتابة أو المشاركة في التدشين.
واتفق مع ما جاء في الكتاب بخصوص تضاؤل الفعالية السياسية مع الإيمان بقوة السلاح بعد حرب أبريل 2023م. وشدد على ضرورة الإقرار والاعتراف والمعرفة بوجود استراتيجيات إقليمية مختلفة حول الأوضاع في السودان، تناولها الكتاب وأبرزها المصرية والأمريكية والإماراتية والإسرائيلية، مع ضرورة تحديد كيفية التعامل معها.
وأقر بدور النخب السودانية بعد الاستقلال فيما يتصل بهوية الدولة، بعدم التزامهم بجعل البلاد جسراً بين العروبة والأفريقية، للادعاء الكامل بالعروبة والإسلامية، لكنه اختلف مع ما ورد بالكتاب بخصوص الثورة المهدية، واعتبره “تبسيطاً مخلاً”، واستدل بعدة مراجع وكتابات حتى أجنبية، أبرزها “حرب النهر” الذي كتبه ونستون تشرشل وغيرها، التي قدمت شهادات لصالح الثورة المهدية.
وأبدى الحلو خلافه مع ما ذهبت إليه دكتورة أماني الطويل فيما يتصل بتحميل الجبهة الإسلامية منفردة مسؤولية التدهور والانهيار بالسودان، مبيناً أن الدولة السودانية عانت من الهشاشة وتعرضها للتآكل الذاتي، حتى باتت ضمن الدول الفاشلة.
وأشار إلى أن انقلاب الجبهة في يونيو 1989م “غيّر بنية الدولة وهدمها كلياً”، واتفق مع التحليل الوارد بالكتاب في تحليله لانقلاب الإنقاذ بالنقاط العشر الواردة فيه، واستخدام العنف لإعادة صياغة الإنسان السوداني.
إجابة الأسئلة
استهل المناقش الثالث عامر علي الحاج مداخلته بتحية شهداء ثورة ديسمبر، الذين مكّنت تضحياتهم من إيجاد قوى مدنية قادرة على تقديم رؤى ومواقف خلال الحرب، والتي اعتبر أن اندلاعها “كان محتوماً وفق الوقائع الماثلة.. ولكن اندلاعها قبل ثورة ديسمبر كان سيترتب عليه عدم وجود أصوات وقوى مدنية فاعلة”.
وأشار لطرح تساؤل أساسي يتمثل في مقدرة الكتاب في الإجابة على إثبات الافتراض المطروح حول علاقة الإسلاميين ودورهم في تدمير الدولة، ونوّه إلى أن المحتوى المنشور تطرق لأزمات الدولة لحقب عديدة، واتفق مع ما جاء في الكتاب بأن سؤال من أطلق الرصاصة الأولى “سؤال غير مجدٍ أو مفيد”، مشيراً في ذات الوقت إلى أن الكتاب بات بمثابة “تفسير السودانيين للإسلاميين وإحاطتهم بتفاصيل واقع أزماته بشكل أشمل من توضيح دورهم في أزمة السودان”، معتبراً الكتاب قد تحلّى بالشجاعة الكافية لطرح الأسئلة والإجابة عليها.
نقاش ساخن
لفت طالب الدكتوراه في الفلسفة مقبول موسى النظر لافتقاد الكتاب للمراجع وقلة استخدام الهوامش، وهو ما يجعله “لا تنطبق عليه الصفة العلمية وعدم اعتماده كمرجع”، مضيفاً أن هذا الأمر يجعل الكتاب يدخل ضمن تصنيف “الروايات”، وقارنه بكتاب فرانسيس فوكاياما “نهاية التاريخ”، الذي تم تقديمه على المستوى العلمي “ككتاب روائي”، طبقاً لقوله.
