شبكة النساء السودانيات
مذكرة مفتوحة إلى الآلية الخماسية ودول الاتحاد الأفريقي ومجلس السلم والأمن الأفريقي
الموضوع: بشأن الترحيب بحوار قائد الجيش السوداني
تحية احترام وتقدير،
تتوجه إليكم شبكة النساء السودانيات في لحظة من أخطر اللحظات في تاريخ السودان الحديث، حيث تستمر الحرب في تدمير الدولة والمجتمع، ويواجه ملايين السودانيين والسودانيات القتل والنزوح واللجوء والجوع وانهيار الخدمات الأساسية، بينما تتحمل النساء والأطفال بصورة خاصة كلفة إنسانية واجتماعية باهظة.
وقد اطلعنا، بأسف بالغ، على البيان الصادر عن مفوضية الاتحاد الأفريقي في 31 أغسطس 2026، والذي رحبت فيه بالمبادرة الرامية إلى عقد ما سمي بـ«الحوار السوداني–السوداني»، تحت إشراف لجنة وُصفت بالمستقلة. وبالنسبة إلينا، فإن المشكلة ليست في مبدأ الحوار في حد ذاته. فنحن نؤمن بأن الحرب لا يمكن أن تنتهي بصورة مستدامة إلا من خلال عملية سياسية سودانية واسعة، مستقلة، حرة، تعالج الأسباب البنيوية للأزمة، وتعيد بناء الدولة على أساس الحرية والسلام والعدالة، والمواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والحكم المدني الديمقراطي. لكننا نرفض التضليل بالحوار لإضفاء شرعية على عملية يتحكم بها أحد أطراف الحرب، لإعادة إنتاج الحكم العسكري وإعادة تمكين عناصر النظام السابق وتهديد وحدة البلاد.
وإن تسمية مثل هذه العملية حواراً لا تمنحها الشرعية. فالشرعية لا تُستمد من مكان انعقاد الحوار، ولا من الشعارات المعلنة، وإنما من استقلال العملية، وحرية المشاركين، واتساع التمثيل، وتوازن شروط المشاركة، واستقلال الجهة الميسرة، وقدرة السودانيين والسودانيات على المشاركة في تصميم العملية ووضع قواعدها وجدول أعمالها وآليات اتخاذ القرار فيها.
وإننا إذ نؤيد مذكرتَي قوى إعلان المبادئ والقوى السودانية المناهضة للحرب، نود التأكيد على الآتي:
أولاً: الاتحاد الأفريقي أمام اختبار حقيقي للاتساق مع مبادئه:
لقد اتخذ الاتحاد الأفريقي موقفاً واضحاً عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021، عندما عُلِّقت مشاركة السودان في أنشطة الاتحاد إلى حين استعادة النظام الدستوري. وقد استند القرار إلى أحد أهم المبادئ التي قام عليها النظام الأفريقي المعاصر: رفض التغييرات غير الدستورية للحكومات. ومن هنا فإننا نتساءل: كيف يمكن للمؤسسة التي رفضت الانقلاب العسكري أن تتعامل الآن مع قيادة الانقلاب ذاتها باعتبارها الجهة التي تطلق وتحدد إطار عملية يُفترض أن تعيد بناء الشرعية السياسية والدستورية في السودان؟!.
ولأن الاتحاد الأفريقي يرفض الانقلابات من حيث المبدأ، فإننا كمنظمة مدنية نرى بأن هذا يشكل قاسماً مشتركاً يستوجب الاحترام ويتيح الحوار، في حين هناك منظمات أخرى كالجامعة العربية ظلت تؤيد على الدوام الانقلابات في بلادنا، مما يجعل مواقفها أدنى من المناقشة.
ثانياً: لا يمكن لطرف في النزاع أن يمنح نفسه صفة الوسيط:
إن العملية المشار إليها تنطلق في سياق تسيطر فيه المؤسسة العسكرية على أجهزة ومؤسسات الدولة في المناطق الخاضعة لها، ويظل قائد الجيش نفسه طرفاً رئيسياً في الحرب وفي الأزمة السياسية التي سبقتها. ومن ثم فإن العملية لا يمكن التعامل معها كما لو أنها صادرة عن جهة محايدة تقف على مسافة متساوية من مختلف الأطراف. ولا يجوز أن تتحول السيطرة العسكرية أو الإدارية في جزء من البلاد إلى وسيلة للتحكم في: من يشارك، ومن يُستبعَد، وما هي أجندة الحوار، وأين ومتى ينعقد، وكيف تُتخذ القرارات.
وتؤكد جميع المؤشرات أن العملية المتحكَّم بها تهدف لتقديم قائد الجيش بوصفه سلطة شرعية للدولة، حتى في ظل واقع الحرب والانقسام، وبما يؤدي في النهاية إلى تكريس انقسام البلاد بدلاً من إعادة توحيدها.
ثالثاً: الأولوية لوقف الحرب وحماية المدنيين، لا إنتاج شرعية سياسية للبنادق:
إن السودان اليوم لا يعاني من نقص في المؤتمرات أو المبادرات. المشكلة الرئيسية والضاغطة هي الحرب.
والأولويات الحقيقية للشعب السوداني هي: الهدنة الإنسانية، إيصال المساعدات دون عوائق، حماية المدنيين، وقف الانتهاكات، عودة النازحين واللاجئين بأمان، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة.
وأي مسار سياسي يتجاوز هذه الأولويات أو يعاملها باعتبارها مسائل ثانوية يكشف بأنه منفصم عن معاناة الشعب السوداني الفعلية. فلا معنى لحوار يُعقد بينما تستمر الحرب في تدمير المدن والقرى والمجتمعات. ولا يمكن للحوار الحقيقي أن ينشغل بشرعنة سلطات البنادق بدلاً عن وقف معاناة المدنيين أولاً.
رابعاً: النساء السودانيات يعرفن معنى الدولة التي تسيطر عليها الآيديولوجيا والبندقية:
إن موقفنا كنساء سودانيات لا ينطلق من قراءة مجردة للأزمة الحالية. نحن نحمل ذاكرة مثقلة بالآلام لما يمكن أن يحدث عندما تسيطر سلطة استبدادية ذات مشروع شمولي آيديولوجي على الدولة والقانون والمجال العام.
لقد عاشت النساء السودانيات طوال سنوات حكم الإسلامويين تجربة قاسية من القهر القانوني والسياسي والمؤسسي، وكان ما عرف بـ«منظومة النظام العام» أحد أكثر تجلياتها وضوحاً. تحولت تلك المنظومة إلى إطار واسع لإذلال النساء، وللتحكم بأجسادهن وملابسهن وسلوكهن وتحركاتهن ووجودهن في الأماكن العامة. وتعرضت نساء كثيرات للاعتقال والإهانة والمحاكمات والعقوبات الجسدية بسبب ملابس اعتبرتها السلطات «غير لائقة»، أو بسبب وجودهن في المجال العام، أو عملهن في بعض المهن، أو مشاركتهن في أنشطة اجتماعية ومدنية. وقد وثَّقت منظمات حقوقية دولية أن قوانين النظام العام استُخدمت بصورة تمييزية ضد النساء، وأنها سمحت بالاعتقال والضرب والحرمان من حرية التعبير والتجمع. وكانت المادة 152 من القانون الجنائي لعام 1991 من أبرز أدوات هذه المنظومة، إذ سمحت بمعاقبة ما يُعتبر «زياً فاضحاً أو مخلّاً بالآداب» بالجلد، في ظل تعريفات فضفاضة منحت أجهزة النظام العام سلطات تقديرية واسعة، استُخدمت بصورة غير متناسبة ضد النساء.
لهذا، فإن النساء السودانيات لا ينظرن إلى إعادة تمكين النظام القديم بوصفها خلافاً نظرياً بين قوى سياسية. بالنسبة لنا، إنها مسألة تتعلق بالحرية الشخصية، والكرامة، والحق في الحياة العامة، والحق في العمل والتنظيم والتعبير، والحق في ألا تعود الدولة مرة أخرى شرطياً على أجساد النساء وحياتهن. لقد دفعت النساء السودانيات ثمناً باهظاً لمقاومة ذلك النظام، وكان حضور النساء في ثورة ديسمبر امتداداً لنضال طويل ضد دولة حاولت إخضاعهن وإخراجهن من المجال العام. ومن غير المقبول أن تنتهي حرب السودان الراهنة بترتيب سياسي يسمح بإعادة تدوير القوى والبنى والأجهزة والأفكار التي ثار عليها السودانيون والسودانيات.
خامساً: لا يجوز إعادة تدوير النظام القديم عبر تمثيل مدني زائف:
لدينا قلق بالغ من أي عملية سياسية تُغرَق بواجهات مدنية أو ممثلين يقدمون باعتبارهم مستقلين، بينما لا تعكس تركيبتهم بصورة حقيقية القوى الاجتماعية والمدنية التي عارضت الحرب والاستبداد. وتكتسب هذه المسألة حساسية أكبر فيما يتعلق بتمثيل النساء والشباب.
