القاهرة: (ديسمبر)
احتشدت قاعة مركز التسامح بالقاهرة بحضور نوعي من السياسيين والمثقفين والأكاديميين والإعلاميين مساء الاثنين الماضي، للنقاش حول شهادة البروفيسور صديق تاور، عضو مجلس السيادة الانتقالي السوداني السابق؛ شهادته التي أودعها كتابه “رأيت كل شيء”. الأمسية شهدت نقاشًا فكريًا واسعًا حول الكتاب، وجدلاً حول تفسير الوقائع التي اشتمل عليها الكتاب وحول تجربة مؤلفه.
السياسيون على المحك
وضع كتاب بروفيسور تاور السياسيين السودانيين على المحك، وبالذات الفاعلين منهم في الفترة الانتقالية، الذين ورد ذكرهم فاعلين في الأحداث التي رواها المؤلف، إذ لا مناص من الإدلاء بشهاداتهم عن التجربة، وخاصة أن الكتاب وجه نقدًا للأداء في الفترة الانتقالية، مستشهدًا بمواقف محددة، إلا أنها كانت كفيلة برسم الصورة بوضوح.
هاشم مطر: ماذا رأينا نحن؟
المهندس هاشم مطر كان أول المتحدثين في ليلة تدشين “رأيت كل شيء”، ممثلًا للجنة المنظمة للاحتفالية. في كلمته، معلقًا على الكتاب، قال: “شهادة من رأى وليس من سمع”، لكون بروفيسور تاور كان في خضم الأحداث التي أدلى بشهادته حولها.
وتطرق مطر لشخصية المؤلف الذي تنوعت مشارب معرفته، من دراسة العلوم بجامعة الأزهر الشريف بالقاهرة، والماجستير من جامعة الخرطوم، ودرجة الدكتوراه من جامعة ليدن الهولندية. وأشار أيضًا للأسرة التي ترعرع فيها، والتي عرفت بدورها الريادي في جنوب كردفان بجبال النوبة، واختلاف مذاهبهم الفكرية والسياسية، مما يؤشر إلى الأجواء الديمقراطية التي عاش فيها تاور.
وهنا الإشارة إلى أشقاء البروفيسور، جلال وعفاف تاور، وكلاهما لم يستنكف الاستوزار في حكومة الإسلاميين التي ناصبها تاور العداء من موقعه القيادي بحزب البعث العربي الاشتراكي.
وختم مطر حديثه بسؤال: “هذا ما رآه بروفيسور صديق، ولكن السؤال: ماذا رأينا نحن؟”.
أدارت الأمسية الأستاذة أسماء الحسيني، الصحفية المصرية المعروفة، بمشاركة المهندس عمر الدقير، رئيس حزب المؤتمر السوداني، والدكتورة أماني الطويل، الباحثة المهتمة بالشأن السوداني والأفريقي، والدكتور حسن كمال، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الزعيم الأزهري، والصحفي شوقي عبد العظيم، حيث تناول المتحدثون الكتاب من زوايا سياسية وفكرية توثيقية.
وشهدت الأمسية حضورًا لافتًا لعدد من الشخصيات، من بينهم السفير الدكتور صلاح حليمة والكاتب الصحفي محمود بكري، وسط اهتمام واضح بالكتاب الذي يقدم شهادة من داخل واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ السودان الحديث.
محطات ومؤشرات
كتاب “رأيت كل شيء” لا يدور حول الفترة الانتقالية التي كان فيها المؤلف فاعلًا في قمة الهرم، عضوًا في مجلس السيادة الانتقالي الشرعي، وحسب، ولكن يعود المؤلف إلى ما قبل الفترة الانتقالية، متتبعًا الأحداث والوقائع التي فجَّرت الثورة، التي بدورها أنتجت حكومة الفترة الانتقالية.
العودة للتاريخ استخدمها المؤلف بمهارة، حيث انصب تركيزه على أحداث لها تأثير وامتداد على ما جرى في الثورة وما بعدها إلى فترة الحرب، وهي شهادات كان صديق أيضًا في عين الأحداث، سياسيًا فاعلًا وقياديًا في حزب له تأثير على الوقائع.
غير أن الكتاب أفرد الجزء الأكبر للفترة الانتقالية، موضحًا طبيعة العلاقة بين المدنيين والعسكريين في مجلس السيادة، وكيف كانت تعالج القضايا. وفي هذا الجانب عكست شهادة المؤلف علاقة قائمة على التربص وعدم الشفافية ومحاولة شراء الوقت، كما أشار إلى إخفاقات في العمل الإداري من بعض الوزراء والنافذين.
وبعد ذلك، تتبع الكتاب أحداث ووقائع انقلاب 25 أكتوبر 2021، وكيف كان مقدمة للحرب، وقبل الوصول إلى الحرب. تضمنت الشهادة التي أدلى بها تاور موقفهم في حزب البعث العربي الاشتراكي من الاتفاق الإطاري، ووضح لماذا اعترضوا عليه، ثم لماذا غادروا تحالف الحرية والتغيير.