وأشادت مديرة تحرير صحيفة “الأهرام” أسماء الحسيني بإنتاج فتحي الضو، خاصة في مجال الإنتاج “الاستقصائي”، مشيرة لسلسلة كتبه المميزة التي كتبها عن النظام السوداني السابق وما كشفه من وقائع وتفاصيل حول أدق أسراره، مشيرة في ذات الوقت إلى أن الجانب الذي تناول موضوع ما جرى قبل الحرب وملف العلاقات مع إسرائيل والمعلومات الواردة حولهما يعدان من أهم الأجزاء الواردة في الكتاب.
من جهته، اعتبر اللواء متقاعد كمال إسماعيل المقارنة بين ما حدث في السودان خلال الثورة المهدية وانقلاب الإخوان المسلمين في يونيو 1989م “مقارنة غير صحيحة أو دقيقة، فالمهدية حركة مقاومة للاستعمار، أما نظام البشير فهو انقلاب على الوضع الدستوري الديمقراطي”، معتبراً العلاقة بين المدنيين والعسكريين ظلت في حالة “عدم ثقة” حتى بعد انخراط العسكريين في الحياة المدنية ومقاومة الديكتاتورية.
وأبدى كمال إسماعيل خلافه مع ما جاء في الكتاب حول مسؤولية الجيش في تمرد توريت في أغسطس 1955م، مبيناً أن هذه الحرب “كانت قراراً سياسياً اتخذته السلطة المدنية حينها، وتم توجيه الجيش لإخماد التمرد بناءً على القرار السياسي، فهم لم يشعلوا الحرب في الأساس”.
واتفق صلاح الزين في مداخلته مع ما أورده الكاتب عن عدم “وجود جدوى من طرح السؤال الخاص بمن أطلق الرصاصة الأولى”، بوصفها تتعامل مع الجانب السردي من الحرب وتغفل التعاطي مع الجانب التحليلي لبنيتها، منوهاً في ذات الوقت أن الاستمرار في الإجابة على هذا التساؤل سيقود الباحثين عن الإجابة للانحياز والتحول لدعم أحد طرفي الحرب غير المختلفين، طبقاً لقوله.
إلا أن حنان بشير اختلفت مع الرأي الرافض للبحث عن إجابة لسؤال “من أشعل الحرب”، وعزت الأمر لكون الإجابة على هذا السؤال ترتبط بملف العدالة الانتقالية، ويعد الإجابة على هذا السؤال أحد مطلوبات العدالة الانتقالية.
أما محمد الجيلاني، فاعتبر أن أي مؤلف لا يقدم إجابة لسؤال “المستقبل” يعد قاصراً، مشيراً في ذات الوقت لأهمية الوصول لقاسم مشترك يوحّد كل التيارات بالبلاد والقائمة على إيجاد نظرية وطنية تقوم على “السودانوية”.
من جهته، اعتبر الصحفي والإعلامي ماهر أبوجوخ أن وصف الطائر “الوقواق” الذي أورده الكاتب ينطبق فعلياً على “الكيزان”، معتبراً أن دور الجامعة العربية في السودان بعد الحرب لا يعاني من “الانحسار”، وإنما “التلاشي”.
وتوقع أن يكون للسودانيين موقف بعد انتهاء الحرب من الاستمرار ضمن الإطار العربي المشترك، ممثلاً في جامعة الدول العربية، وشدد على أن الكتاب تتمثل أهميته في تقديمه تفسيراً وشرحاً “لكيفية اختطاف مؤسسات الدولة لصالح الحزب بالتمكين فيها للمؤسسات العسكرية والمدنية على حد السواء”.
ونوّه إلى أن الصلات مع إسرائيل بدأت مع مساعي النظام المدحور وفقاً لما ورد في وثائق ويكيليكس، واقترح على المؤلف أن يقوم في الطبعة الثانية بتسليط الضوء على علاقة قضايا الإرهاب والتمكين الاقتصادي وأثر حرب دارفور على النظام المدحور، بجانب تضمين ملخصات للكتب الصادرة عن النظام السابق التي تناولت المؤسسات الأمنية الحزبية والرسمية للنظام.
