الإدمان لا يبدأ فجأة..

صباح بدوي حسن تكشف أسبابه وآثاره على الأسرة والمجتمع

كمبالا: (ديسمبر)

 

لا يبدأ الإدمان دائماً بقرار واضح لدى الشخص بأن يصبح معتمداً على مادة ما، فقد تكون البداية فضولاً أو رغبة في الانسجام مع الأصدقاء، أو محاولة للهروب من مشاعر سلبية وضغوط نفسية واجتماعية. ومع تكرار التعاطي، يمكن أن يتحول الأمر تدريجياً إلى حالة تؤثر في قدرة الشخص على التحكم في سلوكه، وتنعكس آثارها على صحته وعلاقاته وأسرته وعمله ومجتمعه.

وتتناول صباح بدوي حسن، اختصاصي أول علم النفس العلاجي، في هذه المقابلة مفهوم الإدمان، والعوامل التي قد تدفع بعض الأشخاص إلى التعاطي، إضافة إلى أبرز المؤشرات التي يمكن أن تلفت انتباه الأسرة، والآثار النفسية والاجتماعية التي تمتد من الفرد إلى المحيطين به.

 

الإدمان.. أكثر من مجرد تعاطٍ

 

(ديسمبر): كيف تعرفين الإدمان من منظور علم النفس؟

صباح بدوي حسن: الإدمان مرض مزمن وانتكاسي ومتعدد العوامل، وينتج عن التأثير طويل المدى للمواد المؤثرة نفسياً على المخ، ما يؤدي إلى تغيرات عصبية ونفسية تجعل الشخص مجبراً على البحث عن المادة الإدمانية والاستمرار في تعاطيها رغم الضرر النفسي والجسدي والاجتماعي الذي يعاني منه.

وتظهر لدى الشخص حالة من التعلق والحاجة الملحة إلى التعاطي، وقد تترافق مع نزعة لزيادة الكميات، إلى جانب التبعية الجسدية والنفسية للمادة وظهور أعراض عند الانقطاع عنها.

 

(ديسمبر): هل يصل الشخص إلى الإدمان بصورة مفاجئة؟

صباح بدوي حسن: ليس بالضرورة. هناك مراحل يمر بها الشخص. قد يبدأ التعاطي في المناسبات، ثم ينتقل إلى مرحلة يزداد فيها الاستخدام، ويظهر خلالها الشعور بالذنب أو النسيان والتوتر عند نقص المادة. ومع تطور الحالة، قد يفقد الشخص السيطرة على نفسه، وتبدأ مشكلات التوافق مع الحياة الاجتماعية، وتتدهور علاقاته بأسرته وأصدقائه ومجتمعه.

 

لماذا يبدأ بعض الأشخاص التعاطي؟

 

(ديسمبر): ما الذي يدفع الإنسان إلى تجربة المخدرات في المقام الأول؟

صباح بدوي حسن: هناك عوامل متعددة، منها عوامل شخصية وأخرى بيئية واجتماعية. قد يكون الفضول أحد الأسباب، أو الرغبة في الانسجام مع الأصدقاء، أو البحث عن الإحساس الذي تحدثه المادة. كما أن بعض الأشخاص قد يلجأون إلى التعاطي رغبة في الحصول على طاقة إضافية لأداء بعض المهام، بينما يحاول آخرون استخدامه للتغلب على المشاعر السلبية.

وفي حالات أخرى، قد يكون التعاطي وسيلة للهروب من واقع مؤلم، أو من إحباط شديد يشعر الشخص بأنه غير قادر على مواجهته، أو محاولة لخفض التوتر والقلق والألم. وهنا يتحول التعاطي إلى نوع من العلاج الذاتي السلبي للأزمات النفسية.

 

الأسرة والبيئة المحيطة

 

(ديسمبر): إلى أي مدى تؤثر الأسرة والبيئة الاجتماعية في احتمالية التعاطي؟

صباح بدوي حسن: الأسرة وعمليات التنشئة الاجتماعية لهما دور مهم. انشغال الوالدين المستمر بالكسب المادي أو بتحقيق نجاح شخصي قد ينعكس سلباً على الأبناء، وكذلك استخدام أساليب اجتماعية خاطئة في التعامل معهم.

كما أن كثرة المشكلات العائلية يمكن أن تجعل الجو الأسري مليئاً بالاضطرابات. ولذلك لا يمكن النظر إلى التعاطي باعتباره مشكلة فردية منفصلة تماماً عن البيئة التي يعيش فيها الشخص.

 

علامات تستدعي الانتباه

 

(ديسمبر): ما هي أبرز التغيرات التي يمكن للأسرة ملاحظتها لدى شخص قد يكون واقعاً في مشكلة تعاطٍ؟

صباح بدوي حسن: هناك مؤشرات جسمية وسلوكية ونفسية متعددة. قد يظهر ضعف وفتور عام، أو تغير في الشهية، أو قضاء وقت طويل خارج المنزل، أو ظهور أصدقاء جدد لا يرغب الشخص في أن تعرف الأسرة عنهم.

وقد يلاحظ المحيطون به إهماله للنظافة والمظهر العام، وتراجع أدائه الدراسي أو الوظيفي، إضافة إلى اضطرابات النوم، وكثرة الطلبات المادية، وبيع بعض أغراضه الشخصية أو الادعاء بفقدانها.

ومن المؤشرات أيضاً تغير السلوك والميول والاهتمامات، وضعف الانتباه والتركيز، والانعزال والابتعاد عن المناسبات، إلى جانب القلق والتوتر وعدم الاستقرار.

وقد يظهر كذلك الشك والميل إلى العدوان، أو تقلب واضح في الحالة الانفعالية، بحيث ينتقل الشخص من العصبية والقلق إلى السعادة والنشاط الزائد أو الضحك والبكاء دون سبب واضح.

 

عندما يصل تأثير الإدمان إلى الأسرة

 

(ديسمبر): كيف يؤثر الإدمان على الحياة الأسرية؟

صباح بدوي حسن: تأثيره قد يكون عميقاً. الشخص الذي تصبح المادة الإدمانية أولوية بالنسبة إليه قد ينفق عليها من موارد الأسرة، ما يؤدي إلى استنزاف الدخل وحرمان الأسرة من احتياجات أساسية.

وقد يصل الأمر إلى حرمان الأبناء من التعليم أو العلاج أو المسكن الملائم. كما يهتز النموذج الوالدي أمام الأطفال عندما يرون الإهمال وعدم تحمل المسؤولية.

ومن الآثار الأخرى عدم الشعور بالأمان داخل الأسرة، خصوصاً عندما تصبح الأسرة عرضة للمشكلات المرتبطة بسلوك الشخص المتعاطي. ومع استمرار الخلافات قد يحدث التفكك الأسري والطلاق أو الهجر، وقد يتعرض الأطفال لمناخ مليء بالتوتر والصراعات.

 

الأطفال بين التقليد وفقدان الأمان

 

(ديسمبر): لماذا يكون الأطفال من أكثر الفئات تأثراً بإدمان أحد الوالدين؟

صباح بدوي حسن: لأن الطفل يتأثر بما يراه داخل الأسرة، والآباء يمثلون نموذجاً مهماً بالنسبة إليه. فإذا تكرر التعاطي أمام الأبناء، فقد يثير ذلك فضولهم ويدفعهم إلى تقليد السلوك.

كما أن بعض الأطفال قد يتعرضون لمواقف تتجاوز قدرتهم على الاستيعاب، خصوصاً عندما يكون المنزل مليئاً بالخلافات وعدم الاستقرار. وهذا يمكن أن يؤثر في شعورهم بالأمان وفي علاقتهم بوالديهم وبالمجتمع.

وتشير المادة التوعوية إلى أن اهتزاز القدوة داخل الأسرة يمكن أن يؤدي إلى نقل أنماط سلوكية سلبية إلى الأبناء، وهو ما يجعل آثار الإدمان ممتدة إلى الأجيال داخل الأسرة.

 

من المدرسة إلى مكان العمل

 

(ديسمبر): هل يقتصر تأثير الإدمان على العلاقات الأسرية؟

صباح بدوي حسن: لا، فالتأثير يمتد إلى مختلف جوانب الحياة. على المستوى التعليمي، قد يهمل الطالب المتعاطي واجباته الدراسية ويتغيب عن المدرسة، ما يؤدي إلى تراجع مستواه وتأخره الدراسي.

وفي بيئة العمل، قد يلجأ الشخص إلى التغيب أو طلب الإجازات المرضية بصورة متكررة، ما يؤثر على أدائه وعلى المؤسسة التي يعمل بها وعلى مستوى الإنتاج.

كما يمكن أن يؤدي التعاطي إلى تدهور العلاقات الاجتماعية، والعزلة، وزيادة النزاعات والمشكلات مع المحيطين.

 

الإدمان وأثره على المجتمع

 

(ديسمبر): كيف يتحول الإدمان من مشكلة فردية إلى قضية مجتمعية؟

صباح بدوي حسن: عندما يؤثر الإدمان في الأسرة والتعليم والعمل والعلاقات الاجتماعية، فإنه يصبح قضية مجتمعية. فقد يؤدي استنزاف موارد الأسرة إلى زيادة الأعباء الاقتصادية، كما يمكن أن يساهم تدهور العلاقات الأسرية في إنتاج بيئة غير مستقرة للأطفال.

وقد ترتبط بعض حالات التعاطي بانتشار العنف والجريمة، خاصة عندما يسعى الشخص إلى توفير المال من أجل الاستمرار في التعاطي. كما أن تراجع القدرة على العمل والإنتاج يترك أثراً اقتصادياً لا يقتصر على الفرد وحده.

 

لماذا يصعب على المدمن التوقف؟

 

(ديسمبر): إذا كان الشخص يعرف الأضرار التي يسببها التعاطي، فلماذا يستمر؟

صباح بدوي حسن: الاستخدام المزمن للمواد المخدرة يحدث تغييرات في المخ يمكن أن تستمر فترة طويلة بعد التوقف عن التعاطي. وهذه التغييرات تؤثر بصورة مباشرة في التحكم بالسلوك والتصرفات، بما في ذلك القدرة على التحكم في النزعة إلى التعاطي رغم الضرر الجسدي والنفسي والاجتماعي.

لذلك فإن فهم الإدمان يساعدنا على إدراك أن استمرار الشخص في التعاطي لا يمكن تفسيره دائماً باعتباره رغبة بسيطة في الاستمرار، وإنما هناك عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية متداخلة تؤثر في سلوكه.

 

الوعي مسؤولية الأسرة والمجتمع

 

(ديسمبر): ما الرسالة التي توجهينها للأسر والمجتمع بشأن الإدمان؟

صباح بدوي حسن: من المهم أن ننظر إلى الإدمان باعتباره مشكلة متعددة العوامل والآثار، وليس مجرد سلوك فردي منفصل عن البيئة المحيطة. فالأسرة تتأثر، والأطفال يتأثرون، والتعليم والعمل والعلاقات الاجتماعية كلها يمكن أن تتضرر.

والوعي بهذه الآثار يساعد على الانتباه إلى التغيرات التي قد تظهر على الشخص، وفهم العوامل التي يمكن أن تدفعه إلى التعاطي، والعمل على بناء بيئة أسرية واجتماعية أكثر استقراراً.

فالإدمان لا يغيّر حياة الشخص وحده، بل يمكن أن يعيد تشكيل حياة أسرة كاملة، وقد تمتد آثاره إلى المجتمع بصورة أوسع. ومن هنا تصبح الوقاية والتوعية وفهم الأسباب والآثار مسؤولية مشتركة، تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *