في تقرير لمنظمة مناصرة ضحايا دارفور تحصلت عليه (ديسمبر): توثيق لانتهاكات جسيمة ضد المدنيين عقب معارك غرب دارفور لجوء ونزوح (8000) مواطن إلى تشاد والمناطق المجاورة

رصد (ديسمبر): صلاح المليح

 

أدت المعارك التي شهدتها محلية كلبس وقرى وادي بادرة، بولاية غرب دارفور أواخر يونيو الماضي، إلى موجة نزوح واسعة وتوثيق أولي لانتهاكات جسيمة ضد المدنيين في أعقاب الهجوم واستعادة السيطرة على المنطقة بواسطة القوات المسلحة والقوات المشتركة. وأصدرت منظمة مناصرة ضحايا دارفور تقريراً تحصلت (ديسمبر) على نسخة منه، رصدت ووثقت فيه المنظمة أوضاع حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني في إقليم دارفور، مستندة إلى معلومات ميدانية جُمعت عقب الهجوم الذي أسفر عن لجوء ونزوح أعداد تقدر بـ(8000) مواطن إلى دولة تشاد والمناطق المجاورة داخل ولاية غرب دارفور معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن، فضلاً عن وقوع قتلى وجرحى في أوساط المدنيين ونهب واسع لممتلكاتهم.

 

جرائم حرب

 

ذكرت المنظمة في تقريرها أن المعلومات التي تمكنت من التحقق منها تشير إلى أن الهجوم بدأ في نحو الساعة الرابعة مساء يوم 29 يونيو 2026، ونُفذ بواسطة القوة المشتركة، مدعومة بعناصر مسلحة، واستخدمت ما يقارب ثمانين مركبة عسكرية من طراز لاندكروزر، إضافة إلى مجموعات على الدراجات النارية والخيول. وأعقب المواجهات المسلحة امتداد أعمال العنف إلى المناطق السكنية، حيث وثقت المنظمة مقتل طفلة وإصابة طفلين بجروح خطيرة، إلى جانب عمليات نهب واسعة استهدفت الممتلكات الخاصة والثروة الحيوانية، الأمر الذي تسبب في نزوح آلاف المدنيين نحو الأراضي التشادية.

وخلص التقرير إلى أن الوقائع الموثقة تثير مخاوف جدية بشأن ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني قد ترقى، إذا ما ثبتت أمام جهة تحقيق مستقلة، إلى جرائم حرب تستوجب المساءلة، مشيراً إلى أن الأمر يستدعي تحركاً عاجلاً لحماية المدنيين وضمان عدم إفلات المسؤولين من العقاب.

 

منهجية التوثيق

 

وتشير منظمة مناصرة ضحايا دارفور إلى أن تقريرها يستند إلى المعلومات التي أمكن التحقق منها حتى تاريخ إصداره، مع الإقرار بأن استمرار القيود الأمنية وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق قد يفضيان إلى تحديث بعض الوقائع أو البيانات كلما توفرت معلومات إضافية موثوقة، وقالت إنها اعتمدت منهجية التوثيق السريع المعمول بها في حالات الطوارئ، مستندة إلى مقابلات مباشرة مع شهود عيان، وأسر الضحايا، وعدد من القيادات المجتمعية في محلية كلبس والمناطق المجاورة، إضافة إلى مراجعة المعلومات الواردة من مصادر ميدانية مستقلة وإخضاعها لعملية تحقق متقاطعة بهدف تعزيز الدقة والحياد، مبينة أن فريق التوثيق راعى مبادئ حماية الضحايا والشهود، فتم الاكتفاء بالأحرف الأولى لأسماء بعض المتضررين من جرائم النهب حفاظاً على سلامتهم وخصوصياتهم، بينما وردت أسماء الأطفال الضحايا بعد موافقة ذويهم لأغراض التوثيق، مع احتفاظ المنظمة بالأدلة والمعلومات الداعمة وفقاً للمعايير المهنية المعتمدة.