من جهتها، أشارت متحدثة اكتفت بتعريف نفسها بأنها “إحسان” إلى أن الكتب التي أصدرها فتحي الضو، بما في ذلك هذا الكتاب، وثّقت للناس ما قامت به مجموعة الإسلاميين في السودان، وهو الأمر الذي يضمن توثيق وقائعها للأجيال مستقبلاً.
فيما قام أحد المتحدثين –لم يعرف نفسه– بالإشارة للأدوار الإيجابية للثورة المهدية، خاصة تضحيات معركة كرري التي أكدت “بطولة الشعب السوداني وكرامته”.
إلا أن المتحدث اللاحق له –وهو لم يعرف نفسه أيضاً– شدد على ضرورة الإقرار بالوقائع التاريخية التي أظهرت وجود خلافات حول المهدية ودورها، مستدلاً بمشاركة سودانيين ضدها، وقال: “الحقيقة أن المهدية ما كانت لتسقط لولا انقسام المجتمع السوداني جراء الخلافات معها”، مؤكداً في ذات الوقت ما حدث بعد انقلاب يونيو 1989م كان تدميراً ممنهجاً، فيما أرجع بداية انهيار البلاد في سبعينيات القرن الماضي بقرار تخفيض قيمة الجنيه السوداني.
“الكيزان”.. سرطان السودان
من جانبه، شكر المؤلف فتحي الضو المتداخلين على الإضافات والملاحظات التي قدموها، مبيناً أن مسألة توثيق وقائع الحرب الحالية “لا يزال في طوره الأولي، نظراً لوجود كثير من المواقف والقضايا لم يتم التطرق إليها بإطار واسع”.
مبيناً أن ملف العلاقات مع إسرائيل ورؤيتها للسودان “أكبر من الموارد.. ويرتبط بدوافع أخرى”، معتبراً أن النخبة الحاكمة وعلى رأسها قائد الجيش الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان: “يتعاطون مع هذا الملف باستسهال واستهزاء وبشكل غير جاد رغم تداعياتها الكارثية.. هذا استهتار… وهذا يدفعنا للقول بأن الدولة مختطفة”.
واعتبر نقده للحركة الإسلامية وتحميلها مسؤولية الانهيار في السودان ليس تحاملاً، ولكن لقناعته التامة بأن سلوك وأفكار هذه المجموعة ووجودها في الواقع السياسي السوداني يمثل “سرطاناً يعيق السودان ويهدده”، مشيراً في ذات الوقت إلى أن ثورة ديسمبر “لم تكتمل بعد ولكنها حية وموجودة، وحتماً ستأتي مجدداً حينما تكتمل شروطها الموضوعية مرة أخرى”، طبقاً لقوله.
ونفى تحامله على الثورة المهدية، مشيراً لافتخاره واعتزازه بما أحدثته من آثار، لكنه نوّه في ذات الوقت لأهمية قراءة التاريخ من واقع الروايات المختلفة للأحداث، وقال: “أقول لصديقي إمام الحلو العصبية في تناول موضوع المهدية ما حبابها، ولذلك علينا أن ننظر للأحداث بكل تجرد”.
الختام “نانسي“
أعربت المطربة والفنانة نانسي عجاج خلال حديثها في فعالية التدشين عن سعادتها بالمشاركة وإتاحة فرصة اللقاء لأول مرة مع الأستاذ فتحي الضو، معتبرة تدشين الكتاب والمشاركة الكبيرة في هذه الفعالية دلالة على عزم السودانيين في إكمال حياتهم وتحقيق تطلعاتهم، وتمنت أن يكون اللقاء القادم قريباً للجميع في السودان.
واستجابت لطلبات الحضور بأداء فاصل غنائي دون آلات موسيقية، بأداء مقاطع من أغنية “مرحبتين بلدنا حبابا” التي رددها معها الحضور، والتي كانت بمثابة ختام حفل التدشين الذي ضاقت بحضوره جنبات قاعة صالون الإبداع.