وتميز الكتاب بأن صديق تاور لم يكتفِ بإيراد شهادته معلقة في فضاء الظن واليقين، ولكن وثق للكثير منها بوثائق وشهود وقرائن الأحداث.
القاعدة الروسية والكرونا: هكذا تدار الأمور
من بين الشهادات التي أوردها تاور كنماذج لإدارة الدولة قضية البارجة الروسية، والتي كان رئيس مجلس السيادة وقتها الفريق عبد الفتاح البرهان يدير أمرها في الخفاء مع زملائه في المكون العسكري، أو جزء منهم على الأقل.
وقال تاور إن أحد السودانيين المقيمين في موسكو أرسل له قصاصة من صحيفة روسية تحمل خبرًا مفاده أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وجَّه بالمضيِّ قُدُمًا في تنفيذ قاعدة روسية في سواحل البحر الأحمر في السودان، ومجموعة أخرى من الوثائق التي تعزز الخبر.
بعد أن استوثق تاور، اتفق مع الدكتورة عائشة موسى، عضوة المجلس، على إثارة القضية في أول اجتماع، وقد كان، إلا أن البرهان حاول أن يخفف من المسألة، وعاونه بقية المكون العسكري، على حد ما جاء في شهادة تاور.
ولم ينتهِ الأمر عند هذا الحد، إذ تبين أن البرهان والمكون العسكري ماضون في تنفيذ القاعدة الروسية. هنا اقترح تاور أن يتقدم المكون المدني بمذكرة ترفض الموضوع وتطالب بالشفافية.
والنقطة المهمة في الشهادة أن عددًا من أعضاء المكون المدني لم يكترث لأمر المذكرة، ومن بين الأسماء التي ذكرها تاور وقال إنها لم تكترث، عضو المجلس محمد الفكي سليمان، أما الراحل حسن شيخ إدريس فقد أبدى اعتراضًا على اللغة التي كتبت بها، ووصفها بالحادة. وفي نهاية الأمر، تم توقيع المذكرة من ثلاثة أعضاء: تاور، وعائشة موسى، ورجاء نيكولا. ومن المفيد أن نشير إلى أن تاور أورد المذكرة في الكتاب من ضمن الوثائق التي نشرها.
الحادثة الثانية تتعلق بلجنة “الكرونا”، والتي ترأسها البروفيسور تاور، والشهادة تدور حول أداء وزير الصحة في حكومة الفترة الانتقالية الأولى، أكرم علي التوم، وكيف كان سلبيًا في الاجتماعات، ولم يكن تفاعله مع الحدث بالقدر المطلوب، ولم يكن مهتمًا.
والأكثر إدهاشًا في الشهادة أنه عطَّل مساعدات قيمة من دولة الصين لأسباب واهية، بحسب شهادة تاور.
وأخيرًا، حكى واقعة اجتماع مع رئيس الوزراء د.عبدالله حمدوك، عقد خصيصًا لأجل تقييم أداء وزير الصحة أكرم علي التوم، وأنه تحدث بصراحة كاملة أمام الاجتماع الذي ترأسه حمدوك عن ضعف أداء الوزير وعدم اكتراثه بعمل الوزارة، الأمر الذي أسهم في الإطاحة به وإعفائه من المنصب في الحكومة الثانية من عمر الفترة الانتقالية.
منصة التدشين: من يسير على الطريق
فتح توثيق البروفيسور صديق تاور الباب أمام فضيلة “الشهادة” للفاعلين في الفترة الانتقالية، ووضع الجميع أمام التفاعل مع ما قاله، تأييدًا ورفضًا أو تصويبًا وتحققًا.
لذا أجمع المتحدثون في منصة التدشين على أن تاور بادر، وكتب شهادة موثقة. المهندس عمر الدقير ألمح إلى أنهم الآن ملزمون بالإدلاء بشهاداتهم على طريقة تاور، بينما بدا واضحًا احتفاء الدكتورة أماني الطويل بكتاب “رأيت كل شيء”، ووصفته بأنه سِفر مهم للباحثين عن الحقيقة.
الدكتور كمال حسن أشار إلى المنهج الذي اتبعه المؤلف، وأن بعض الأحداث تحتاج إلى مزيد من الإيضاح، بينما تحدث الصحفي شوقي عبد العظيم عن الجهد الصحفي الذي يجب أن يبذله الصحفيون في استنطاق السياسيين الذين كانوا طرفًا في الأحداث التي رواها تاور.
والسؤال الذي اتفق عليه المناقشون في المنصة: من التالي الذي يسير في الطريق الذي مشى فيه صديق تاور؟.
حظي الكتاب بنقاش وتفاعل من الحضور، وفي نهاية ليلة التدشين، وقَّع البروفيسور صديق تاور كافي على الكتاب لكل من حصل عليه من الحاضرين.