انهيار تاريخي للجنيه.. الدولار يتجاوز 8 آلاف جنيه.. والبرهان يتهرب ويحمِّل حكومته المسؤولية

سلطة قائد الجيش وحكمه العسكري يقودان السودانيين لكارثة اقتصادية «غير مسبوقة»

 

الخرطوم: (ديسمبر)

 

شهدت أسواق تبادل العملات الأجنبية داخل السودان وخارجه تراجعاً كبيراً في سعر صرف الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية، وفي مقدمتها الدولار الذي تجاوز سعره حاجز 8 آلاف جنيه، وسط توقعات بأن تتجاوز قيمته 9 آلاف جنيه خلال اليومين القادمين، بالتزامن مع ظهور أزمة في المشتقات النفطية بسبب فشل بنك السودان المركزي في توفير المبالغ المخصصة للموردين لشراء الوقود بالدرهم الإماراتي، وتحويل كل الأموال الموجودة لمنظومة الصناعات الدفاعية لصالح المجهود الحربي، واستمرار الفساد ونهب موارد البلاد من الذهب بواسطة الشبكات المرتبطة بقائد الجيش ومنظومة الصناعات الدفاعية وشركائه في الحرب.

 

وتصاعدت حملات إسفيرية من قبل مناصرين للجيش، خاصة من الإعلاميين بمنصات التواصل الاجتماعي، خلال يومي أمس الأول وأمس الأربعاء، نادى بعضها بإقالة رئيس الوزراء وحكومته الاقتصادية، وعلى رأسهم وزير المالية جبريل إبراهيم، بما عكس تنامي الصراع بين قائد الجيش وحلفائه في الكتلة الديمقراطية والحركات المسلحة التي تقاتل معه تحت لواء القوات المشتركة.

 

وشهد يوم أمس الأربعاء انطلاق حملة مضادة من مناصري القوات المشتركة ووزير المالية جبريل إبراهيم، حمّلت مسؤولية التدهور الاقتصادي لخطة مدبرة تسعى لاستهداف وزير المالية وإبعاده من موقعه.

 

حصاد «حكم العسكرية»

 

في ظل هذه الأجواء، تنصل قائد الجيش الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان عن مسؤوليته، وألقى باللوم على الأداء الحكومي لسلطته التي يترأسها كامل إدريس، وعزز هذا التنصل بإشارته إلى عدم «الرضا عن الواقع الاقتصادي الحالي ومساعيهم لوقف هذه الأزمة»، خلال حديثه يوم الخميس الماضي لعدد من الإعلاميين بمقر القيادة العامة بالخرطوم، دون أن يعطي أي تفاصيل حول تلك الخطوات.

 

إلا أن مراقبين تحدثوا لـ(ديسمبر)، وطلبوا حجب أسمائهم، اعتبروا الواقع الاقتصادي الراهن، الذي يشهد انهياراً تاريخياً غير مسبوق لقيمة الجنيه وارتفاع التضخم إلى أرقام قياسية تاريخية غير مسبوقة، يعد، طبقاً لقولهم، «التجلي الأكبر والأوضح لفكرة ونتيجة انقلاب 25 أكتوبر الذي سعى لتقديم الحكم العسكري باعتباره الخيار الأجدى والأنفع للبلاد وعدم صلاحية الحكم المدني»، معتبرين أن ما تشهده البلاد من اندلاع الحرب والفشل الاقتصادي المتزايد منذ أكتوبر 2021م وحتى تاريخه هو نتيجة فشل الحكم العسكري عموماً وقائد الجيش شخصياً.

 

واستدلوا بإصرار البرهان، في حديثه أمام مجموعة الإعلاميين يوم الخميس الماضي، على وصف انقلابه المشترك مع قائد قوات الدعم السريع في 25 أكتوبر 2021م بأنه «إجراء تصحيحي وليس انقلاباً عسكرياً»، معتبرين ذلك «إنكاراً للحقائق التي أوضحت أن مقصد ذلك الانقلاب كان استبدال الحكم المدني بآخر عسكري شمولي»، وكانت أول نتائج ذلك الانقلاب قطع الطريق على الإصلاحات الاقتصادية الكبيرة التي نفذتها الحكومة المدنية الانتقالية برئاسة رئيس الوزراء د.عبدالله حمدوك.

 

فشل الحلول الأمنية

 

تسببت الإجراءات الأمنية التي وجّهت بتعطيل التطبيقات البنكية خلال الفترة الأخيرة، بغرض الحد من التعاملات في شراء الدولار، في إحداث آثار سلبية، فتراجعت قيمة الجنيه وانخفضت بنسبة 25% في أقل من 72 ساعة، جراء شح السيولة بسبب تعطيل التطبيقات البنكية وارتفاع الطلب على الدولار.

 

وسجلت أسعار السوق الموازي خلال تعاملات يوم أمس أرقاماً غير مسبوقة، بوصول الدولار في مستهل تعاملات أمس الأربعاء إلى مبلغ 8441 جنيهاً، فيما توقعت مصادر أن يستمر في وتيرة الصعود وصولاً إلى مبلغ 9000 جنيه للدولار الواحد. وبلغ سعر الدرهم الإماراتي يوم أمس 2300 جنيه للدرهم الواحد، فيما تجاوز سعر الجنيه المصري 170‪ جنيهاً سودانياً.

 

وتوقع مراقبون استمرار وتيرة هبوط الجنيه وارتفاع أسعار العملات الأجنبية بسبب منهج الإدارة الأمنية للاقتصاد، واستشراء الفساد بصورة غير مسبوقة، وقيام منظومة الصناعات الدفاعية، التي يديرها الفريق أول ركن ميرغني إدريس، بتوجيه كل الموارد المالية المحلية لشراء كميات كبيرة من العملة الأجنبية، خاصة الدولار، لتغطية احتياجات تمويل الصفقات العسكرية العاجلة، بعد اشتراط الدول المصدرة للسلاح سداد قيمته كاملة، وتأثر تلك الصفقات بالفساد الذي يؤدي إلى رفع أسعار الطلبيات بنسبة لا تقل عن 50% من القيمة الحقيقية للفاتورة.

 

أزمة النفط والدرهم

 

تزامنت هذه التطورات مع أزمة كبيرة في المحروقات ومشتقات البترول من بنزين وجازولين، بعودة الصفوف الطويلة للمركبات أمام محطات الوقود لساعات طويلة، مع إعلان عدد من المحطات توقفها عن البيع في انتظار الأسعار الجديدة، بعد الزيادات الكبيرة الناتجة عن تراجع سعر صرف الجنيه.

 

وكشف مراقبون تحدثوا لـ«ديسمبر» عن أوجه جديدة للأزمة الحالية، الناتجة عن فشل بنك السودان المركزي في توفير تمويل شراء المشتقات النفطية بالدرهم الإماراتي، جراء الصعوبات التي تواجه المركزي في توفير الدرهم الإماراتي، بدايةً لأسباب سياسية، نسبةً لتوتر العلاقات مع دولة الإمارات العربية المتحدة.

 

وأشاروا إلى فشل مساعٍ سابقة هدفت إلى إيجاد بديل لتمويل الاحتياجات النفطية وغيرها بمعزل عن الإمارات منذ اندلاع الحرب، «والتي شهدت فشلاً ذريعاً»، طبقاً لقولهم، نظراً لعدم إمكانية إكمال أي إجراءات تمويل خارجية إلا من خلال نافذة فرع بنك النيلين بأبوظبي، الذي باتت عملياته تتطلب سدادها بالدرهم الإماراتي لتجنب أي إجراءات أو تعقيدات أو تعطيل قد تنتج جراء السداد بالدولار الأمريكي، نظراً لوجود قيود أمريكية في التعامل مع سلطة قائد الجيش، مشيرين إلى أن هذا التعقيد يشرح أسباب اشتراط توفير الدرهم الإماراتي لتغطية تمويل المشتقات البترولية.

 

غياب الذهب

 

ذكر البرهان، خلال لقاء عقده بمقر القيادة العامة بالخرطوم مع الإعلاميين المناصرين للجيش المشاركين في مؤتمر قضايا الإعلام يوم الخميس 10 سبتمبر الجاري، أن حجم إنتاج البلاد من الذهب يقدر بحوالي 70 طناً، وأن عائد ما تمتلكه الدولة منه لا يزيد على 200 كيلو.

 

إلا أن المراقبين الذين تحدثوا لـ«ديسمبر» اعتبروا ما ذكره البرهان هو نصف الحقيقة، أما النصف الذي صمت عنه فهو احتكار الذهب وعائداته لصالح منظومة الصناعات الدفاعية والجهات المرتبطة بها وشبكات الفساد المرتبطة بسلطة قائد الجيش والمجموعات المتحالفة معه، مشيرين إلى أن عائدات الذهب «باتت خارج الميزانية العامة للدولة بحماية وغطاء من البرهان وشبكات الفساد والمجموعات المتحالفة معه، وأن الصراع في هذا القطاع يدور فعلياً حول الطرف الفاسد الأكثر استحواذاً على النسبة الأكبر من المال المنهوب».

 

زيادة الدولار الجمركي

 

في سياق متصل، أصدرت وزارة المالية قرارات قضت برفع سعر الدولار الجمركي مجدداً، وهي الخطوة التي سيترتب عليها، طبقاً لمراقبين تحدثوا لـ«ديسمبر»، زيادة أسعار السلع التي باتت تجابه زيادات إضافية جراء عوامل أخرى، من بينها انخفاض قيمة العملة الوطنية وارتفاع أسعار المحروقات والوقود في ظل شح الكميات المعروضة، وتقلص الكتلة النقدية الورقية والإلكترونية بعد القرارات الأمنية بتعطيل وإيقاف التطبيقات البنكية عن العمل.

 

كساد وارتفاع أسعار

 

أفادت متابعات صحيفة «ديسمبر» من عدة مدن واقعة في مناطق سيطرة الجيش بحدوث كساد كبير تعيشه الأسواق نتيجة لارتفاع الأسعار، وتوقف شبه تام لحركة البيع والشراء بسبب انهيار قيمة العملة وانعدام الأموال النقدية أو التطبيقات البنكية.

 

وذكرت مصادر تحدثت لـ«ديسمبر» عن عودة تعاملات على أساس «المقايضة» كوسيلة لشراء السلع بين عدد من الجهات المتعاملة في الأسواق، محذرين من التداعيات الناتجة عن استمرار وتفاقم هذه الأوضاع، ومخاطرها المتزايدة في تعميق فجوات الأمن الغذائي التي تعيشها مناطق واسعة بالبلاد.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *