العدالة الانتقالية في السودان: بين الداخل والخارج – سلسلة قانونية في مستقبل المساءلة بعد الحرب (3)

استرداد الأموال المنهوبة: هل تعود ثروة السودان إلى أصحابها؟

 

د.العبيد أحمد العبيد

 

لم تكن الحرب وحدها هي التي أفقدت السودان موارده. فقد ظل الفساد والاستيلاء على المال العام وتهريب الثروات إلى الخارج، بدرجات وصور مختلفة، من السمات المتكررة في تاريخ الدولة السودانية الحديثة. ومع تعاقب الأنظمة تغيرت الأدوات والأسماء، لكن بقي السؤال نفسه: أين ذهبت أموال السودانيين، وهل يمكن أن تعود يوماً؟.

 

نشأتُ وقضيتُ جانباً مهماً من سنوات التكوين في عهد الرئيس جعفر نميري. وما زلت أذكر كيف ارتبط في الوعي الشعبي آنذاك القرب من السلطة والاتحاد الاشتراكي، لدى بعض المنتفعين، بفرص الثراء والنفوذ وتوفير حياة مريحة لأسرهم داخل السودان وخارجه. وكانت أحاديث العمولات والامتيازات، ومن بينها ما اشتهر شعبياً بـ«السيد عشرة في المائة»، جزءاً من لغة السودانيين في وصف اقتصاد السلطة والفساد.

 

لكن ما حدث خلال العقود التالية كان أوسع نطاقاً وأكثر تعقيداً. ففي ظل نظام الإنقاذ، ومع اتساع موارد الدولة، ولا سيما بعد استخراج النفط ثم التوسع في اقتصاد الذهب، تشابكت السلطة السياسية والاقتصادية والأمنية بصورة غير مسبوقة، واتسعت شبكات الشركات والواجهات التجارية والمصالح المرتبطة بمراكز النفوذ.

 

ثم جاءت الحرب الحالية، لا لتوقف ذلك المسار، وإنما لتخلق بيئة جديدة قد يكون فيها الاستيلاء على الموارد والاتجار بها ونقل الأموال خارج البلاد أسهل وأقل خضوعاً للرقابة.

 

ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن كل ثروة يملكها مسؤول سابق أو قائد عسكري أو أحد أفراد أسرته هي مال مسروق. فالمصادرة ليست حكماً سياسياً، والاشتباه ليس دليلاً، والقرابة لا تنقل المسؤولية الجنائية من شخص إلى آخر. ولكن حيث توجد أدلة على اختلاس المال العام، أو الرشوة، أو إساءة استعمال السلطة، أو غسل عائدات الفساد، أو إخفائها في حسابات وشركات وعقارات داخل السودان وخارجه، يصبح التحقيق واجباً لا خياراً.

 

وهنا يبرز السؤال: كيف ومتى يستطيع السودانيون استرداد الأموال العامة التي نُهبت وهُرّبت إلى الخارج؟ وهل يمكن استخدام جزء منها لجبر ضرر الضحايا، وتوجيه الباقي لإعادة بناء السودان؟.

 

المال المنهوب والعدالة الانتقالية

 

لا يُعد استرداد الأموال المنهوبة عادةً واحداً من الأركان التقليدية للعدالة الانتقالية، التي تركز على المساءلة، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، والمصالحة، وضمان عدم التكرار.

 

لكن الحالة السودانية تستدعي فهماً أوسع.

 

فإذا استُخدمت السلطة للاستيلاء على موارد الدولة، وإذا ساعد الفساد في تمويل أجهزة القمع أو شبكات الحرب، وإذا حُرمت المجتمعات من مواردها بينما تحولت تلك الموارد إلى ثروات خاصة داخل البلاد وخارجها، فإن استرداد الأموال لا يعود مجرد مسألة من مسائل مكافحة الفساد.

إنه يصبح جزءاً من تفكيك البنية الاقتصادية للإفلات من العقاب.

 

ولذلك لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: كم نستطيع أن نسترد؟ بل أيضاً: لمن تعود الأموال المستردة؟ ومن يقرر كيفية استخدامها؟ وهل ينبغي أن يكون للضحايا حق مباشر في جزء منها؟.

 

القانون الدولي: المال الذي يعبر الحدود لا يفلت بالضرورة من القانون

 

يمتلك السودان بالفعل أساساً قانونياً دولياً مهماً. فقد وقّع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC) في 14 يناير 2005، وصادق عليها في 5 سبتمبر 2014. ويكتسب ذلك أهمية خاصة لأن الفصل الخامس من الاتفاقية مخصص بالكامل لاسترداد الموجودات، وتقرر المادة 51 أن إعادة الموجودات مبدأ أساسي في الاتفاقية.

 

ولا تضع الاتفاقية الالتزامات على الدولة التي تطالب باسترداد أموالها وحدها. فالدولة الطرف التي توجد فيها الأصول تقع عليها أيضاً، وفق شروط الاتفاقية وقانونها الداخلي، التزامات بالتعاون في الكشف والتتبع والتجميد والمصادرة والإعادة.

 

ويمكن اختصار المسار في ست مراحل:

 

تحديد الأموال → تتبعها → تجميدها أو حجزها → إثبات مصدرها غير المشروع → مصادرتها → إعادتها والتصرف فيها.

 

لكن هذه المراحل ليست شيئاً واحداً.

العثور على الأموال ليس استرداداً، وتجميدها ليس مصادرة، ومصادرتها لا تعني بالضرورة أنها عادت إلى السودان.

 

وتوفر المواد 52 إلى 57 من الاتفاقية شبكة مهمة من التدابير المتعلقة بالكشف عن الأموال، والحسابات المرتبطة بالأشخاص المعرضين سياسياً، والاسترداد المباشر، والتعاون في المصادرة، والتجميد، وأخيراً إعادة الممتلكات.

 

لكن الاتفاقية لا تعطي السودان الحق في أن يرسل إلى دولة أجنبية قائمة بأسماء مسؤولين سابقين أو حاليين، ثم يطلب مصادرة ممتلكاتهم.

 

فالدولة التي توجد فيها الأموال ستطبق قانونها، والمحكمة ستطلب الأدلة، وللمتهم ولأصحاب الحقوق من الغير ضماناتهم القانونية.

 

ومن هنا يبرز السؤال السوداني الأصعب:

هل يستطيع السودان أن يقدم إلى المحاكم والسلطات الأجنبية أدلة قابلة للاستخدام قضائياً تثبت أن المال المطلوب تجميده أو مصادرته هو بالفعل مال عام منهوب أو عائد لجريمة فساد؟.

 

ويتلوه سؤال لا يقل صعوبة: هل ستثق تلك المحاكم في التحقيقات والأحكام الصادرة عن مؤسسات عدلية سودانية أضعفتها الحرب، وعانت قبلها أصلاً من التسييس ونقص القدرات والاستقلال؟.ش

 

وهنا تظهر مرة أخرى المفارقة التي ناقشناها في المقال السابق: كلما ضعفت مؤسسات السودان ازدادت حاجته إلى التعاون القضائي الدولي، وكلما ضعفت تلك المؤسسات أصبح الحصول على ذلك التعاون أكثر صعوبة.

 

القانون السوداني: المشكلة ليست غياب النصوص فقط

 

السودان لا يبدأ من فراغ قانوني. فهناك قواعد جنائية تتعلق بالمال العام والفساد، إلى جانب تشريعات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ومن بينها قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لسنة 2014، الذي أنشأ إطاراً للتعامل مع عائدات الجرائم والمعلومات المالية. كما توجد آليات للحجز والمصادرة في المنظومة القانونية السودانية.

لكن استرداد الأموال الموجودة في الخارج لا يحتاج إلى قانون فحسب.

إنه يحتاج إلى محققين ماليين متخصصين، ونيابة مستقلة، ووحدة معلومات مالية فعالة، وقضاة مؤهلين، وقدرة على تتبع الملكية المستفيدة للشركات، ومحامين في الولايات القضائية الأجنبية، وطلبات مساعدة قانونية متبادلة تستوفي متطلبات الدولة المطلوب منها التعاون.

ومن هنا فإن استرداد الأموال المنهوبة لا يمكن أن يُدار بمنطق اللجان السياسية المؤقتة أو الشعارات. إنه مجال قانوني ومالي دولي شديد التخصص.

 

النهب لم يتوقف: اقتصاد الحرب واستمرار النزاع

 

لكن أحد أخطر الأخطاء هو التعامل مع استرداد الأموال باعتباره مسألة تخص الماضي وحده.

فالفساد والاستيلاء على الموارد لم يتوقفا بسقوط نظام البشير. والحرب الحالية نفسها خلقت اقتصاداً يقوم على السيطرة على الموارد والأسواق والذهب والتجارة والحدود والنقل والشركات، في ظل انهيار واسع للرقابة ومؤسسات الدولة.

ولا يعني ذلك أن كل من يمارس نشاطاً اقتصادياً أثناء الحرب يستفيد منها بصورة غير مشروعة، أو أن كل ثروة تكونت خلالها هي مال منهوب. لكن من الضروري التحقيق في الأموال والأصول التي توجد أدلة على أنها نتجت عن الاستيلاء غير المشروع على الموارد العامة، أو الفساد، أو غسل الأموال، أو تحويل موارد الدولة إلى مصالح خاصة.

وهنا يجب أن نطرح سؤالاً ربما يكون أكثر حساسية من السؤال القانوني:

هل أصبحت الحرب نفسها مصدراً للثراء لبعض الأطراف والشبكات، بحيث أصبح لبعض المستفيدين من اقتصادها حافز مادي لاستمرارها بدلاً من إنهائها؟. لا يجوز الإجابة عن هذا السؤال بالشعارات أو الاتهامات غير المثبتة. لكنه أيضاً سؤال لا يجوز للسودانيين تجاهله. فالحروب لا تنتج القتلى والجرحى والنازحين واللاجئين وحدهم؛ إنها تنتج أيضاً اقتصاداً للحرب ومستفيدين منه. وحين تصبح السيطرة على الذهب والموارد والتجارة والأسواق ومؤسسات الدولة مصدراً للإثراء، قد تنشأ مصالح اقتصادية تستفيد من استمرار الفوضى.

ومن هنا يكتسب استرداد الأموال بعداً يتجاوز العدالة للماضي: استرداد الأموال في السودان ليس فقط عدالةً للماضي؛ بل قد يصبح أيضاً وسيلة لحرمان اقتصاد الحرب من بعض مكاسبه في الحاضر.

 

ولكن من أين نبدأ؟ التدرج الاستراتيجي

 

إذا حاول السودان مستقبلاً فتح كل ملفات الفساد منذ الاستقلال في وقت واحد، فالأرجح أن ينتهي إلى فتح آلاف الملفات وعدم إنجاز أهمها. ولذلك نحتاج إلى التدرج الاستراتيجي في استرداد الأموال المنهوبة.

ولا يعني التدرج الاستراتيجي طي ملفات الفترات الأخرى، ولا منح حصانة لأي عهد. بل هو اعتراف بأن قدرات الدولة الانتقالية ستكون محدودة، وأن العدالة الفعالة تقتضي البدء بالملفات الأكبر والأكثر إلحاحاً والأكثر قابلية للتحقيق. وينبغي أن تحدد الأولويات وفق معايير موضوعية: حجم الأموال المحتمل استردادها، وقوة الأدلة، واحتمال اختفاء الأصول، والصلة بتمويل الحرب أو الانتهاكات، وإمكانية التعاون مع الدولة التي توجد فيها الأموال، وقيمة الاسترداد بالنسبة للضحايا والمصلحة العامة.

وبتطبيق هذه المعايير، أرى أن يبدأ السودان بمسارين متوازيين.

المسار الأول: فترة نظام البشير 1989–2019. فقد امتدت ثلاثين عاماً وشهدت تدفقات كبيرة من عائدات النفط والذهب، وتوسعاً هائلاً في المؤسسات والشركات والشبكات الاقتصادية المرتبطة بمراكز السلطة. ومن المعقول أن تكون بعض أكبر ملفات الأموال العامة القابلة للتحقيق مرتبطة بهذه المرحلة.

المسار الثاني: الحرب الحالية واقتصادها. وهذا أكثر إلحاحاً؛ لأن الأموال التي تتحرك اليوم قد تختفي غداً، والشركات يمكن إعادة هيكلتها، والحسابات نقلها، والأصول تحويلها من نقد إلى ذهب أو عقارات أو شركات، ثم نقلها بين ولايات قضائية مختلفة.

وبالتالي لا يكون الاختيار بين الماضي والحاضر: نعود إلى فترة الإنقاذ لاسترداد أكبر ما يمكن من الثروة التي فقدها السودان، ونلاحق اقتصاد الحرب الحالية لمنع استمرار النزيف المالي وقطع بعض الحوافز الاقتصادية المرتبطة بإطالة النزاع.

ولا ينبغي أن تحدد هوية الشخص أو انتماؤه السياسي أو العسكري مسار التحقيق؛ الذي ينبغي أن يقود التحقيق هو المال، ومصدره، والأدلة التي تقود إليه.

 

التجميد الآن… والمصادرة عندما يقول القضاء كلمته

 

هذه النقطة مهمة للغاية في ظل استمرار الحرب. فلا ينبغي الخلط بين التجميد التحفظي والمصادرة النهائية.

قد تسمح قوانين دولة أجنبية، عند توافر الشروط القانونية، بتجميد أصول مؤقتاً لمنع نقلها أو إخفائها قبل انتهاء التحقيق والمحاكمة. أما المصادرة النهائية فتتطلب إجراءات وأدلة وضمانات أشد.

ولذلك: التجميد المبكر يحفظ المال إلى أن يقول القضاء كلمته؛ أما المصادرة النهائية فتتطلب الإثبات والإجراءات والضمانات.

وهذه إحدى أهم المساحات التي يمكن للسودانيين أن يبدأوا العمل عليها حتى قبل انتهاء الحرب.

 

نيجيريا: الأموال يمكن أن تعود

 

تقدم نيجيريا واحداً من أهم الأمثلة الأفريقية. فقد استمرت ملاحقة الأموال المرتبطة بالرئيس العسكري السابق ساني أباتشا وأسرته سنوات طويلة، وعبر ولايات قضائية متعددة. ومن أبرز العمليات إعادة نحو 321 مليون دولار من سويسرا إلى نيجيريا بموجب ترتيبات تضمنت دوراً للبنك الدولي، واستخدام الأموال في برامج تحويلات نقدية للفقراء والفئات الهشة، مع آليات للمتابعة والرقابة.

وفي 2020، أعيد إلى نيجيريا ما يزيد على 300 مليون دولار من أموال أباتشا عبر الولايات المتحدة وجيرسي، في إطار تضمن ترتيبات لاستخدام الأموال في مشروعات بنية تحتية محددة وآليات للمراقبة. والدرس ليس أن الاسترداد سهل. بعض هذه الأموال احتاج إلى سنوات من التحقيق والتقاضي والتعاون الدولي. لكن الدرس الأساسي هو: المال الذي خرج من البلاد لا يصبح بالضرورة مالاً ضائعاً إلى الأبد.

 

بيرو وكازاخستان: ماذا نفعل بالمال عندما يعود؟

 

وتقدم بيرو درساً آخر. فقد استعادت أموالاً مرتبطة بشبكة فلاديميرو مونتيسينوس، رئيس جهاز الاستخبارات في عهد ألبرتو فوجيموري، بالتعاون مع دول من بينها سويسرا. والأهم أن بعض ترتيبات إعادة الأموال رُبطت لاحقاً بتعزيز المؤسسات العدلية ومكافحة الفساد. وهذا يحمل رسالة مهمة للسودان: يمكن للمال الذي ساهم الفساد في إضعاف الدولة من خلاله أن يعود ليساعد في إعادة بناء المؤسسات التي تمنع تكرار الفساد.

أما تجربة BOTA في كازاخستان، فقد استخدمت آلية مستقلة لتوجيه أكثر من مائة مليون دولار من أصول متنازع عليها إلى برامج اجتماعية تستهدف الأطفال والشباب والأسر الهشة. ولا تعني هذه التجارب وجود قاعدة دولية تلزم كل دولة بتخصيص الأموال المستردة للضحايا. لكنها تثبت أن هناك بدائل عن مجرد تحويل المال المسترد إلى خزينة الدولة دون ضمانات.

 

هل للضحايا نصيب في الأموال المستردة؟

 

وهنا نصل إلى صميم العلاقة بين استرداد الأموال والعدالة الانتقالية. إذا استرد السودان مئات الملايين، وربما أكثر، فمن هم أصحاب الأولوية؟ ضحايا القتل والتعذيب؟ أسر المفقودين؟ النازحون واللاجئون؟ ضحايا النوع الاجتماعي والعنف الجنسي؟ المجتمعات التي دُمرت قراها أو حُرمت من مواردها؟ أم إعادة بناء المستشفيات والمدارس والقضاء والشرطة ومؤسسات الدولة؟.

القانون الدولي لحقوق الإنسان يفهم جبر الضرر بصورة أوسع من مجرد التعويض المالي؛ فهو يشمل، بحسب طبيعة الانتهاك، الرد والتعويض وإعادة التأهيل والترضية وضمانات عدم التكرار. ولهذا أرى أن يتضمن النظام السوداني المستقبلي صندوقاً وطنياً مستقلاً لجبر ضرر ضحايا الانتهاكات الجسيمة، تخصص له نسبة معتبرة من صافي الأموال العامة المستردة، مع وضع قواعد قانونية دقيقة لتحديد المستفيدين، والإدارة المستقلة، والمراجعة المالية، والشفافية والرقابة العامة.

لكن ينبغي أن نكون واضحين: تخصيص نسبة من الأموال المستردة للضحايا هو خيار ينبغي للسودان أن يتبناه في إطار عدالته الانتقالية؛ وليس قاعدة عامة تفرضها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.

ومن هنا يبرز سؤال آخر: إلى من تُعاد أموال السودان إذا لم تكن الدولة السودانية نفسها قد استعادت بعد شرعيتها ومؤسساتها؟.

إن إعادة الأموال إلى مؤسسات فاسدة أو غير خاضعة للرقابة قد تعني ببساطة سرقة المال مرتين.

 

استراتيجية وطنية لاسترداد ثروة السودان

 

يحتاج السودان، منذ الآن، إلى تصور لاستراتيجية وطنية تقوم على هدفين مترابطين: استرداد ما نُهب في الماضي، ومنع استمرار النهب في الحاضر. وتبدأ الاستراتيجية بخريطة للأصول لا بقائمة سياسية للأشخاص. ينبغي رسم خريطة للقطاعات والأصول والشركات والحسابات والعقارات وشبكات الوسطاء وهياكل الملكية المستفيدة والدول ذات الصلة. ثم تصنيف الملفات بحسب قيمة الأصول، وقوة الأدلة، وخطر تبديدها، وإمكانية اتخاذ إجراء قانوني بشأنها.

وسيحتاج السودان كذلك إلى هيئة متخصصة ومستقلة لاسترداد الأصول، تضم خبرات في القانون الجنائي والمالي الدولي، والتحقيق المالي، والمحاسبة الجنائية، والملكية المستفيدة، والمساعدة القانونية المتبادلة، وإدارة الأصول. والأهم أن تخضع هي نفسها لرقابة صارمة. فلا معنى لإنشاء جهاز لاسترداد المال العام إذا أصبح أداةً سياسية أو مصدراً جديداً للفساد.

 

وماذا نفعل قبل أن تنتهي الحرب؟

 

لا ينبغي أن ننتظر قيام الحكومة الانتقالية المقبلة حتى نبدأ التفكير. يمكن للخبراء السودانيين في القانون والمصارف والمحاسبة والتحقيق المالي، ولمنظمات المجتمع المدني والجاليات في الخارج، أن يبدأوا الآن في بناء المعرفة وحفظ المعلومات المشروعة وتحديد الولايات القضائية المهمة ودراسة أنظمتها القانونية وبناء العلاقات المهنية مع المحامين والمنظمات المتخصصة في استرداد الأصول.

ويمكن دراسة السجلات العامة للشركات والعقارات والملكية المستفيدة حيث يسمح القانون بذلك، وحفظ الوثائق المتاحة بصورة مشروعة، وتطوير قاعدة معرفة تساعد المؤسسات السودانية المستقبلية.

لكن يجب وضع خط أحمر واضح.

لا ينبغي للجاليات أو النشطاء أن يتحولوا إلى محققين سريين أو محاكم في المهجر، ولا أن ينشروا اتهامات غير موثقة، ولا أن يحصلوا على المعلومات بوسائل غير قانونية. فالهدف هو حفظ المعلومات وتحويلها، عندما تتوافر المؤسسات المختصة، إلى أدلة يمكن أن يستخدمها محقق مالي أو مدعٍ عام أو محكمة.

وفي الحالات التي توجد فيها معلومات جدية عن أصول قد تكون عائدات فساد أو جرائم مالية، يستطيع المحامون والمنظمات المتخصصة دراسة الطرق القانونية المتاحة لإبلاغ السلطات المختصة ووحدات المعلومات المالية في الدول المعنية.

وهكذا: يمكن أن تنتظر المصادرة النهائية قيام مؤسسات قضائية قادرة؛ أما حفظ الأدلة ومنع اختفاء الأموال فلا ينبغي أن ينتظرا نهاية الحرب.

 

من يملك المال.. ومن يملك القرار؟

 

في المقال الأول من هذه السلسلة كان السؤال: أي محكمة يمكن أن تطرق باب مجرم الحرب السوداني؟.

وفي المقال الثاني أصبح السؤال: إذا كان المطلوب أو الدليل في دولة أخرى، فكيف تعبر العدالة الحدود؟.

أما في هذا المقال فالسؤال هو: كيف تعود الثروة التي عبرت الحدود؟ لكن الإجابة تقودنا إلى سؤال أصعب من استرداد المال نفسه.

فقد نحدد الأموال، ثم تجمدها دولة أجنبية، ثم تصدر محكمة بعد سنوات حكماً بمصادرتها، ثم يصبح من الممكن أخيراً إعادتها.

عندها نصل إلى السؤال الذي لا تستطيع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد الإجابة عنه نيابة عن السودانيين: من يملك الشرعية ليقرر ماذا نفعل بهذه الأموال؟ من يحدد الضحايا الذين يستحقون جبر الضرر؟ ومن يقرر مقدار ما يذهب إليهم؟ ومن يقرر ما يخصص لإعادة الإعمار أو إصلاح القضاء أو التعليم والصحة؟ ومن يراقب المال؟ ومن يضمن ألا يُسرق مرة أخرى؟.

وهنا تنتهي تقريباً الرحلة الأولى من هذه السلسلة، رحلة العدالة بين الداخل والخارج، ونصل إلى عتبة سؤال مختلف تماماً. فاسترداد المال قد تحكمه قواعد القانون الدولي والتعاون بين الدول، لكن تحديد من يقرر، وما الذي يقرر، ومتى تبدأ كل مرحلة من مراحل العدالة الانتقالية، لا يمكن أن تفرضه محكمة أجنبية أو اتفاقية دولية.

ذلك قرار يجب أن يصنعه السودانيون.

وهذا يقودنا إلى السؤال الذي سيكون موضوع المقال القادم: من يقرر ماذا… ومتى؟.

ولعل علينا، قبل أن نتحدث عن المحاكم والتعويضات والمصالحة، أن نجيب أولاً عن السؤال الأكثر أساسية: من يملك الشرعية في سودان ما بعد الحرب ليقرر شكل العدالة الانتقالية، وأولوياتها، وتوقيتها؟

وأخيراً، ربما ينبغي ألا ننتظر حتى يصمت السلاح لكي نبدأ. ففي السودان، قد يكون قطع الطريق على المال المنهوب جزءاً من قطع الطريق على الحرب نفسها. والعدالة الانتقالية لا تبدأ فقط يوم يصمت السلاح؛ وقد تبدأ أحياناً بتتبع المال الذي يساعد على إبقائه مشتعلاً.

++++++++++++++++++++++++

الهندسة المتناقضة في خطاب الجنرال ياسر العطا

قراءة في مآزق الوصاية والتموضع

 

بقلم: وليد عنبوور

 

في لحظة سياسية وعسكرية شديدة الاضطراب، لا تعود تصريحات القيادات العسكرية مجرد مواقف عابرة مرتبطة بتطورات الميدان أو ضرورات التعبئة؛ إذ تتحول إلى نصوص سياسية تكشف بنية التفكير العسكري الذي يدير المشهد، وتكشف حدود رؤيته للدولة وموقع المجتمع والقوى المدنية في مستقبل السودان. ولذلك يصبح خطاب الفريق أول ياسر العطا في حواره مع صحيفة «الشروق» المصرية مادة تتجاوز التصريح العسكري المباشر، خصوصاً عندما يجمع بين الحديث عن عدم رغبة الجيش في الحكم، والدعوة في الوقت ذاته إلى بقاء القائد العام رئيساً للدولة لثلاث أو أربع دورات انتخابية، وبين تصعيد الخطاب تجاه إثيوبيا ودول الإقليم، وتقديم تصورات تتجاوز حدود الحرب إلى شكل الدولة بعدها.

 

فالخطاب الذي يربط حماية الدولة باستمرار القيادة العسكرية في قمة السلطة يخلط بين حماية الحدود وخضوع الجيش للسلطة المدنية، وينقل مفهوم حماية الدولة إلى حماية بنية الحكم ذاتها، محولاً الخوف من الفوضى إلى مبرر لإدامة الوصاية، بينما تحتاج الدولة التي انهارت مؤسساتها إلى فصل واضح بين وظيفة الدفاع وحق المجتمع في اختيار السلطة وصياغة مستقبله السياسي بحرية.

 

تناقضات الحوار التأسيسي وسقف الوصاية فوق الدستورية

 

المفارقة الأولى تبدأ من العبارة التي تقول إن الجيش لا يريد حكم البلاد، ثم تنتقل مباشرة إلى تصور يجعل القائد العام رئيساً للدولة خلال ثلاث أو أربع انتخابات مقبلة، مع منح الأحزاب الفائزة مسؤولية تشكيل الجهاز التنفيذي. وهي صيغة لا تنهي الحكم العسكري، بل تتجه إلى إعادة إنتاجه داخل هندسة انتخابية؛ إذ يصبح الانتخاب قائماً تحت سقف عسكري محدد سلفاً، وتصبح شرعية الصندوق مرتبطة بوجود وصاية فوق دستورية تملك حق حماية الدولة وتحديد رئيسها في الوقت ذاته، مما يحول الانتخابات من أداة لإنتاج السلطة إلى آلية لإعادة ترتيبها داخل المجال الذي تسمح به المؤسسة العسكرية.

 

وقد ذهب العطا في الحوار إلى القول إن وجهة نظره تتمثل في أن القائد العام، أياً كان اسمه، يكون رأس الدولة، مع تولي الانتخابات البرلمانية إنتاج الحكومة التنفيذية.

 

المشكلة لا تتعلق فقط بعدد الدورات الانتخابية المقترحة، وتتجاوز ذلك إلى الفكرة المؤسسة خلفها؛ فحين يقرر القائد العسكري مسبقاً أن موقع رئيس الدولة ينبغي أن يبقى مرتبطاً بالقائد العام، تصبح المؤسسة العسكرية طرفاً في صياغة العقد السياسي قبل بدء النقاش الوطني حوله، ويغدو الحديث عن حياد الجيش منفصلاً عن وظيفته السياسية الفعلية؛ لأن من يحدد شكل الحكم ويضع سقفاً لاختيار رأس الدولة لا يستطيع تقديم نفسه باعتباره مؤسسة بعيدة عن صناعة السلطة.

 

وتزداد المفارقة حدة عندما يوضع هذا التصور أمام الحوار السوداني ـ السوداني الذي يجري تقديمه باعتباره مساراً تشارك فيه القوى السياسية والمدنية لتحديد مستقبل الدولة وترتيبات الحكم؛ فإذا كان الحوار سياسياً ومدنياً وتأسيسياً، فإن الجيش لا ينبغي أن يكون طرفاً فيه أصلاً، لأن المؤسسة العسكرية ليست حزباً سياسياً ولا هيئة تفويض شعبي ولا مكوناً مدنياً يملك حق التفاوض حول شكل الدولة ونظام الحكم ورئاسة الدولة وتوزيع السلطة، وتظل مؤسسة وطنية مهنية تنشأ وظيفتها داخل الدولة وتخضع للعقد الدستوري الذي يصوغه المجتمع.

 

وهذا يجعل التناقض أكثر حدة: فإذا كان الجيش غير معني بالقضايا السياسية، كما يفترض في الدولة الديمقراطية، فكيف يصبح موقع القائد العام في رئاسة الدولة قضية يحددها الجيش مسبقاً؟ وإذا كان الحوار مدنياً، فكيف تصبح المؤسسة العسكرية صاحبة تصور جاهز لشكل السلطة المفترض أن ينتجه الحوار؟ وإذا كان الحوار تأسيسياً، فكيف تسبق المؤسسة العسكرية المشاركين إلى تحديد إحدى أهم قضايا التأسيس؟.

 

القضية ليست أن يشارك الجيش ثم يلتزم بمخرجات الحوار؛ والحقيقة المعرفية أن الجيش لا ينبغي أن يكون طرفاً سياسياً في الحوار من الأساس، لأن مهمته تبدأ داخل الدولة التي ينتجها العقد الدستوري، لا عند صياغة ذلك العقد.

 

وعلى هذا الأساس، فإن طرح بقاء القائد العام رئيساً للدولة لثلاث أو أربع دورات لا يمثل مجرد رأي شخصي، بل يكشف اختلاطاً بين المجال العسكري والمجال السياسي، ورغبة في الاحتفاظ بحق تحديد جزء من المستقبل السياسي للدولة، حتى مع إعلان عدم الرغبة في الحكم؛ فالمؤسسة التي تحدد رأس الدولة، وشكل العلاقة بين البرلمان والجهاز التنفيذي والقائد العام، والمدة التي يبقى فيها العسكري في قمة السلطة، تكون قد دخلت المجال السياسي من أوسع أبوابه، مهما كانت اللغة المستخدمة لتسمية ذلك حماية أو ضرورة أو انتقالاً مؤقتاً.

 

ولهذا ينسف هذا الطرح الحوار السوداني ـ السوداني قبل بدايته؛ لأن الحوار الذي يفترض أن يكون مساحة لصياغة عقد وطني جديد لا يستطيع أن يبدأ تحت سقف سياسي تحدده المؤسسة العسكرية مسبقاً، كما لا يستطيع أن يتحول إلى عملية تأسيس حقيقية إذا كان الجيش يحمل نتيجة سياسية جاهزة يريد إدخالها إلى الطاولة.

 

فالتأسيس يقتضي أن يقرر المجتمع شكل الدولة ونظام الحكم ورئاسة الدولة والعلاقة بين المؤسسات، ثم يخضع الجيش لما ينتجه هذا العقد من قواعد دستورية، لا أن يدخل لحظة التأسيس حاملاً تصوراً مسبقاً لرأس الدولة.

 

ضمن هذا المشهد، يصبح بعض الأفندية المدنيين الذين يروجون للحوار مع تجاهل هذه المفارقة جزءاً من وظيفة سياسية خطرة؛ لأنهم يقدمون غطاءً مدنياً لترتيب عسكري مسبق، ويتحولون بذلك إلى «دمى في يد العسكر»، سواء امتلكوا الوعي الكامل بهذه الوظيفة أم تحركوا تحت وهم فتح طريق للحل. فالمعيار الحقيقي هو الوظيفة السياسية التي يؤديها هذا الدور في إنتاج الشرعية، وحين يجري تسويق حوار تأسيسي بالتزامن مع تحديد رأس الدولة مسبقاً، تصبح المشاركة المدنية أداة تزيين لترتيب سلطوي بعيداً عن الشراكة الفعلية.

 

هذه المفارقة تقود إلى أصل أعمق للأزمة يتعلق بطبيعة المؤسسة العسكرية ذاتها. فالقوات المسلحة بصورتها التاريخية جزء من بنية الأزمة التي أنتجت الدولة القديمة، وتراكمت داخلها علاقة معقدة بين القوة العسكرية والسلطة والاقتصاد ومراكز النفوذ. ولذلك فإن التعامل معها باعتبارها مؤسسة تحتاج إلى إصلاحات إدارية فقط لا يمس جذور المشكلة؛ لأن حرب 15 أبريل كشفت عجز النموذج القديم للدولة وتهاوي ترتيباته الأمنية والسياسية عن حماية المجتمع، كما كشفت أن إعادة إنتاج المؤسسة ذاتها بالعقيدة والبنية والعلاقات القديمة لن تقود إلى دولة جديدة.

 

ترحيل الأزمة إلى الخارج وتوظيف الملفات الإقليمية والميدانية

 

في الوقت نفسه، تكشف تصريحات العطا عن انتقال الخطاب العسكري من الدفاع عن المجال الوطني إلى صناعة فضاء جيوسياسي واسع ومتشابك للتهديدات. فبعد الاتهامات المتكررة للإمارات، يتجه الخطاب هذه المرة نحو تصعيد مباشر ضد إثيوبيا، مستشهداً بادعاءات حول استخدام مطار أصوصا للانطلاق الميداني، رابطاً ذلك بمعارك النيل الأزرق والحديث عن مساعٍ إثيوبية للوصول إلى ميناء عصب الإريتري، وهي قضايا وردت ضمن الحوار نفسه إلى جانب حديثه عن دارفور والتطورات الميدانية.

 

هذا المنطق لا يمنح الحرب امتداداً عابراً للحدود فحسب، بل تتجاوز أبعاده التناقضات التاريخية والتوازنات الأمنية الحساسة بين أسمرا وأديس أبابا، محوِّلاً الخطاب العسكري إلى أداة لإعادة تعريف الصراع الداخلي باعتباره مواجهة متعددة الجبهات، تغذي الاستقطاب الإقليمي وتصوغ اصطفافات الخصوم والحلفاء استناداً إلى مخاوف الجوار.

 

هذا النمط من الخطاب يستوجب قراءة استراتيجية مستقلة؛ إذ إن نقل مركز الأزمة إلى الفضاء الخارجي قد يمنح المؤسسة العسكرية قدرة مؤقتة على حشد الداخل وتبرير الاستعانة بأطراف خارجية، لكنه لا يعالج الجذور الحقيقية للصراع. وحتى مع فرضية وجود تدخلات إقليمية، فإن ذلك لا يلغي المسؤولية التاريخية للبنية السياسية والأمنية التي أدت إلى انهيار الدولة وتحالفت مع النظام المحلول، ولا يمنح المؤسسة العسكرية مسوغاً لاتخاذ حماية السيادة ذريعة للانفراد برسم مستقبل البلاد؛ فالسيادة الوطنية الحقيقية تبنى على الإرادة الشعبية والعقد الاجتماعي، وتتعارض مع هيمنة المؤسسة العسكرية على المجال السياسي.

 

وإقحام الملف الإثيوبي في هذا التوقيت الحرج، بالنظر إلى ملفات الحدود والفشقة وسد النهضة، يحمل مخاطر استراتيجية قد تحول الشريط الحدودي إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وتضع البلاد داخل محاور لا تملك أدوات التوجيه فيها، وقد تدفعها إلى خدمة حسابات إقليمية تتجاوز المصلحة السودانية المباشرة.

 

وتتكرر الهندسة نفسها في الحديث عن جبهات دارفور والنيل الأزرق، إذ يجري تقديم وعود باقتراب تحرير الفاشر ونيالا والجنينة، مع تصوير جبهة النيل الأزرق باعتبارها محاولة لإعاقة التقدم نحو الغرب. وهذه طريقة تصنع النصر قبل اكتماله على الأرض، وتحول التوقعات العسكرية إلى حقائق سياسية مسبقة؛ وهذه الفجوة بين الواقع والتعبئة واحدة من أشد مظاهر الهروب إلى الأمام، لأن الدولة لا تستطيع بناء شرعيتها على انتصارات معلنة قبل تحققها.

 

والبعد الأشد إقلاقاً أن خطاب النصر المتكرر قد يزيح النقاش عن كلفة الحرب الإنسانية والاجتماعية، وعن ملايين النازحين واللاجئين وتدمير المؤسسات وانهيار الاقتصاد، ويجعل المجتمع مطالباً بالصمت أمام كل تجاوز ما دام الخطاب يعده بانتصار قريب، فتستمر التعبئة وتتأجل معالجة أسباب الانهيار.

 

وتكشف قضية المعتقلين، وما ارتبط بحديث العطا عن احتجاز شقيقه منذ الأيام الأولى للحرب، ثم رفضه تمييزه عن غيره من المعتقلين، نقطة تتجاوز المأساة الفردية إلى كيفية توظيف القضية داخل الخطاب العام، بما يمكن أن يحولها سياسياً إلى مادة للتعبئة واستمرار الحرب؛ فتحويل مأساة المعتقلين إلى وقود لمزيد من الدمار لا يقدم حلاً.

 

أما الملف الروسي في البحر الأحمر، وما يرتبط بتأخر الاتفاق حول القاعدة البحرية بسبب غياب البرلمان، فيكشف بدوره عن سؤال السيادة الدستورية؛ إذ لا يمكن اختزال القرارات الاستراتيجية المتعلقة بالموانئ والقواعد العسكرية والوجود الأجنبي في ترتيبات مؤقتة تفرضها الحرب، كما أن الاتهامات المتعلقة بالأسلحة الكيميائية تحتاج إلى تحقيق مستقل وشفاف؛ لأن حماية السيادة تعني أيضاً ترسيخ أركان المحاسبة والنزاهة المؤسسية، وحظر تحويل الملفات السيادية إلى أدوات في صراعات القوى الكبرى.

 

من شرعية السلاح إلى شرعية التأسيس

 

المحصلة السياسية لهذه التصريحات تتضح في تركيبها: توسيع دائرة التهديدات الإقليمية، وتثبيت مركزية المؤسسة العسكرية، وتصنيع انتصارات مستقبلية، وربط الأزمة بمخاطر الخارج لفرض تصور معين للدولة القادمة؛ فتغدو هذه الهندسة آلية متكاملة لتأجيل استحقاق التأسيس الحقيقي، بينما جاءت حرب 15 أبريل لتكشف النهاية الفعلية للنموذج القديم للدولة، لا سقوط سلطة عابرة فقط.

 

لقد أعلنت الحرب النهاية العملية لدولة تآكلت بنيتها عبر عقود من الانقلابات والحروب ومراكز القوة المتعددة؛ انهارت مؤسساتها، وتفتت وظائفها، وتبعثرت سلطتها، وتحولت أجزاء واسعة من بنيتها إلى ركام، وما بقي من مؤسساتها القديمة فقد القدرة على إنتاج حياة وطنية مستقرة. ولذلك فإن محاولة ترميم ذلك الركام أو إعادة تدوير أطلاله تحت عناوين ومسميات جديدة لن تعني استعادة الدولة، بل تؤدي إلى إعادة إنتاج شروط الفاجعة ذاتها.

 

المطلوب بعد 15 أبريل ليس إعادة بناء الدولة القديمة، ولا ترميم مؤسساتها المنهارة، ولا إعادة توزيع مواقعها بين النخب والقوى التي عاشت داخل بنيتها؛ بل تتجلى الحاجة في إعلان القطيعة التاريخية مع النموذج الذي انتهت آخر تجلياته في الحرب، والبدء في تأسيس دولة سودانية جديدة تنشأ من عقد وطني جديد ومن إرادة السودانيين الحرة، لا من موازين القوة التي أفرزتها الحرب.

 

ولذلك فإن إعادة التأسيس عملية سياسية ودستورية تعيد تحديد شكل الدولة ونظام الحكم وتوزيع السلطة والعلاقة بين المركز والأقاليم والعدالة الانتقالية والعلاقة بين الجيش والمجتمع والاقتصاد السياسي للمؤسسات العسكرية.

 

ومن هذا المنظور يصبح موقف الجيش من الحوار واضحاً؛ فالجيش ليس طرفاً سياسياً في عملية التأسيس، ولا يملك تفويضاً شعبياً يتيح له التفاوض حول شكل السلطة أو تحديد رئيس الدولة أو وضع سقف زمني لبقاء قائده في قمة الحكم، وتتحقق مهمته بالخضوع لما تنتجه الإرادة المدنية التأسيسية من عقد دستوري، ثم العمل داخله باعتباره مؤسسة دفاع وطنية مهنية.

 

وفي صلب هذا التحول يأتي إنشاء وتأسيس جيش وطني جديد، لا بوصفه تفصيلاً فنياً يؤجل إلى ما بعد صياغة الدولة، بل باعتباره نتيجة طبيعية للعقد الوطني الجديد؛ جيش يولد من رحم الدستور الجديد، بعقيدة وطنية غير حزبية، وتمثيل عادل، وهيكل مهني، ووظيفة دفاعية واضحة، وخضوع كامل للسلطة المدنية، واستقلال عن المنافسة السياسية والاقتصادية، بحيث لا يصبح الجيش طرفاً في صناعة السلطة أو مركزاً موازياً للدولة.

 

وعليه، فإن طي الحرب لن يكون خاتمة الأزمة السودانية، بل تتشكل معه بداية المعركة الحقيقية؛ معركة الانتقال من شرعية السلاح إلى شرعية التأسيس، ومن دولة انتهت بنيتها القديمة في حرب 15 أبريل إلى دولة جديدة تستمد شرعيتها من مواطنيها، ولا يعاد فيها تدوير مؤسسات ماتت وظائفها، ولا إنتاج علاقة الجيش بالسياسة التي كانت جزءاً من أسباب الانهيار، ولا يستبدل وجه قديم بوجه جديد داخل البنية ذاتها؛ بل يفتح السودانيون مساراً تأسيسياً حراً يحدد شكل دولتهم ونظام حكمهم وعقدهم الدستوري، ثم ينشئ الجيش الوطني الذي يخضع لهذا العقد.

 

وعندها فقط يصبح الخروج من فانتازيا التصعيد والهروب إلى الأمام انتقالاً حقيقياً من دولة الحرب والوصاية إلى دولة المواطنة والديمقراطية والتأسيس الجديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *