شباب سودانيون في اللجوء يبحثون عن طريق إلى المستقبل
لم يكن اللجوء بالنسبة إلى الشباب السودانيين مجرد انتقال من مكان إلى آخر هرباً من الحرب، بل تجربة أعادت تشكيل تفاصيل حياتهم، وأوقفت بعض خططهم وأحلامهم، بينما فتحت أمام آخرين أبواباً جديدة للتعلم واكتساب المهارات وبناء العلاقات.
وفي معسكرات اللجوء بدول الجوار، يواجه الشباب تحديات متشابهة، أبرزها محدودية فرص التعليم والعمل، والفراغ، والظروف المعيشية الصعبة والضغوط النفسية. ومع ذلك، يحاول بعضهم تحويل واقع اللجوء إلى مساحة للتعلم والمشاركة المجتمعية والعمل من أجل السلام.
الكاميرا كوسيلة لإيصال صوت اللاجئين
في معسكر كرياندنقو بأوغندا، يقول اللاجئ السوداني مجدي عبدالرحيم إبراهيم إن تجربة اللجوء غيّرت حياته بصورة كبيرة، إذ أتاحت له التعرف على أشخاص جدد وبناء علاقات أصبحت بالنسبة إليه أشبه بالأسرة.
ويرى مجدي أن اللجوء أتاح له أيضاً تطوير مهاراته في التصوير والإعلام وصناعة الأفلام الوثائقية، مستخدماً الكاميرا لتوثيق حياة اللاجئين والمشكلات التي يواجهونها داخل المعسكر.
ويقول: “التصوير بالنسبة لي بقى وسيلة أعبر بيها عن الناس وأوصل صوتهم”، موضحاً أنه وثق قضايا تتعلق بالتعليم والجوع وظروف الأطفال والنساء وحياة السكان داخل المعسكر.
لكن هذه الفرص جاءت بالتوازي مع خسائر أخرى، إذ يقول مجدي إن اللجوء عطّل جزءاً من مستقبله، خصوصاً في مجالي التعليم والعمل، وجعله غير قادر على مواصلة دراسته بالصورة التي يحتاج إليها أو الحصول على فرصة عمل تساعده على إعالة نفسه وأسرته.
ويعتبر أن أكبر التحديات التي تواجه الشباب هي قلة الفرص، مؤكداً أن توفير التعليم والتدريب والعمل يمكن أن يساعد الشباب على استعادة قدراتهم على بناء مستقبلهم.
شباب بين الفراغ وضياع الخطط
ويصف مجدي حياة الشباب داخل المعسكر بأنها صعبة، في ظل قلة فرص التعليم والعمل والفراغ والظروف المعيشية والضغوط النفسية. ويقول إن كثيراً من الشباب كانت لديهم خطط للدراسة والعمل وبناء حياتهم، لكن الحرب واللجوء والظروف القاسية أوقفت تلك الخطط. وفي المقابل، تمكن آخرون من استغلال بعض الفرص المتاحة، مثل المنح الدراسية والمعاهد، لاكتساب مهارات جديدة.
ويطالب مجدي المنظمات والجهات الداعمة بألا تقتصر مساعداتها على الاحتياجات الأساسية، بل أن تتجه أيضاً إلى دعم الشباب بالتعليم والتدريب وفرص العمل والمشروعات الصغيرة والدعم النفسي.
ويضيف أن الشباب يحتاجون إلى تدريبات في الحاسوب والحرف والمهن والزراعة والأعمال التجارية الصغيرة، إلى جانب مساحات آمنة للرياضة والفن والحوار، باعتبارها أدوات يمكن أن تساعدهم على المشاركة في المجتمع وبناء السلام.
اللجوء.. تعطيل وخطط جديدة
أما محمد عثمان رابح، وهو لاجئ سوداني في أوغندا، فيرى أن تجربة اللجوء حملت جانبين متناقضين؛ فقد عطلت بعض خططه بسبب الانتقال المستمر وعدم الاستقرار وصعوبة معرفة الأماكن والجهات التي يمكن أن تساعده في بداية حياته الجديدة.
لكنه في المقابل وجد فرصاً للتعرف على ثقافات مختلفة وبناء علاقات امتدت من المستوى الشعبي إلى الرسمي، إلى جانب فرص التعليم والتعلم.
ويؤكد رابح أن الشباب داخل السودان يحتاجون أولاً إلى الأمان والاستقرار، ثم إلى التعليم والتدريب والعمل، مشدداً على أهمية أن يكون الشباب شركاء في صناعة الحلول واتخاذ القرار، والمشاركة في إعادة بناء المجتمعات وإعمار السودان.
أما الشباب في دول اللجوء، فيرى أن الأولوية تتمثل في تسهيل الوصول إلى العمل والتدريب المهني والتعليم، وخلق مساحات آمنة للمشاركة المجتمعية.
ويقول إن الأهم هو عدم التعامل مع الشباب باعتبارهم «مستفيدين من المساعدات»، بل باعتبارهم أصحاب قدرة على إحداث وقيادة تغيير حقيقي.
فرص جديدة خلف الحدود
وفي دولة جنوب السودان، ترى اللاجئة كوثر أحمد عبدالحميد أن اللجوء أتاح لها فرصاً جديدة، خصوصاً في مجال التجارة والأعمال، من خلال التعرف على مجتمعات وأسواق جديدة في شرق أفريقيا.
وتعتبر كوثر أن تجربة الانتقال إلى مجتمع جديد منحتها فرصة لخوض تجارب مختلفة والانفتاح على أسواق أكبر مقارنة بالبيئة المحلية المحدودة.
وترى أن الشباب السوداني يحتاجون إلى تعزيز الثقة بالنفس والقدرة على التعايش مع الآخرين، بعيداً عن النظرات الضيقة ذات الطابع القبلي والمناطقي، والانفتاح على المجتمعات الأخرى باعتباره طريقاً لتجاوز بعض العوائق التي حدّت من تقدم الشباب.
الشباب.. طاقة تنتظر الفرصة
تتقاطع شهادات مجدي ومحمد وكوثر عند نقطة أساسية: اللجوء لم يكن تجربة سلبية بالكامل، كما أنه لم يكن فرصة خالصة؛ فقد عطّل التعليم والعمل والاستقرار، لكنه في الوقت ذاته فتح أبواباً للتعلم وبناء العلاقات واكتساب المهارات والانفتاح على مجتمعات جديدة.
وبالنسبة إلى هؤلاء الشباب، فإن المستقبل لا يرتبط فقط بعودة الاستقرار إلى السودان، وإنما بقدرتهم على امتلاك التعليم والمهارات وفرص العمل والمساحات التي تمكنهم من المشاركة.
ويرى مجدي أن الشباب يمكن أن يكونوا حلقة وصل بين المجتمعات، وأن يستخدموا الفن والرياضة والإعلام والحوار في تعزيز التعايش والسلام. ويختصر رسالته بالقول إن الظروف قد تكون صعبة، لكن على الشباب ألا يفقدوا الأمل، وأن يبدأ كل شخص بتعلم مهارة والاستفادة من الفرص المتاحة، مهما بدت بسيطة.
فالشباب، كما تعكس هذه الشهادات، لا يريدون المساعدة فقط، بل يريدون فرصة للتعلم والعمل والمشاركة وبناء مستقبلهم وأسرهم، والمساهمة في بناء مستقبل السودان.