لقد شهد السودان، في مراحل مختلفة، محاولات لصناعة تمثيل زائف للنساء والشباب عبر اختيار أشخاص أو كيانات لا تستند إلى قواعد اجتماعية مستقلة، ثم تقديمهم باعتبارهم ممثلين للنساء أو الشباب. وهذا النوع من التمثيل الزائف لا يحقق الشمول، إنما وسيلة لإفراغ مفهوم المشاركة من معناه. لا يكفي أن توجد نساء حول الطاولة لكي تكون العملية نسوية أو ممثلة للنساء. الاسئلة الجوهرية: من اختارهن؟ ومن يمثلن؟ ولمن يخضعن للمساءلة؟ وهل يملكن استقلالاً حقيقياً في اتخاذ الموقف؟ وهل تستطيع الحركات النسوية والنساء من المناطق المختلفة اختيار ممثلاتهن بأنفسهن؟.
لذلك نرفض بصورة قاطعة تزييف تمثيل النساء عبر واجهات مختارة من أجهزة سلطات الأمر الواقع أو القوى العسكرية والاسلاموية.
سادساً: استقلالية ما يسمى بلجنة الحوار:
يعرف كل متابع/ متابعة للشأن العام السوداني أن أحد اعضاء مكتب قائد الجيش كان وراء تشكيل لجنة (الحوار) ونظّم اجتماعاتها الأولية بالقاهرة ورحلتها إلى بورتسودان. وإذ وصفت مفوضية الاتحاد الأفريقي اللجنة بأنها «مستقلة»، نؤكد أن الاستقلال لا ينشأ من الوصف؛ فالاستقلالية يجب أن تكون قابلة للتحقق. ولهذا نطالب المفوضية بتحديد المعايير التي تم اختيارهم وفقاً لها، والجهة التي اختارتهم، ومصدر تفويضهم، وعلاقاتهم بالأطراف المختلفة، وما هي المؤشرات الموضوعية التي بررت للمفوضية استقلال اللجنة عن قيادة الجيش؟!.
سابعاً: لا حوار حقيقياً تحت سيطرة البنادق:
إن إجراء الحوار داخل السودان لا يجعله أكثر وطنية أو شرعية. السؤال ليس أين يُعقد الحوار، بل تحت أي شروط يُعقد؟ هل يستطيع المشاركون انتقاد قائد الجيش والسلطات القائمة دون خوف من الاعتقال؟ هل تستطيع قوى مناهضة للحرب أو معارضة للسلطة أن تعقد اجتماعاتها وتنظم نفسها وتصل إلى وسائل الإعلام؟ هل تستطيع النساء والناشطات والمدافعات عن حقوق الإنسان التعبير عن مواقفهن دون ترويع؟ هل توجد حماية مستقلة للمشاركين؟.
إن (الحوار) الذي تهيمن عليه البندقية، وتُصادر فيه الحريات، ويُروَّع فيه المختلفون، ويُحتكر فيه المجال العام لصالح قوى سياسية أو عسكرية بعينها، لا يمكن أن يوصف بأنه حوار حقيقي.
ثامناً: الشمول لا يتحقق بإرسال بطاقات الدعوة:
لا يصبح الحوار شاملاً لمجرد أن الجهة المنظمة أعلنت أنها ستدعو الجميع. الشمول الحقيقي يعني أن تشارك القوى المختلفة في تصميم العملية نفسها: في تحديد قواعدها، وفي وضع جدول أعمالها، وفي تشكيل لجانها، وفي تحديد آليات اتخاذ القرار، وفي صياغة مخرجاتها. ولا يمكن مطالبة القوى المدنية بالالتحاق بعملية صممها طرف في الحرب.
تاسعاً: مخاطر تمزيق السودان:
إننا نشعر بقلق بالغ من أن أي عملية سياسية تنطلق من واقع السيطرة العسكرية على جزء من البلاد تحول خطوط الحرب الحالية إلى خطوط سياسية دائمة. فإذا أصبحت السلطة السياسية مشتقة من مناطق السيطرة العسكرية، فإن العملية تنتقل من مشروع لإعادة توحيد السودان إلى مشروع لتكريس انقسامه. ولهذا فإن وحدة السودان لا تُحمى بالشعارات، إنما تُحمى بإعادة بناء دولة وطنية شرعية ومؤسسات مدنية مشتركة ومؤسسة عسكرية وطنية واحدة.
عاشراً: النساء في قلب المعاناة الحالية:
لقد أضافت الحرب الحالية طبقة جديدة ومروعة إلى تاريخ النساء السودانيات مع العنف والاستبداد. فالنساء في المدن والقرى، وفي مناطق النزوح واللجوء، يحملن اليوم عبئاً هائلاً من الانتهاكات ونتائج انهيار الحياة المدنية. أمهات فقدن أبناءهن، ونساء فقدن أزواجهن أو معيل أسرهن، ونازحات ولاجئات اضطررن إلى إعادة بناء حياتهن من الصفر، ونساء وفتيات تعرضن لانتهاكات جسدية وجنسية، وعاملات في المجال الإنساني والمجتمعي أصبحن خط الدفاع الأخير عن مجتمعاتهن في مناطق انهارت فيها الدولة والخدمات. ولهذا فإن النساء السودانيات لا يستطعن التعامل مع العملية السياسية باعتبارها منافسة بين النخب حول المناصب. نحن ننظر إليها من منظور الحياة والأمان والكرامة ومستقبل الأجيال. ولا يمكننا أن نشارك في أية عملية هدفها منح الشرعية لسلطات أمر واقع انقلابي أو أمراء حرب.
حادي عشر: مشاركة النساء ليست زينة سياسية:
لا يمكن أن تكون هناك عملية سلام مشروعة في السودان إذا كانت النساء مجرد أسماء تُضاف إلى قائمة المشاركين. فالنساء يردن مشاركة متكافئة وذات معنى في: تصميم العملية السياسية، التفاوض، صناعة القرار؛ صياغة الاتفاقات؛ آليات العدالة والمساءلة، إعادة بناء القطاع الأمني والعسكري؛ والتنفيذ والمتابعة، وسلطات ومؤسسات ما بعد النزاع.
ويجب أن تشمل المشاركة نساء الداخل، والنازحات، واللاجئات، ونساء المناطق المتأثرة بالحرب، والنساء في الشتات، والشابات، والمنظمات النسوية والمبادرات القاعدية. فالنساء السودانيات لسن ضحايا للحرب وحسب، وإنما كذلك فاعلات سياسيات ومدنيات، وناشطات في بناء السلام والعمل الإنساني، وصاحبات مصلحة أصيلة في تحديد شكل الدولة السودانية القادمة.
ثاني عشر: أزمة الثقة في الوساطة والآلية الخماسية:
ينطوي ترحيب المفوضية بالمبادرة على خطورة إضافية إذا جرى تقديمها باعتبارها جزءاً من مسار الآلية الخماسية. فالوساطة لا تستمد شرعيتها من اسم المؤسسة الراعية لها، إنما تستمد مشروعيتها من: استقلالها، نزاهتها، توازنها، قدرتها على جمع الأطراف وثقة أصحاب المصلحة بها، والتزامها الواضح بمصالح الشعب السوداني. ومصالح الشعب السوداني في هذه المرحلة واضحة: إنهاء الحرب، وإيصال الإغاثات، وحماية المدنيين، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، وإعادة بناء الحكم المدني الديمقراطي. وإذا فقدت أي وساطة هذه المعايير أو بدت وكأنها تنحاز إلى إطار صممه طرف عسكري، فإنها تخاطر بفقدان قدرتها على جمع الأطراف، وبالتالي تفقد أحد أهم مصادر شرعيتها.
ثالث عشر: تحفظاتنا بشأن قيادة المفوضية:
تعرب شبكة النساء السودانيات عن قلقها من الطريقة التي أدارت بها رئاسة المفوضية هذا الملف، وعن التساؤلات والمخاوف السياسية المثارة داخل الأوساط السودانية بشأن مدى استقلالية رئيسها عن بعض التيارات والمصالح الإقليمية. ونرى أن هذه المخاوف، أياً كان مصدرها، ينبغي ألا تُعالَج بالإنكار أو التجاهل، وإنما بالشفافية وبالتزام صارم بمعايير الاتحاد الأفريقي. ولهذا ندعو مؤسسات الاتحاد الأفريقي والدول الأعضاء إلى تقييم موقف رئاسة المفوضية من السودان وفق سؤال مؤسسي واضح: هل يعكس موقفه مبادئ الاتحاد الأفريقي وقراراته السابقة ومصلحة الشعب السوداني، أم أنه يتعارض معها؟.
رابع عشر: الحياد لا يعني الحياد بين الديمقراطية والحكم العسكري:
إننا نتفهم ضرورة أن يتواصل الاتحاد الأفريقي مع جميع أطراف الحرب. لكن الوساطة المحايدة لا تعني الحياد الأخلاقي أو الدستوري تجاه طبيعة النظام السياسي الذي سينشأ بعد الحرب. فالحياد بين أطراف الحرب لا يعني الحياد بين الديمقراطية والدكتاتورية. ولا يعني المساواة بين الشرعية الشعبية وسلطة الأمر الواقع. ولا يعني أن من يسيطر بالسلاح على مؤسسة الدولة يكتسب بذلك حقاً في حكمها.
خامس عشر: الطغيان العسكري لم يصنع الاستقرار في السودان:
لقد علمنا التاريخ السوداني درساً مؤلماً: الحكم العسكري لا ينتج استقراراً مستداماً. لقد قضى السودان جزءاً كبيراً من تاريخه بعد الاستقلال تحت أنظمة عسكرية. وكانت النتيجة توالي الحروب الأهلية، وتآكل المؤسسات، وتسييس القوات النظامية، وتفشي الفساد، وتفاقم الانقسامات المناطقية والاجتماعية، وانهيار الاقتصاد، وتعميق أزمة الدولة. والحرب الراهنة ليست منفصلة عن هذا التاريخ؛ إنها في جانب أساسي منها نتيجة تراكم طويل لدولة لم تنجح في إقامة علاقة دستورية مستقرة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع المدني، ولا في إخضاع السلاح لسلطة سياسية ديمقراطية. ولذلك فإن إعادة إنتاج الحكم العسكري بعد الحرب لن تعالج جذور الأزمة، بل ستعيد إنتاج شروط الحرب التالية.
سادس عشر: لا للاستقرار الزائف والانتخابات الصورية:
لقد خبر السودانيون كذلك ما يسمى «الحوار الوطني» الذي تتحكم فيه السلطة القائمة، والانتخابات التي تحدد البيئة السياسية والأمنية نتائجها قبل فتح صناديق الاقتراع. مثل هذه العمليات لا تنتج شرعية؛ إنها تنتج استقراراً ظاهرياً ومؤقتاً، بينما تستمر أسباب الانفجار تحت السطح. إن الديمقراطية ليست انتخابات فقط، والحوار ليس مجرد اجتماع، والمدنية ليست مجرد تعيين أشخاص مدنيين في واجهة الدولة. المدنية الحقيقية تعني خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة الدستورية الديمقراطية، وعدم تدخلها في اختيار الحكام أو تصميم النظام السياسي أو إدارة الاقتصاد والسياسة.
سابع عشر: ما نطلبه منكم:
إن شبكة النساء السودانيات تطالب بما يلي:
- سحب الترحيب بمبادرة حوار قائد الجيش وعدم التعامل معها باعتبارها إطاراً شرعياً للحوار الوطني المطلوب.
- التأكيد صراحة على أن العملية السياسية لا تعني الاعتراف بأي سلطة عسكرية بوصفها الممثل الشرعي للشعب السوداني.
- التأكيد على أن الجيش وقوات الدعم السريع وأي قوة مسلحة أخرى أطراف في إنهاء الحرب، وليست جهات مخولة بتصميم النظام السياسي.
- إعادة الأولوية إلى وقف الحرب، والهدنة الإنسانية، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات.
- ربط العملية السياسية بمسار واضح للمساءلة وعدم الإفلات من العقاب.
- ضمان ألا تُستخدم واجهات مدنية مصطنعة أو ممثلون مختارون من السلطة لتزييف الشمول السياسي.
- منع تزييف تمثيل النساء والشباب، وضمان حقهم في اختيار ممثليهم بصورة مستقلة.
- ضمان مشاركة النساء مشاركة متكافئة وذات معنى في جميع مراحل العملية السياسية.
- حماية العملية السياسية من أي محاولة لإعادة إنتاج عناصر النظام الشمولي السابق أو أجهزته أو ثقافته السياسية.
- ضمان ألا تتحول العملية إلى وسيلة لإعادة بناء نفوذ القوى التي قوضت الثورة والانتقال المدني أو إعادة إنتاج نظام يقوم على إذلال النساء ومصادرة الحريات العامة.
- إعادة التأكيد على أن الهدف النهائي للعملية السياسية هو حكم مدني ديمقراطي كامل.
- بناء مؤسسة عسكرية وطنية مهنية واحدة خاضعة للسلطة المدنية الديمقراطية.
- حماية وحدة السودان وسيادته ومنع تحويل مناطق السيطرة العسكرية الراهنة إلى مصادر شرعية سياسية أو حدود سياسية مستقبلية.
- مراجعة أداء المفوضية بصورة دورية وفق معايير الاستقلال والنزاهة والقدرة على جمع الأطراف.
- أن يمارس مجلس السلم والأمن والدول الأعضاء رقابة مؤسسية حقيقية على مقاربة رئاسة مفوضية الاتحاد الأفريقي تجاه السودان، حفاظاً على اتساقها مع مبادئ الاتحاد وقراراته.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير.
شبكة النساء السودانيات
سبتمبر 2026