 

اشتباكات وحوادث نهب

 

وجاء في التقرير أن المعلومات التي تحققت منها المنظمة تشير إلى أن العمليات العسكرية بدأت في منطقة وادي بادرة قبل أن تمتد إلى محلية كلبس، حيث دارت اشتباكات بين القوة المشتركة وقوات الدعم السريع انتهت بسيطرة القوة المشتركة على المنطقة، وفي أعقاب ذلك تحركت القوات المهاجمة باتجاه الأحياء السكنية داخل المحلية، بينما انسحبت قوات الدعم السريع من بعض المواقع، الأمر الذي أوجد فراغاً أمنياً استغلته مجموعات مسلحة في تنفيذ أعمال نهب وإطلاق نار داخل المناطق المأهولة، مبيناً أن الشهادات التي وثقتها المنظمة تفيد بأن إطلاق النار استمر داخل الأحياء السكنية بعد انحسار الاشتباكات المباشرة، وهو ما أدى إلى حالة من الذعر الجماعي بين السكان، ودفع أعداداً كبيرة منهم إلى مغادرة منازلهم بصورة عاجلة، كما وثقت المنظمة عدداً من حوادث النهب التي استهدفت ممتلكات مدنية ومصادر رزق السكان، من بينها الاستيلاء على دراجة نارية تعود للمواطن (م. ب. أ)، ونهب مبلغ مالي من منزل المواطن (ع. م. ح) بعد اقتحامه، إضافة إلى الاستيلاء على هواتف ذكية وأجهزة شحن من منزل المواطن (ع. أ. ع)، الذي كان يعتمد على تشغيل محطة صغيرة لشحن الهواتف كمصدر رئيسي لإعالة أسرته.

 

حماية المدنيين وأعيانهم

 

وقالت المنظمة إنها وثقت الاستيلاء على ما يقدر بما بين مائتين ومائتين وخمسين رأساً من الأبقار والأغنام تعود للمواطن حسين (ف. د. ف)، وهي خسارة تمثل حرمان الأسرة من مصدر دخلها الأساسي ووسيلة عيشها الوحيدة، كما أسفر إطلاق النار داخل المناطق السكنية عن مقتل الطفلة ريماز إبراهيم عبد الله محمدين (12 عاماً) إثر إصابتها بطلق ناري أثناء وجودها داخل منزلها، وإصابة الطفل حمودي عامر محمد شرف الدين (8 سنوات) والطفل عبد السميع عز الدين يحيى إسماعيل (6 سنوات) بجروح خطيرة، حيث تلقيا إسعافات أولية في مرافق صحية محدودة الإمكانات، بينما تستدعي حالتهما الصحية نقلهما إلى مركز طبي أكثر تجهيزاً.

وذكرت المنظمة في تقريرها أن هذه الوقائع مجتمعة تشير إلى أن المدنيين وممتلكاتهم ومصادر معيشتهم تعرضوا لأضرار مباشرة خلال العمليات العسكرية، الأمر الذي يثير مخاوف جدية بشأن مدى احترام الالتزامات الواقعة على أطراف النزاع بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا سيما ما يتعلق بحماية المدنيين والأعيان المدنية، واحترام مبادئ التمييز والتناسب والاحتياط أثناء سير العمليات العسكرية.

 

تفاقم الوضع الإنساني

 

وأشار التقرير إلى أن الأحداث التي وثقتها المنظمة أدت إلى تفاقم الوضع الإنساني في محلية كلبس والمناطق المحيطة بها، حيث اضطرت أعداد كبيرة من السكان إلى مغادرة منازلهم بصورة عاجلة خوفاً من استمرار أعمال العنف واتساع نطاقها، وأبان أن التقديرات الميدانية الأولية تشير إلى أن ما بين سبعة آلاف وثمانية آلاف شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال وكبار السن، عبروا الحدود إلى جمهورية تشاد، في حين نزح آخرون إلى مناطق مجاورة داخل ولاية غرب دارفور.

وشملت المناطق الأكثر تأثراً وفقاً للتقرير أحياء النصر، والنسيم، والنهضة، والتضامن، والامتداد، وحي السلام بأقسامه المختلفة، إلى جانب قرى كرينا، وأم سيالة، وأبو شجيرة، حيث أفادت المعلومات الواردة للمنظمة بتعرض السكان لحالة من الهلع دفعت كثيرين إلى ترك ممتلكاتهم دون التمكن من حمل احتياجاتهم الأساسية. وتفيد المعلومات المتاحة أن النازحين يواجهون أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة، في ظل نقص حاد في المأوى والغذاء ومياه الشرب والخدمات الصحية، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة واقتراب موسم الأمطار، وهو ما يزيد من مخاطر انتشار الأمراض وتدهور الأوضاع الصحية، خاصة بين الأطفال والنساء وكبار السن. وذكرت المنظمة أنها لم تتمكن حتى لحظة إصدارها التقرير، من التحقق من وجود استجابة إنسانية كافية تلبي حجم الاحتياجات المتزايدة للمتضررين.

 

مخاوف من الانتهاكات

 

وقالت المنظمة في تقريرها إن الوقائع الموثقة تشير إلى احتمال وقوع انتهاكات لعدد من المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ومبدأ التناسب، وواجب اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين والأعيان المدنية أثناء العمليات العسكرية، كما تثير عمليات النهب الواسعة للممتلكات الخاصة والثروة الحيوانية، إلى جانب سقوط ضحايا من الأطفال داخل مناطق سكنية، مخاوف جدية بشأن ارتكاب انتهاكات قد ترقى، إذا ثبتت أمام جهة قضائية مختصة، إلى جرائم حرب تستوجب التحقيق والمساءلة وفقاً لأحكام القانون الدولي.

 

الاستنتاجات والتوصيات

 

وتشير منظمة مناصرة ضحايا دارفور إلى أن الوقائع الواردة في تقريرها تعكس استمرار تعرض المدنيين في دارفور لمخاطر جسيمة نتيجة امتداد العمليات العسكرية إلى المناطق المأهولة بالسكان، وما يصاحبها من أعمال قتل وإصابة ونهب ونزوح قسري، الأمر الذي يفاقم الأزمة الإنسانية ويقوض فرص حماية السكان المدنيين، ودعت جميع أطراف النزاع إلى الوقف الفوري للأعمال العدائية في المناطق المأهولة، والامتثال الكامل لالتزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني، بما يشمل حماية المدنيين، وإبعاد العمليات العسكرية عن التجمعات السكانية، والامتناع عن استهداف الأعيان المدنية أو تعريضها للخطر، واتخاذ جميع التدابير الممكنة لتقليل الأضرار الواقعة على السكان.

كما دعت المنظمة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والجهات الدولية المختصة، إلى اتخاذ خطوات عاجلة لضمان إجراء تحقيق مستقل ومحايد في الوقائع الواردة في تقريرها، بهدف تحديد المسؤولين عن الانتهاكات ومساءلتهم وفقاً للقانون، وضمان عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات الجسيمة من العقاب. وحثت كذلك الشركاء الإنسانيين، وفي مقدمتهم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وبرنامج الأغذية العالمي، ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، على تعزيز الاستجابة الإنسانية العاجلة للنازحين داخل السودان وعلى الحدود السودانية التشادية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة وسريعة ودون عوائق، مع إعطاء الأولوية للفئات الأكثر هشاشة، ولا سيما الأطفال والنساء وكبار السن.

 

التدفق المتزايد للنازحين

 

وشددت المنظمة على ضرورة دعم السلطات والجهات الإنسانية العاملة في تشاد للتعامل مع التدفق المتزايد للنازحين، بما يضمن توفير الحماية الدولية، والمأوى، والغذاء، والمياه، والرعاية الصحية، وخدمات الحماية، بما يتوافق مع المعايير الإنسانية الدولية، مشيرة إلى أن تقريرها يمثل تقييماً ميدانياً أولياً يستند إلى المعلومات التي تمكنت من التحقق منها حتى تاريخ إصداره، وأكدت أنها ستواصل توثيق التطورات الميدانية وجمع الأدلة والشهادات ذات الصلة، وأنها ستعمل على تحديث هذا التقرير كلما توفرت معلومات إضافية يمكن التحقق منها، كما أكدت احتفاظها بالمواد التوثيقية والأدلة المتصلة بالوقائع الواردة في هذا التقرير وفقاً للمعايير المهنية المعتمدة، تمهيداً لإحالتها إلى الآليات الوطنية أو الإقليمية أو الدولية المختصة متى اقتضت الضرورة، دعماً لجهود المساءلة والعدالة وإنصاف الضحايا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *